ما هي هندسة البرومبت؟

يَزْخَرُ كتاب "هندسة البرومبت" بكل ما يتمنى الإنسان أن يعرفه عن الذكاء الاصطناعي والذكاء التوليدي، بالإضافة إلى الأمثلة الحية التطبيقية عن ذلك.

  • هندسة البرومبت
    هندسة البرومبت

هندسة البرومبت هي هندسةٌ جديدة تُعنى بتصميم وصياغة التعليمات الموجهة إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي. ويُقصد بالبرومبت: أيُّ نصٍّ أو مجموعة تعليمات يتم إدخالها إلى النموذج اللغوي لتحديد المهمة المطلوبة منه؛ ويمكن أن يكون البرومبت سؤالاً بسيطاً، أو وصفاً تفصيلياً لمهمة معقدة، أو مجموعةً من التعليمات المقيدة بشروط ومعايير محددة. وبهذا، يمكن اعتبار هندسة البرومبت عمليةً تكرارية تهدف إلى الوصول إلى أفضل صيغة ممكنة للتفاعل مع النموذج الذكي. ومن الناحية الأكاديمية، تُعرَّف البرومبت بأنها منهجية منظمة لتصميم التعليمات الموجهة إلى النماذج اللغوية الضخمة، بهدف توجيه سلوكها وتحسين جودة استجاباتها.

قبل أن نشرح معنى الذكاء الاصطناعي التوليدي، سوف نعرف أولاً الذكاء الاصطناعي الذي أحدث تحولاً جذرياً في طريقة تفاعل الإنسان مع الأنظمة الحاسوبية؛ فبدلاً من الاقتصار على تحليل البيانات أو تصنيفها، أصبحت الأنظمة الذكية قادرةً على إنتاج محتوى جديد يشمل النصوص، والصور، والفيديو، والبرمجيات.

الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence - AI): هو أحد فروع علم الحاسوب الذي يهدف إلى تصميم وتطوير أنظمة وبرمجيات قادرة على محاكاة بعض القدرات الذهنية البشرية؛ مثل التعلم، والتفكير، والاستنتاج، واتخاذ القرار، وحل المشكلات، وفهم اللغة الطبيعية، والتعرف على الأنماط المختلفة. و يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي على أنه مجموعة من الأساليب والخوارزميات التي تمكّن الحاسوب من تنفيذ مهام تتطلب عادةً مستوى معيناً من الذكاء البشري. من أبرز هذه المهام: الترجمة الآلية، واتخاذ القرارات المعتمدة على البيانات، والتنبؤ بالأحداث المستقبلية، والتفاعل مع المستخدمين بشكل ذكي. ومن المهم ذكره هنا أن الذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة امتلاك الآلة وعياً أو فهماً حقيقياً كالإنسان، بل يشير إلى قدرتها على أداء مهام معينة بكفاءة عالية اعتماداً على البيانات، والخوارزميات الرياضية، والنماذج الحاسوبية.

المراحل التاريخية لتطور الذكاء الاصطناعي:

المرحلة الأولى: وهي المرحلة التأسيسية (1950-1970)، وبدأت مع أعمال العالم آلان تورينج الذي اقترح اختبار تورينج الشهير لقياس قدرة الآلات على محاكاة الذكاء البشري.

المرحلة الثانية: وهي مرحلة الأنظمة الخبيرة (1970-1990)، وفيها ظهرت برامج تحاكي خبرة المتخصصين في مجالات محددة مثل الطب، والهندسة، والتشخيص الفني.

المرحلة الثالثة: مرحلة التعلم الآلي (1990-2010)، وأشهر تطبيقات هذه المرحلة كانت أنظمة كشف الاحتيال، ومحركات البحث، وأنظمة التوصية، والتعرف على الكلام.

