مبدأ التغيير وإشكالية الفضاء الإلكتروني
في المنفى، قد يتغير كل شيء حول الإنسان باستثناء ماضيه الرقمي. يتعلم لغة جديدة، ويكتشف عادات مختلفة، ويحاول أن يبني علاقة جديدة مع العالم، لكن تظل كلمات قديمة محفوظة وربما أساساً للحكم على شخصية صاحبه أو أهليته أو مكانه في المجتمع الجديد.
-
رجل يتصفح هاتفه وسط ركام غزة، كانون الثاني/يناير 2025 (أ ف ب)
كثيراً ما كنت أقول لنفسي وللآخرين إن الثابت الوحيد في حياة البشرية هو التغيير، خصوصاً في ظل تطور الإنسان وتقدمه، واندماجه مع ثقافات ومجتمعات متباينة ثقافياً ودينياً ومذهبياً وفكرياً.
اليوم وفي ظل تطور وسائل التواصل الاجتماعي، بات هناك كثير من الكلمات التي لا تنتهي لحظة الكتابة كما يحدث على الورق الذي قد يُتلف أو يُحرق، بل تبقى في مكان ما، على صفحة قديمة أو حساب مهمل، يتربّص بها شخص ما ليعيدها إلى الحياة، ولكن بمعنى مختلف هذه المرة، والأدهى أن الشخص عندما يعمد إلى حذف ما كُتب سابقاً، تظل تلك الكلمات محفوظة في "سيرفرات" وأجهزة ضخمة لصنّاع تلك المنصات.
تلك الكلمات التي قد يكون صاحبها قد نسيها، أو ندم عليها، أو تغير إلى درجة أنه لم يعد يتعرف إلى نفسه فيها، ومع ذلك، لا يمكن نسيان الكلمات، إنها تنتظر في صمت، حتى يأتي يوم تصبح فيه جزءاً من قصة لم يكن صاحبها يتوقع أن يرويها، وقد تصبح خطراً عليه.
في العالم الرقمي، لا يملك الإنسان ماضيه بالكامل، إنه يستطيع أن يغير رأيه، وأن يعيد النظر في مواقفه، وأن يقطع مسافة طويلة بين ما كانه وبين ما صار إليه، لكنه لا يستطيع دائماً أن يأخذ كلماته القديمة معه إلى هذا التحول، وقد يبقى منشور كتبه قبل 10 سنوات أكثر حضوراً من كل ما قاله بعدها، وقد يجري اختصار جملة واحدة لحياة كاملة، كأن السنوات التي مرت لم تكن كافية لإثبات أن الإنسان ليس صورة ثابتة، بل إنه يتطور وينضج ويتغير.
تبدو المسألة بسيطة للوهلة الأولى: أن فلان كتب كلاماً في لحظة غضب أو حزن، وعثر عليه آخرون، فأعادوا نشره وناقشوه، أو ربما حاكموه بما كتب. لكن الأمر يصبح أكثر تعقيداً حين نعرف أن تلك الكلمات كُتبت في زمن الحرب، وأن صاحبها كان يعيش تحت ظروف القصف والخوف، كان يراقب موت أصدقائه وأقاربه، أو يحاول أن يفهم كيف يمكن للحياة أن تستمر فيما ينهار كل ما يعرفه من حوله.
وهنا لا يصبح السؤال بفكرة الكتابة بل بالزمن الذي خرجت منه، والمسافة التي تفصل بين لحظة الكتابة واللحظة التي يعود فيها البعض للحكم عليها.
الحرب لا تغير ما يحدث حول الإنسان فحسب، بل تغير أيضاً الطريقة التي يرى بها العالم حين يصبح الموت جزءاً من حياته اليومية، وحين يتحول الخوف إلى رفيق دائم، لذلك تضيق اللغة بما تحمله من مشاعر، وقد تتقدم الكلمات على التفكير، ويخرج الغضب في صورة عبارات لم يكن لأحد أن يبوح بها في ظروف أخرى، فالكلمات كثيراً ما يتم كتابتها لدى الأدباء والإعلاميين والناشطين في ظروف استثنائية لا تحتاج إلى اقتطاعها من صفحة قديمة ووضعها أمام الناس.
لكن المشكلة تظهر حين يصبح الحكم على العبارة حكماً نهائياً على صاحبها؛ فبدلاً من أن نسأل عمّا قاله الإنسان، ولماذا قاله، وما إذا كان قد راجع موقفه لاحقاً، نبدأ في التعامل مع المنشور القديم كتعريف كامل له. وربما لا تعود هناك حاجة إلى معرفة ما حدث بعد ذلك، أو سماع ما يقوله اليوم، أو النظر في المسافة التي قطعها منذ لحظة الكتابة، بل تكفي جملة واحدة كي تغلق السيرة كلها.
ربما تبدو هذه المسألة أكثر أهمية حين يتعلق الأمر بفلسطيني عاش الحرب في غزة، ثم وجد نفسه في المنفى. فهو لا يأتي إلى البلد الجديد كإنسان جديد، أي لا يبدأ حياته من الصفحة البيضاء التي يتخيلها الآخرون. بل يصل محملاً بالركام والقنابل والصواريخ التي قتلت أهله وأصحابه، وبعد أن يتعافى من مرحلة ما بعد الصدمة، يبدأ بإعادة بناء نفسه وأسرته، لكي ينهض متجاوزاً مرحلة الخوف والرعب والموت الذي لم يتوقف حتى اللحظة على مدينة غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا.
في المنفى، قد يتغير كل شيء حول الإنسان باستثناء ماضيه الرقمي. يتعلم لغة جديدة، ويكتشف عادات مختلفة، ويحاول أن يبني علاقة جديدة مع العالم، لكن تظل كلمات قديمة محفوظة وربما أساساً للحكم على شخصية صاحبه أو أهليته أو مكانه في المجتمع الجديد، كما جرى مع الشاب "أبو وديع القصاص" في بريطانيا واتهامه بــ "معاداة السامية".
وهنا تبرز مسؤولية الصحافة الغربية التي باتت اليوم أكثر إدراكاً للظروف التي كان وما يزال يعيشها العربي المحتل، فحين يسعى البعض للحصول على منشور قديم لأجل إدانة شخص ومحاولة تحطيمه، على الصحافة أن تسأل: متى كتب ذلك الرجل تدوينته أو مقاله، وفي أي ظروف، ولمن كان موجهاً، وما الذي تقوله عباراته فعلاً، وما الذي يضيفه الآخرون إليها. وعلى الإعلام أن يميز بين عرض الوقائع وإثارة الجمهور ضد شخص، وبين النقد الذي يستند إلى أدلة والتشهير الذي يبحث عن إدانة سريعة.
إنه من الجريمة أن يحتكر الأرشيف مستقبل الإنسان، بل علينا أن ننظر إلى عالمه الجديد، مواقفه من الأشياء حوله، مدى اندماجه مع المجتمع، وتقبّله للاختلاف، وبين كل ذلك، علينا أن نؤمن أنه ليس من المنطق أو العدل، أن نتعامل مع الضحية الذي يعيش ويلات الحروب المتكررة على أنه إنسان طبيعي، لأن الحالة النفسية تكون محطّمة مع مشاهد الدم والموت الذي لم يتوقف منذ بدء الاحتلال على أرض فلسطين حتى لحظة كتابة هذا المقال.