مأزق الثقافة... إذا فسد المثقف، فماذا نأمل؟

المثقفون اليوم أساتذة "الشِّللية" والانتقاء، وسادة المعايير المزدوجة، ولكن "إذا هلكت الثقافة، فما مصير أمل العالم؟"، كما يقول الباحث العراقي، جمال حسين علي، في كتابه "لماذا يكره المثقفون بعضهم؟".

  • (عن الانترنت)
    (عن الانترنت)

في ظل الرداءة الشاملة التي تسود واقعنا الثقافي، بدأنا نكتشف ظهور فئات نخبوية مزيفة ترفع شعار الثقافة والفكر، وتفتح الطريق أمام أشباه المثقفين.

يعيش المثقف في بلادنا لحظة تكاثر الأزمات وتشابك الأسئلة، حيث يغيب الصوت الذي كان يوماً ضمير الأمة، ويعلو، بديلاً له، ضجيج الخطابات الشعبوية والإعلامية. فهل ما زال المثقف العربي قادراً على أن يكون عقلاً نقديّاً حاضراً، أم أن صمته أصبح جزءاً من أزمة الوعي الجمعي؟

ندرك أن الدول الحية، والأمم المتحضرة، هي تلك التي يحتل فيها الشأن الثقافي، والجانب الفني والعلمي، الجزء الأكبر من محاور استراتيجيتها، انطلاقاً من اتساع مفهوم الثقافة، لكونه دعامة أساسية لتعزيز الهوية الوطنية الغنية بتعدد وتنوع روافدها، والمنفتحة على الثقافات والحضارات الإنسانية، ومواكبة الإبداع الفني والثقافي لمتطلبات التحديث والتنمية السياسية والتطور.

لكن، إذا كان المثقف في الماضي قد لعب دوراً ريادياً في صياغة الوعي الجمعي ومواجهة الاستبداد والاستعمار، فإن الواقع الراهن يكشف عن مفارقة مؤلمة: المثقف اليوم يبدو محاصراً بين سلطة سياسية تضيق عليه وتدفعه إلى الصمت أو المنفى، ومجتمع متشظٍّ مذهبياً وأثنياً لا يمنحه الإصغاء، وفضاء إعلامي صاخب يفضل الإثارة السطحية على العمق الفكري.

لقد تراجع صوت المثقف أمام هيمنة "المؤثر" في وسائل التواصل الاجتماعي، وأمام خطاب شعبوي يستهلك العاطفة بدل أن يبني العقل. واسترجاع مقولة عالم النفس الأميركي، بول سلوفيتش، مثال حي على هذا التراجع عن الإنساني، وتغييب دور المثقف وتغيبه، إذ يقول: "أيمكن الإجابة عن السؤال التالي: لماذا لدينا هذا الميل المؤسف إلى البقاء غير مبالين بالإبادة الجماعية والقتل الجماعي؟".

هكذا تحول المثقف من ضمير الأمة إلى شاهد صامت، أو إلى باحث أكاديمي معزول في برج عاجي، بعيداً عن ساحات الفعل السياسي والاجتماعي. فالقيود السياسية المفروضة على حرية التعبير، والرقابة الصارمة على وسائل الإعلام والنشر، إضافة إلى الاعتقالات والملاحقات الأمنية، جعلت كثيراً من المثقفين يختارون الصمت أو الانسحاب من الفضاء العام.

المثقفون اليوم أساتذة "الشِّللية" والانتقاء، وسادة المعايير المزدوجة، ولكن "إذا هلكت الثقافة، فما مصير أمل العالم؟"، كما يقول الباحث العراقي، جمال حسين علي، في كتابه "لماذا يكره المثقفون بعضهم؟".

أشباه المثقفين نقلوا كل الأمراض السائدة في الحياة الاجتماعية والسياسية، من محسوبية و"صحوبية" إلى الحياة الثقافية، وهذا العامل أسهم، بشكل ثاقب، في إزاحة المثقف الحقيقي والفاعل، وتقدم المثقف النكرة.

هناك مثقفون، أو كتّاب، يعلنون الانتماء إلى الثقافة، لكنهم لا يمتلكون المؤهلات التي تمنحهم هوية الانتماء إلى الثقافة، والسبب يكمن في أنهم بلا تجربة، ولا رؤية بعيدة، كما أنهم آنيون مستعجلون، كأنهم نسخة من السياسيين الذين يهملون الخطط الاستراتيجية، وينشغلون بالمنافع الآنية، فيهدرون بذلك فرصاً كبيرة وعديدة لبناء الدولة المدنية الراسخة، دولة المؤسسات.

