مئوية منصور الرحباني: المسافر وحده ملكاً رافضاً الظلم ومنطق القوة الغاشمة
في مئويته، ربما تكون القيامة هي قدرة كلمة منصور الرحباني على العودة دائماً، ليس فقط عبر صوت هبة طوجي وألحان أسامة الرحباني، بل عبر هذه الآلية السحرية التي أبدعها الابن: تحويل الصوت المنفرد إلى صدى جمعي، وتحويل التأمل الفلسفي إلى طقس موسيقي مشترك.
-
من الاحتفال بمئوية منصور الرحباني
لم تكن لقاءاتي الدائمة معه في برنامجيْ "خليك بالبيت" و"ست الحبايب" مجرد حوارات تلفزيونية عابرة. لقد كانت غوصاً دائماً في أعماق شاعر جعل من قصيدته ملاذاً للناس ورفضاً صارخاً للظلم. كان منصور الرحباني، في جلساتنا تلك، لا يتحدث عن الشعر بل يتنفسه، وكان حضوره الوادع يحمل ثقلاً وجودياً لا يخطئه المستمع.
في بيته ذي النوافذ الخشبية الحمراء في انطلياس، وفي مكتبه المجاور لسريره حين اشتدّت وطأة العمر والأوجاع، حيث احتسينا كؤوس الشعرِ والمودة، وأجرينا آخر حواراته التلفزيونية قبل أن يسافر وحده ملكاً إلى حيث لا ظلم ولا من يظلمون، ولا وجع ولا من يتوجعون، كان الحوار بعيداً عن الكاميرا يُستأنف من حيث توقف على الشاشة، ممتداً في دهاليز الذاكرة والفن.
كان يحدثني عن عاصي توأمه الإبداعي بحنين إلى ما كان وشوق إلى ما سيكون في الما وراء، وعن بيروت بحزن العاشق وبصيرة الناقد، وعن عشق غابر قديم لتلك التي في "تلة الخياط" أسماها "نجمة الكتب"، وعن "لغة القوة" التي رفضها بكل ما فيه، مؤمناً بأن صلاة واحدة حقيقية من أجل "قيامة الشعب" أقوى من كل خطابات المنتصرين. وهو القائل: "أُقبِّل جرحك يا مهزوماً".
رحل منصور، لكن حواراته لم ترحل؛ فهي باقية في ذاكرتي ووجداني، شاهدة على لحظات من صفاء الفكر ونبل الروح. وها أنا اليوم، في مئوية ولادته، أجلس في كنيسة القلب الأقدس في قلب بيروت لأستمع ليس إلى ذكرياتي معه فحسب، بل إلى صوته يعود من جديد، محمولاً على أجنحة لحن جديد.
جاء الابن، أسامة الرحباني، ليستعيد الأب، ليس من خلال الحديث عنه، بل بتحويل آخر كلماته الشعرية إلى كون موسيقي كامل: أوراتوريو "أسافر وحدي ملكاً". هذا الفضاء، الكنيسة، لم يُختر عفو الخاطر؛ لقد كان اختياراً موازياً لروح النص. هو ذلك الحيز الرمزي حيث يلتقي البعد الروحي بالتأمل الفنّي، حيث تتحول الأمسية إلى طقس جماعي للذكرى، طقس لا يستذكر الماضي بل يستحضر أسئلته الأبدية إلى حيز الحاضر المشترك.
رحلة صوتية إلى قلب التجربة الوجودية
-
أسامة الرحباني
لم يكن اختيار أسامة لكتاب والده الأخير، الصادر عام 2007، الذي يضم 34 مقطوعة شعرية، عملاً اعتباطياً. بل كان اختياراً مصيرياً لكتاب وصفه بأنه "كان معي كل يوم"، كأن النصوص تناديه ليعيد الحياة إليها. ففي هذا الديوان، الذي يمثل خلاصة التجربة الوجودية لمنصور الرحباني، تكثفت كل أسئلته الكبرى عن الرحيل والغياب والغربة والمعنى. لم تعد القصائد مجرد كلمات على ورق، بل أصبحت مشاهد درامية تحتاج إلى بناء موسيقي متصل، وإلى صوت يستطيع حمل هذا العالم بأسره.