المرحلة الرابعة: مرحلة التعلم العميق (2010-2020)، كظهور الشبكات العصبية العميقة القادرة على معالجة كميات هائلة من البيانات واستخراج خصائص معقدة بصورة تلقائية، الأمر الذي أدى إلى تحقيق وثبات واسعة في مجال الرؤية الحاسوبية، ومعالجة اللغة التطبيقية، والتعرف على الأصوات، والترجمة الآلية.

المرحلة الخامسة: عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي (2020 - حتى الوقت الحالي)، حيث ظهرت في هذه المرحلة نماذج متقدمة جداً، قادرة على إنتاج محتوى مثل: كتابة التقارير والمقالات، وتوليد الأكواد البرمجية، وتأليف الموسيقى، وتلخيص وتحليل المستندات، وإجراء المحادثات التفاعلية؛ وهذا بدوره أدى إلى انتشار واسع للذكاء الاصطناعي بين الأفراد، والشركات، والمؤسسات التعليمية والحكومية.

ظهور النماذج اللغوية الضخمة (Large Language Models - LLMs): تُعد هذه النماذج أحد أهم التطورات في تاريخ الذكاء الاصطناعي الحديث؛ حيث تحتوي على مليارات أو حتى تريليونات المعاملات الرياضية التي تمثل المعرفة المكتسبة أثناء عملية التدريب، إذ يتم تدريب هذه النماذج على مستودعات ضخمة من الكتب والمواقع الإلكترونية. وتُعد جودة البرومبت عاملاً أساسياً في تحديد جودة المخرجات النهائية، فالنموذج اللغوي لا يمتلك القدرة على قراءة نوايا المستخدم أو فهم ما لم يتم التعبير عنه بصورة واضحة، فكلما كان الهدف محدداً بشكل أكبر، زادت احتمالية الحصول على استجابة دقيقة؛ وبالتالي تساعد المعلومات الإضافية النموذجَ على فهم المهمة بصورة أفضل.

أشهر أدوات الذكاء الاصطناعي: يُعد اختيار الأداة المناسبة عاملاً مهماً في تحقيق أفضل النتائج الممكنة:

أولاً ChatGPT يُعد هذا النوع من أشهر تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي على مستوى العالم؛ إذ يعتمد على سلسلة من النماذج اللغوية المتقدمة التي تم تدريبها على كميات هائلة من البيانات النصية، ما يمنحه القدرة على فهم التعليمات وإنتاج استجابات متنوعة. يُستخدم هذا النموذج في البحث العلمي، وتطوير البرمجيات، وكتابة المحتوى، وتحليل البيانات، وإعداد التقارير، وتصميم البرومبتات المتقدمة. مثال على ذلك:يمكن للباحث أن يطلب منه: ("تصرف كباحث أكاديمي متخصص في الذكاء الاصطناعي، واكتب مراجعة أدبية حول استخدام النماذج اللغوية الكبيرة في التعليم العالي")، فيقوم النظام بإنتاج مسودة منظمة يمكن تطويرها لاحقاً ضمن العمل البحثي.

ثانياً: التعرف على (Gemini) يُعد هذا النوع من أهم المشاريع التابعة لـ "غوغل"، وقد تم تطويره ليكون قادراً على التعامل مع النصوص، والصور، وأنواع متعددة من البيانات ضمن بيئة موحدة. ويمثل "جيمناي" جزءاً من استراتيجية غوغل الرامية إلى دمج الذكاء الاصطناعي ضمن منظومتها الرقمية الواسعة التي تشمل محرك البحث وخدمات الإنتاجية المختلفة. ويُفضَّل استخدام هذا النوع للبحث المعلوماتي، وتحليل المستندات الطويلة، وتلخيص المحتوى، وتحليل الصور والمحتوى المرئي. مثال على ذلك: يمكن استخدامه لتحليل تقرير طويل، واستخراج الأفكار الرئيسية، والإحصائيات المهمة، والتوصيات النهائية.