يشهد المثقفون أن عالمهم العربي يعيش، منذ عقود، جملة من الانكسارات المتلاحقة. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية التي تتسم بالتحولات العاصفة، طفا على السطح سؤال جوهري ملح على الوعي الجمعي: أين هو المثقف العربي؟ وأين صوته الذي كان يُفترض أن يكون البوصلة الفكرية والضمير النقدي في مواجهة الأزمات الكبرى؟

لقد عرف التاريخ العربي الحديث مثقفين كانوا في طليعة الحركات الفكرية والتحررية، ومشاريع النهضة، وصياغة الخطاب الإصلاحي في القرنين التاسع عشر والعشرين، ولعل أهمهم: عبد الرحمن الكواكبي، وفرنسيس المراش، وبطرس البستاني، وأديب إسحق، وخليل سعاده، وفرح أنطون، وأنطون سعاده، والعلامة عبد الله العلايلي، وميشيل عفلق، وقسطنطين زريق، وحسين مروة، والعلامة محمد حسين فضل الله، ومهدي عامل (حسن حمدان) وغيرهم.

لكن المشهد الراهن يكشف عن فراغ مقلق، وعن غياب شبه كامل لدورهم في الساحة السياسية والاجتماعية، وكأنهم انسحبوا إلى هوامش مذهبية معزولة، أو صمتوا أمام ضجيج الخطابات الشعبوية والإعلامية التي تغذيها دوائر معروفة النسب والانتماء ومصب الغاية.

إن الانقسام الاجتماعي، إذاً، لا يضعف فقط تأثير المثقف، بل يهدد جوهر رسالته، لأنه يحول دون قدرته على صياغة خطاب جامع يواجه التحديات الكبرى، مثل القضية الفلسطينية، والتنمية، أو العدالة الاجتماعية.

وفي غياب وحدة اجتماعية، أو توافق حد أدنى، يصبح المثقف مجرد صوت معزول، مهما كانت قوة حجته أو عمق رؤيته، وهو ما يفسر جانباً آخر من الغياب الذي يطبع المشهد العربي الراهن.

إن الثقافة هي انعكاس للسمات الرئيسية التي تشكل وجدان وضمير الأمم، والتي تعكس أصالتها وقيمها وموروثها الفكري والعلمي والشعبي، وتشمل العقائد والفنون والآداب والأخلاق والقانون والعلوم والمعارف.

ولكن، في وقت تتزايد الحاجة إلى معرفة المثقف، يكمن السؤال: أين يختبئ دور "الناقد"؟ وهل يؤدي وظيفة التوجيه المعرفي الإعلامي بقدر ما يمنح المهتمين بالأدب؟

و"لماذا يخطئ المثقفون؟" سؤال كان قد طرحه الكاتب الفرنسي، صموئيل فوتسي، ليكشف عن مفارقة محيرة، وهي أن الذكاء والاطلاع لا يمنعان من الوقوع في الخطأ، بل يكونان، في بعض الأحيان، سبباً في ترسيخه.

كتاب "لماذا يخطئ المثقفون؟" هذا، الذي صدر في ربيع العام 2025، استعرض الآليات النفسية والاجتماعية التي تجعل بعض النخب الثقافية تقع في الوهم الأيديولوجي والانفصال عن الواقع، بتأثير التوهم بالتفوق الأخلاقي والمعرفي، وارتفاع الوعي بخلفيات الموضوع.

نتذكر هذه الأفكار ونحن نتابع ما آل إليه المثقف، وما آلت إليه الثقافة في عالمنا العربي، كما حدث مع "غريغور سامسا" في رواية "المسخ" لـفرانز كافكا، حيث استيقظ من نومه ليكتشف أنه قد تحول إلى حشرة كبيرة، بأرجل كثيرة، عطنة الرائحة، وكريهة، لا تستطيع التحرك.

استيقظ المثقف في المشرق العربي على الطريقة نفسها، والإيقاع نفسه، والفارق الوحيد بينهما أن غريغور سامسا حوّله كافكا إلى مسخ، أما المثقف المشرقي فحولته قراءاته إلى مخادع. وبالتالي تحول إلى مثقف زائف يقول ما لا يؤمن به، ويدافع عن فكرة يرفضها في أعماقه، والأدهى من ذلك أنه غير قادر على التحرك لفعل أي شيء حيال مجتمعه.

اخترنا لك