وهنا برزت متانة التأليف الموسيقي لأسامة الرحباني. لم يكن اقتباساً للنصوص، بل كان تشريحاً لفلسفتها وإعادة تركيبها في لغة صوتية. لقد واجه التحدي الأساسي: كيف تُلحّن التأمل؟ كيف تُعزف على أوتار الغياب؟ فجاء عمله أوراتوريو سيمفونياً ملحمياً، إنتاجاً مشتركاً مع مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون، ليس كخلفية، بل كشخصية فاعلة في الحكاية. كان بناءه الموسيقي محكوماً بثنائية مركزية تجسد جوهر النص: الثنائية بين الصوت المنفرد الحميم، والكون السيمفوني الجماعي.
لقد نسج أسامة نسيجاً درامياً مذهلاً: إلقاء شاعري لجاد الرحباني الذي يحمل صدى نبرة منصور ولكنه لا يقلده، فكان جسراً بين الماضي والحاضر. وتوّجه صوت هبة طوجي، الذي تفرد بمهمة جسورة. لم تكن تغني لتترنم، بل كانت تجسد الشخصية الدرامية المحورية، تجوب بمفردها مسارات النص الوجدانية كلها. صوتها القوي والحنون، القادر على الصعود كقرع الأجراس والخفوت إلى همسة الصلاة، كان هو التجسيد الصوتي لـ "المسافر وحده".
لكن هذه الوحدة لم تكن عزلة سلبية، لأن أسامة أحاط هذا الصوت المنفرد بعالمين داعمَين ومحتوَين: جوقة جامعة سيدة اللويزة بقيادة الأب خليل رحمة، التي كانت كحضور الجماعة الإنسانية أو صوت الذاكرة الجمعية، والأوركسترا السيمفونية الوطنية الأوكرانية، التي مثلت فضاء الوجود والكون الواسع.
هكذا، حوّل أسامة الرحباني القصيدة من حيزها اللفظي إلى معمار سمعي، حيث تقاوم وحدة الإنسان الفردية (الصوت المنفرد) ليس بالانكسار، بل بالتواجد الشامخ داخل هذا الاحتضان الجماعي (الجوقة) وهذا الفضاء الوجودي (الأوركسترا). كانت الموسيقى نفسها تفسيراً فلسفياً للشعر.
الأب والابن: استمرارية الإرث ورفض متجدد للقوة الغاشمة
-
هبة طوجي
لم يكن أسامة الرحباني مجرد مؤلف موسيقي يقدم تحية لوالده. لقد كان، كما عرفه كثيرون، "أمين السر" لأعمال منصور بعد رحيل عمّه عاصي، والراصد الأقرب لتجربته، ورفيقه في البيت حتى الرمق الأخير. في هذا العمل، تجاوز دور الحارس إلى دور المفسر والموسيقار الذي يواجه تحدياً مزدوجاً: احترام عمق النص الفلسفي مع إلباسه ثوباً موسيقياً جديداً يخاطب جيلاً ربما لم يعرف منصور عن قرب. يقول أسامة إن الهم الأساسي للرحابنة كان الناس، بوجعهم وألمهم اليومي، لأن منصور نفسه "خرج من بيئتهم وعاش وجعهم". هذا هو الخيط الذي يربط قصائد "أسافر وحدي ملكاً" المنشغلة بالوجود، بذلك الشاعر الذي رفض الظلم بكل أشكاله. كلاهما ينبعان من انشغال واحد بمصير الإنسان.
وهنا تكمن البراعة الأخرى: لقد استخدم أسامة لغة موسيقية راقية ومتشابكة كتعبير عن هذا الرفض. في زمن يسود فيه الإنتاج الثقافي السريع والسطحي، جاء اختياره لصيغة الأوراتوريو الملحمي المعقد – وهي صيغة تتطلب صبر المتلقي وتأمله – ليكون في ذاته رفضاً جديداً لــ "لغة القوة" السائدة في سوق الفن.
إنه يقول، من خلال النوتة واللحن، أن التعبير عن كرامة الإنسان وهزيمته وأسئلته الوجودية، يحتاج إلى فن جاد وعميق، لا إلى إيقاع سريع ينسى معه المستمع السؤال. إن صلاة منصور من أجل "قيامة هذا الشعب" تتحول هنا إلى موسيقى ترفع من قدر التأمل والجدية الفنية كأسلوب حياة ومقاومة. وهكذا، فإن الأوراتوريو ليس مجرد استعادة للماضي، بل هو عملية "نقل بالصوت والميلوديا إلى كل وجدان في العالم"، حاملاً معه ذلك الموقف الأخلاقي الرافض للظلم والتفاهة.
