ماذا ننتظر من تنظيم معرض بيروت الدولي للكتاب؟
ماذا ننتظر من تنظيم معرض الكتاب في بلد لا يقرأ فيه الشعب الكتب، ولا حتى الجريدة الورقية، بل يفرّ من المطالعة ومن كل ما يقرّبه منها إلى النفخ في النرجيلة؟
كان من المفترض أن يشكّل إحياء "اليوم العالمي للكتاب" في الـ 23 من نيسان/أبريل من كل عام، رحلة لتشجيع الشعوب على القراءة، وتحريضها على جعل الكتاب رمزاً للأمل والحياة. الأرقام التي يطالعنا بها بعض الإحصاءات تؤكد أن العالم العربي هو من الأقل إقبالاً على القراءة وعلى الكتاب، وقد زاد عزوفه نتيجة التعليم الخاطئ والرديء في العقود الأخيرة، ومن حق العالم أن يصف مجتمعاتنا العربية بأنها "مجتمعات أمية".
لا يمكن لعالمٍ أو مثقفٍ أو أكاديميٍ أن يستغني عن قراءة الكتاب. حتماً، كلٌّ من هؤلاء يقرأ بحسب تخصصه وميوله وولعه بالقراءة، فما إن تدخل منزله حتى ترى مكتبة تحوي كتباً عديدة، وليس هذا فحسب، بل أصبحت قراءة الكتب تمثّل الهوية الثقافية لكل بلد، فهل تغيّر دور الكاتب والمفكر في الوسط الاجتماعي والثقافي عمّا كان عليه في عصر ما قبل تطوّر وسائل التواصل؟ وهل اكتسب الكُتّاب والمفكرون قيمتهم تاريخياً بفضل دورهم التنويري في مجتمعهم وأمتهم، أم لأن المعلومات كانت صناعة وفكراً وأدوات وامتيازاً و"احتكاراً" خاصاً لهؤلاء دون سواهم؟
هموم الكتاب العربي، بدءاً من أشكال تأليفه إلى أشكال نشره وأشكال قارئه، هي فروع في نهر أشكال الثقافة العربية التي يبدو أنها تواجه أزمتها الأخطر في الخط البياني الأكبر المنحدر لأزمتنا الكبرى، التي تلقي بثقلها الكبير على ظهورنا وتسقينا ويلات ما نعانيه في واقعنا الراهن.
هي الهموم ذاتها على لسان المثقف العربي الذي يتحدث اليوم بنبرة تحمل غصّة كبيرة حينما تواجهه بأسئلة الواقع، ومنها أسئلة واقع الكتاب العربي الحاضر بوعيه وفكره في حوادث يومنا الحاضر.
ليست هناك بالتأكيد حقيقة تقول إنه ليس هناك قارئ يقرأ، ولا يقرأ الجميع بسطحية كبيرة، لكن النسبة الكبيرة التي ترسم ظلالها على الواقع هي التي تؤثر… من هنا، حينما تقيس المسألة برمّتها، يغدو من حقك أن تقول إنه لا يوجد قارئ جيد ومهم يفرض رغباته على السوق، فيجبر المؤلف على التأليف، ويجبر الناشر على النشر.
هموم الكتاب العربي هي نفسها، أزمة كبيرة ثلاثية المحور أو رباعية أو خماسية، أو عُدّ ما شئت من المصائب التي نعرفها. وإذا كانت أزمتنا هذه الأيام أزمة فكر سياسي عربي غائب عن التداول، فإن كتاب الأزمة غائب عن الحضور، وبالتالي فإننا لا نتعاطى مع أزماتنا، بل نتفرج عليها وعلى ما تفعله بنا.
يقول غاستون باشلار: "لا شك في أن الجنة مكتبة كبرى"، ولا أظن شخصياً أن الجحيم الحقيقي هو شعب لا يقرأ… أما الجحيم الأكبر فهو قتل الفكر في الدماغ أصلاً، في زمن الحقد الأعمى على العقل النقدي وحدائق العقل وبساتين ثقافة الحياة، وما أبلغ قول جون ملتون هنا حول اغتيالات العقل: "إن من يقتل إنساناً واحداً إنما يقتل كائناً عاقلاً خلقه الرب على صورته، لكن الذي يتلف كتاباً فكأنما أتلف ملكة العقل ذاتها".
