ماذا تفعل الإبادة باللغة؟
إنّ أكثر ما يؤلم أهل غزة اليوم، أنّ الكلمة التي كانت تهز البشرية جمعاء في اليوم الأول من الإبادة قد تحوّلت في اليوم الألف إلى مجرد إشعار على الهاتف، فماذا حدث لضمير العالم؟ هل تعبت الكلمات من حمل الموت؟
-
غزة (موقع يونيسيف على الإنترنت)
بعد خروجي من غزة، ورغم أنني أعيش مرحلة ما بعد الصدمة، التي دفعت كثيراً من الأصدقاء لمطالبتي بالتحرّر من عقدة مدينة الموت قليلاً، إلا أنني شعرت بنوع من الخيانة أن أتوقّف عن التواصل الإنساني الكامل مع كل شيء في مخيمي حتى الجمادات، وقلت في نفسي، كيف ينخمد الصوت وهو في مكان آمن اليوم، بينما كان يصرخ وهو يئن تحت القصف، يتحدّى القذائف التي تسقط من كلّ حدب وصوب.
لكنّني إزاء ذلك، بتّ أبحث عن عناوين للكتابة المتعلقة بالسياسة والأدب وكذلك البحث العلمي بشكل مختلف، فالجميع يكتب والجميع يصرخ في وجه العالم كي يلتفت لآهات وأوجاع سكان مدينة هرمت وشاخت قبل أوانها، لكنها – غزة - كانت وستظل مقبرة للغزاة.
واكتشفت أنّ الإبادة صنعت لغة جديدة في قاموس العالم وليس في قاموس مجرة غزة وحدها، وأتساءل كغيري: كيف أصبحت كلمة إبادة ونزوح ولجوء وإجلاء وإخلاء ومجاعة وتجويع وأمن ووقف إطلاق النار وهدنة تتكرر بشكل فجّ حتى فقدت قدرتها على إحداث الصدمة؟
كنت قد كتبت في مقالاتي السابقة عن الأدب وتغيير العالم، والسؤال: هل يمكن للأدب بالفعل أن يمنع العالم من نسيان ما يحدث الآن؟ أم أننا نخدع أنفسنا كالعادة، فالقوي هو من يكتب خاتمة القصة؟
ثم كيف لشخص مثلي وغيري كثيرون، خرجوا بلا عودة من مدينتهم الحبيبة قسراً، وصار طرح سؤال المنفى أكبر: ربما تعيش في مكان آمن يا يسري بينما يعيش الجزء الأكثر حيوية منك في مكان مجبول على الندية والقتال الشرس ضد عدو غادر، فتظل تائهاً ومعلقاً هنا وهناك. كأنك تريد صناعة لغة جديدة تحرك الدم الراكد؟ لعلك تريد أن تنهض بكل هذه الأجساد لتصنع بطلك الخارق رغم أنف "مارفل" و"هوليوود".
ولأن الأرشيف اليوم بات مقبرة كبيرة من الصور والفيديوهات والمقالات، لدرجة بات يشعر فيها المرء بموت الكلمات، وصارت الأصوات عدماً، حتى إن الكلمات فقدت روحها، وصار الناس يعيشون حالة اللامبالاة في رواية القصص، كنت أنت الراوي.. فربما تستيقظ مع الصباح لتكتشف أنّ هناك قصفاً، أودى بحياة أكثر من 20 شهيداً، ربما يكون أخ لك أو صديق من بين هؤلاء، ثم لا تلبث أن تنتهي من دفن الجثة مع اللغة والدموع، ليأتيك خبر قصف بيتك، أو استشهاد ابنك، لدرجة صارت فيها الروح محاطة بهالة من العجز والصمت الرهيب.