ثالثاً: التعرف على (Claude) يركز "كلود" على تقديم استجابات متوازنة وطويلة ومنظمة مع اهتمام خاص بالسلامة، والموثوقية، وجودة التفاعل. وقد اكتسب شعبية كبيرة بين الباحثين، والكُتّاب، والمتخصصين الذين يتعاملون مع مستندات كبيرة الحجم. ويُفضَّل استخدامه في تحليل الدراسات والأبحاث، كمراجعة الوثائق الطويلة، وإعداد التقارير المفصلة، وتلخيص الكتب والمستندات، والمساعدة في الكتابة الأكاديمية. مثال على ذلك: يمكن تزويد "كلود" بعشرات الصفحات من دراسة علمية وطلب: "استخراج المنهجية والنتائج ونقاط الضعف والقوة في الدراسة".

رابعاً: Microsoft Copilot من أبرز مميزاته التعامل مع "مايكروسوفت أوفيس"، ودعم إنشاء المستندات والعروض التقديمية، والمساعدة في البريد الإلكتروني، وتحليل الجداول والبيانات، ودعم البرمجة في بيئة التطوير. ويُفضَّل استخدامه في بيئة العمل، وإعداد التقارير المؤسسية، وتحليل البيانات داخل "إكسل"، وإنشاء العروض التقديمية، وإدارة المراسلات المهنية. مثال "أنشئ عرضاً تقديمياً من عشر شرائح اعتماداً على هذا التقرير".

نأتي إلى الأدوار المهنية (Professional Roles) كـ: مهندس البرمجيات، ومحلل النظم، ومدير المشاريع، ومستشار الأعمال، وخبير التسويق الرقمي، ومحلل البيانات، ومدير الموارد البشرية، والمستشار المالي. مثال على ذلك: "اقترح خطة تسويقية لشركة ناشئة".

أما التوجهات البحثية الجديدة، فتركز على العمل في: التفكير المنطقي، وحل المشكلات، والتحليل النقدي، وإدارة المعرفة.

مستقبل هندسة البرومبت: هل يمكن أن تندثر هذه الهندسة في الوقت القريب؟ الجواب: لا؛ ولكن طبيعتها تتغير من كتابة التعليمات إلى تصميم الأنظمة، وسيصبح دور المهندس هو تصميم الوكلاء، وبناء المعرفة، وتحسين الأداء، وتطوير البنية المعرفية، بدلاً من التركيز على صياغة الجمل فقط.

يَزْخَرُ الكتاب بكل ما يتمنى الإنسان أن يعرفه عن الذكاء الاصطناعي والذكاء التوليدي، بالإضافة إلى الأمثلة الحية التطبيقية عن ذلك. ففي الفصل العاشر نرى فصلاً كاملاً يتحدث عن بناء البرومبت للتسويق، وفصلاً آخر عن تصميم الفيديوهات وتحليل البيانات، وفصلاً عن مقارنة النتائج مع مشروع تطبيقي متكامل، وكذلك دورة عن تطوير البرومبت وتقييم جودة المخرجات وتحليل الأخطاء. وهناك فصل يتحدث عن هندسة البرومبت والذكاء الاصطناعي التوليدي، وتقنيات هندسة البرومبت الأساسية والمتقدمة، وبناء أنظمة المعرفة.

وأخيراً: نحن اليوم في عالم يشهد براديغماً جديداً في إنتاج المعرفة والتفاعل مع التكنولوجيا، الأمر الذي أدى إلى ظهور هندسة أخرى لم تكن مألوفة من قبل، تمثل جسر عبور بين الإنسان والأنظمة الذكية التي يولدها. وعلى الرغم من الانتشار الواسع الآن للأدوات التي تعتمد الذكاء الاصطناعي، ما زال الكثير والكثير منا يفتقرون إلى الفهم العميق للآليات التي تمكننا من الاستفادة القصوى من هذه التقنيات. ومن هنا جاء المهندس كايد صنديد بفكرة هذا الكتاب ذي المرجعية العلمية، حيث يرتحل بالقارئ إلى فهم الذكاء الاصطناعي التوليدي، وينتهي بتشييد الوكيل الذكي وأنظمته المعرفية المتقدمة.

اخترنا لك