وقال سقراط: "إذا أردتُ أن أحكم على إنسان، فإني أسأله: كم كتاباً قرأت؟"، في حين رأى المفكر الروسي سولزر أن "القراءة فنّ الحياة الرائع".
بهذا المعنى، تبقى للكتب الجديرة بالاحترام "أقدارها"، وفق عبارة تيرانس. أما إذا تحوّلت جولة المهتمين في "معرض بيروت الدولي للكتاب"، في دورته الـ67، إلى جولة رفاهية، فهو إخلال كبير في موازين المعرفة، ويحتاج إلى إعادة توازن، فلا غنى عن قراءة الكتب، ومن لا يقرأ بعمق وكثافة يسهل استعباده وكسره. خورخي لويس بورخيس يقول: "إنْ فخر الناس بما يكتبون، فخرتُ بما قرأت".
نرجو النجاح لمعرض الكتاب في بيروت، لأن في فشله مراكمة لمتواليات من الفشل التربوي والقومي في جميع مستويات الحياة. من الضروري أن نفتح على أنفسنا "بوبلي" حقيقياً، وليس "بوبلي" أصفر. وكلمة "بوبلي" تعني الكتاب باليونانية. هكذا يبدو لي الأمر. فليعد لبنان مرة أخرى، لهذه المناسبة، إلى نفسه، ليرى حقيقة "بوبلي" الجدير بتاريخه الحضاري في حلّه وترحاله الشاق والشائق.
ماذا ننتظر من تنظيم معرض الكتاب في بلد لا يقرأ فيه الشعب الكتب، ولا حتى الجريدة الورقية، بل يفرّ من المطالعة ومن كل ما يقرّبه منها إلى النفخ في النرجيلة؟
ماذا ننتظر من تنظيم معرض الكتاب لجيل جديد عازف عن القراءة، وهارب إلى تطوّر تكنولوجيا المعلومات من إنترنت ومواقع تواصل، إضافة إلى الفضائيات، إذ يجد بضغطة واحدة، وفي هنيهة زمنية، آلاف الكتب والمراجع التي يسعه تحميلها والاطلاع عليها من دون عناء أو كلفة مادية أو تنقّل؟
هذا كله أضعف الرغبة في المطالعة لدى جيل اليوم الذي يرى أن القراءة لم تعد مجدية، بعدما كانت أجيال السبعينيات من القرن الفائت وما بعدها تلتهم الكتاب التهاماً؟
ماذا ننتظر من تنظيم معرض الكتاب في مرحلة مفصلية من تاريخ المشرق العربي، ولبنان في قلب هذا المشرق؟ فالانتقال من مرحلة إلى مرحلة فتح جميع الأبواب التي كانت موصدة ليكون الهجوم بلا قيد ولا شرط ولا ضوابط قانونية أو فكرية، وبتدفّق كتابي مهول، والسماح لكل من شاء من الناشرين بإدخال بضاعته، وفيها ما يبطن أو يعلن ثقافة دخيلة من فكر الوهابية والسلفية والتكفيرية، وما يحمله من ثقافة الموت والتقتيل والترهيب، وبالتالي زرع ألغام وأفكار فاسدة تهدف أساساً إلى تدمير عقول الشباب والجيل والمجتمع؟ ماذا ننتظر من تنظيم معرض الكتاب في ظروف اقتصادية قاسية ومتدنّية، وقدرة شرائية متدهورة لمواطن لا يحب الكتاب، بل هو آخر اهتماماته؟ ماذا ننتظر من تنظيم معرض الكتاب والأطراف المتدخلة في الأمر، من دور نشر ودور طباعة ودور توزيع وغيرها، تتخبط في غدير من الإشكاليات المالية والتوريدية والإجرائية وارتفاع أسعار المواد الأولية؟
في ظل هذه الأحوال جميعاً، إقامة معرض كهذا تفتح أبواب الأمل نحو العودة إلى الكتاب، ما يصبّ بشكل مؤكّد في تطوّر البلاد ورقيّها، ولِمَ لا يكون المعرض محاولة لضخ دماء جديدة في روح الثقافة في لبنان وجسدها، بعدما راهنت الفتن والإرهاب والعصبيات على موتها؟ يقيناً، لِمَ لا يجمع المثقفون على ما للكتاب من أهمية في كل مكان، وهو الذي غيّر العالم نحو الأحسن؟ أليس هذا واقعنا اليوم؟