صلاة الشعر في مواجهة خطاب القوة
في ختام الأمسية، وبينما يغادر الحضور قاعة الكنيسة التي تردد أصداء الكلمات والنوتات، يبقى السؤال: أي معنى للمئوية؟ هي ليست مجرد ذكرى رقمية تمرّ. المئوية الحقيقية هي أن يستمر الحوار. ولكن ما حدث هذا المساء كان أعظم من استمرار؛ لقد كان تحويلاً للحوار.
حوارنا مع منصور، الذي بدأ في بيته الخاص على كؤوس الشعر، ثم انتقل إلى شاشة التلفاز، لم ينقطع بوفاته؛ فقد استمر في صمت القصائد. ولكن عبر هذا الأوراتوريو، نقله أسامة الرحباني من حيّز الذاكرة الشخصية والقراءة الصامتة، إلى حيز التجربة الوجودية الجمعية. لم نعد مجرد أفراد نستذكر شاعراً؛ لقد أصبحنا، نحن الحاضرين، جميعاً شركاء في الاستماع لتلك الأسئلة الكبرى، نعيشها جماعةً عبر الصوت واللحن والفضاء الطقسي. لقد حول الكتاب الذي كان "خلاصة التجربة الوجودية" لأبيه إلى تجربة وجدانية حية نعيشها معاً.
وتأتي هذه المئوية، وهذا الاحتفاء الموسيقي الفلسفي، في زمن عالمي يعود فيه منطق القوة الغاشم ليُعْلي صوته، وتُهدَّد فيه الساحات بخطابات الحرب والتقسيم. وكأن قدر الشعر والموسيقى أن ينهضا، في لحظات الظلام هذه، ليس كترفٍ ثقافي، بل كضرورة إنسانية وجودية.
إن هذا التزامن بين مئوية شاعر رفض الظلم، وبين تصاعد الأصوات الداعية للهيمنة والحرب، ليس مصادفة عابرة؛ بل هو تأكيد على أن الإبداع الأصيل لا ينفصل عن موقف أخلاقي من العالم. فما قدّمه أسامة الرحباني في هذا الأوراتوريو ليس مجرد استذكار جميل، بل هو إعادة تأكيد حية ومسموعة على أن الفن العظيم هو بالتعريف نقيض للقوة الغاشمة، وأن الصلاة الشعرية التي أطلقها منصور من أجل "قيامة الشعب" هي في صميمها مقاومة لكل قوة تسعى لسحق إنسانيته.
إنه يذكرنا، في لحظة تحتاج فيها الإنسانية إلى الذكرى، بأن الملاحم الحقيقية لا تُصنع بالدبابات، بل بكلمة الشعر الصادقة، وبلحنٍ يحمل جرح المهزومين ويقبّله. هكذا يسافر منصور إلينا، في هذا التوقيت بالذات، ليؤكد أن المسافة الأبدية بين منطق القوة ومنطق الشعر هي نفسها المسافة بين الدمار والخلق، بين الصوت العالي الذي يفرض نفسه وبين الصوت الهادئ العميق الذي يخترق الوجدان ليبقى.
عاش منصور حياته رافضاً للحرب ولغة القوة الغاشمة، كان يصلي من أجل "قيامة هذا الشعب"، مثلما كان زاهداً في ما سيأتي، غير طالب من الدنيا سوى سرّ القصيدة، وهل الذي استلهم قول الإمام علي بن أبي طالب "من استغنى اغتنى" إلى مقولة عامية رائعة "أقوى شي اللي ما بدو شي"، مذكّراً بقول المتصوف الكبير أبي يزيد البسطامي "أُريد ألّا أُريد".
اليوم، في مئويته، ربما تكون هذه القيامة هي قدرة كلمته على العودة دائماً، أقوى وأكثر حيوية، ليس فقط عبر صوت هبة طوجي وألحان أسامة الرحباني، بل عبر هذه الآلية السحرية التي أبدعها الابن: تحويل الصوت المنفرد إلى صدى جمعي، وتحويل التأمل الفلسفي إلى طقس موسيقي مشترك.
يسافر منصور الرحباني وحده ملكاً في عالم الشعر، ولكنه يعود إلينا دوماً، برفقة الموسيقى، ملكاً على الذائقة والذاكرة معاً، حاملاً في صوته الجديد ذلك الرفض القديم للظلم، والذي وجد في اللحن ملاذه الأخير وأقوى تعابيره.