كأنّ الموت تحوّل إلى "هولك" أعظم من الكلمات التي تصفه. وهنا أيضاً نتساءل: هل نتحمّل مسؤولية تجريد الإنسان من فردانيته، وتحويله إلى رقم، لكثرة الشهداء الذين لو تم تحويل أشلائهم إلى "فرانكشتاين"، لبطش "البطل المفترض" بالعالم حتى تتناثر شظايا الكوكب في ربوع المجرة. وحتى إنّ الأسماء لم تعد موجودة في حضرة الأرقام، فالشظايا التي أحرقت وأهلكت الحرث والنسل، وشوهت الأجساد، دفعت المصلين ذات فجر بأحد مساجد غزة إلى وضع الأشلاء في أكياس، يتم وزنها من دون احترام للعظام والأشلاء، ومن دون اهتمام بمشاعر وطموحات أصحابها.
ترى: لو استيقظ أحد هؤلاء ليمارس لعبة الحياة مرة أخرى ولم يجد رأسه في الكيس المدفون في حديقة المخيم، ماذا سيفعل؟ وكيف سيصل إلى بقية أشلائه التي توزّعت على أكياس سوداء كثيرة؟ وهذه السيدة التي كانت تحب اللغة الإنكليزية وتحتفل بعيد ميلاد أنجلينا جولي في الـ4 من حزيران/يونيو، سقط البرج فوق رأسها وابنتيها، ولم تتمّ إزالة الركام حتى اللحظة؟ هل جاءتها أنجلينا جولي، وسوزان ساراندون، وبيلا حديد، وتيلدا سوينتون، وميريام مارغوليز، في لحظات موتها الأخيرة، لتضحك قبل أن تذوي إلى الأبد؟ هل أطفأوا الشمعة الأخيرة لحياتها الغارقة في الجحيم هي وبناتها؟
ثم ماذا عن الأطفال الذين لا يعرفون معنى اللغة؟ ولم يسمعوا بكلمة "موت" إلا في فلسطين ولبنان، ما هو موقفهم تجاه الدخان الذي تسرّب مع الركام فوق رؤوسهم كي يختنقوا بصمت ويتحدثوا لغة لا نفهمها.. ربما لأننا لم نسمعها أصلاً ولم نحظَ بفرصة كتلك التي تحدث لمرة واحدة في العمر: أن تموت بصمت، من دون أن تؤذي مشاعر العالم الكذوب، وتغرق في دمك وأحلامك.
إنّ أكثر ما يؤلم أهل غزة اليوم، أنّ الكلمة التي كانت تهز البشرية جمعاء في اليوم الأول من الإبادة قد تحولت في اليوم الألف مجرد إشعار على الهاتف، فماذا حدث لضمير العالم؟ هل تعبت الكلمات من حمل الموت؟ وماذا عن الأطفال الذين لا يتعبون من الوقوف في طوابير الذل للحصول على فتات الخبز أو قليل من طعام لا يكفي أحداً؟ ماذا عن المدارس التي شهدت موت طلابها في قصف متكرر؟ والمستشفيات التي أبصرت إعدام المرضى بداخلها؟ والسجون التي كتمت أنفاسها بعد اغتصاب الشبان الفلسطينيين أمام عيونها، وماذا عن الجنود المدججين بتوصيات الحاخامات يتتابعون واحداً تلو الآخر، ليُغتصَب الشاب أمام العالم الذي يخاف من الجلاد، فقرر اعتزال الحديث عن الحريات وحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وغضّ الطرف عن جرائم جماعة إبستين والملفات التي تفضح زعيم أكبر دولة في هذا العالم.
لعلّ اللغة أمام حفلات الشواء التي تتلذذ باغتصاب القاصرات وربما قتل الأطفال هناك في بلاد صنعت لغة شقراء حول الحضارة، لن تتحرّك من أجل أطفال آخرين في شرق المتوسط، يحبون اللغة ويكرهون الموت.
لكن حسب الواحد منا أن يوثّق للتاريخ هزائم الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي. وانحطاط اللغة أمام الدم، وعجز البشرية أمام مخططات امتلاك مقدرات الشعوب والأمم والأرض لأجل الأثرياء.
سقطت اللغة أمام الدم، ولكن بقي الموقف.