لماذا حذرت حنة أرندت من انهيار "دولة اليهود"؟

لماذا عارضت حنة أرندت قيام دولة يهودية ذات سيادة قومية حصرية، رغم اعترافها بــ "حق اليهود" في إقامة وطن قومي في فلسطين المحتلة؟

  • لماذا حذرت حنة أرندت من انهيار
    لماذا حذرت حنة أرندت من انهيار "دولة اليهود"؟

تحضر حنة أرندت (1906 - 1975)، فيلسوفة السياسة والتاريخ، في كل نقاش يدور حول "الدولة اليهودية"، وهي من أبرز معارضي قيامها على أساس قومي حصري، وكانت قد حذّرت من أخطارها. إذ انحازت إلى فكرة "الأمة" (Nation)، أي "الأمة بلا دولة". 

ولا يمكن مقاربة أفكارها من دون الأخذ في الحسبان السياقات والحوادث المواكبة لكتاباتها. فهي انتقلت من معارضة إقامة دولة يهودية مستقلة إلى التعامل مع واقع قيامها بشروط سياسية، ومن الدعوة إلى صيغ فدرالية أوسع إلى تأييد حلّ ثنائي القومية عام 1948، من دون أن تتخلّى كـ"يهودية علمانية" عن تقديرها لخطر هذه الدولة "العنصرية" على اليهود أنفسهم. 

هكذا عارضها الصهاينة المتشدّدون وانتقدها مفكّرون يهود، من أبرزهم غيرشوم شوليم الذي اتهمها، في مراسلة شهيرة عام 1963، بأنها لا تحمل في داخلها ذرة "حبّ للشعب اليهودي"، وأنّ نقدها للصهيونية يحمل تهديداً فكرياً وسياسياً خطيراً. تتناول هذه المقالة خلاصة مواقفها إلى الخمسينيات من القرن العشرين المنصرم.

كانت أرندت شاهداً حيّاً على أحداث عصرها. التحقت بجامعة ماربورغ الألمانية عام 1924، حيث درست على يد الفيلسوف الألماني، مارتن هايدغر (1889 - 1976)، وارتبطت به بعلاقة عاطفية، قبل أن تنتقل إلى جامعة هايدلبرغ عام 1926، لتتابع دراستها بإشراف الفيلسوف كارل ياسبرز، وتنجز أطروحتها للدكتوراه عام 1928، "امرأة يهودية"، لكن "غير ألمانية". 

شاركت في بعض المنظمات الصهيونية التي انفصلت عنها لاحقاً، عندما وجدت "الدولة" اليهودية تغرق في مستنقع "السياسة الواقعية" (Realpolitik)، بحسب ما تقول. أرسلتها مجلة "نيويوركر" (New Yorker) لتغطية محاكمة النازي أيخمان في القدس المحتلة (1961)، ونشرت تحقيقاتها عام 1963، فأثارت تحليلاتها صدمة في الأوساط الصهيونية واليهودية، ولا سيما نقدها لدور بعض المجالس اليهودية إبّان الحكم النازي، إذ قرأ فيها منتقدوها تحميلاً لليهود بعض المسؤولية عن مأساتهم، بل اتهاماً لهم بأنهم قادوا أنفسهم إلى التهلكة.

إعادة نظر في الصهيونية

  • حنة أرندت (1906-1975)
    حنة أرندت (1906-1975)

حين نشرت أرندت مقالها الشهير "إعادة النظر في الصهيونية" عام 1945 (Zionism Reconsidered)، في مجلة The Menorah Journal[5]، أثارت حنق صديقها كورت بلومنفِلد (1884–1963)، الرئيس الأسبق للمنظمة الصهيونية الألمانية، وذلك الشخص الذي فتح عينيها على المسألة اليهودية حين كانت في ألمانيا، ودفعته إلى القول بأنّ ربيبته: "لا تعرف شيئاً عن الصهيونية"، وأنها تقارب هذه المسائل بلامبالاة ووقاحة، وما ذلك، في رأيه، إلّا تعبير جليّ عن "كره يهودي للذات" و"رغبة جارفة في الاندماج".

وأضاف بلومنفِلد أنه لم يؤمن يوماً بصهيونية أرندت، والمقال الآنف الذكر خير شاهد على ذلك.

لم توجِّه أرندت نقدها إلى زعماء الصهيونية فحسب، بل شكّكت في الأسس التي استند إليها المشروع الصهيوني لتبرير قيام "دولة" قومية يهودية ذات سيادة حصرية في فلسطين، ورفضت أن تمنح الوعود الاستعمارية أو الحقوق التاريخية، وحدها، شرعية سياسية لهذا المشروع. وهي، إذا كانت تعاونت في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الفائت مع بعض المنظمات الصهيونية، فإنها في العام 1948 كانت من الأصوات المعارضة لإقامة "دولة" قومية يهودية تقوم على السيادة الحصرية في فلسطين، إضافة إلى الخلاف السياسي مع الحركة الصهيونية في كيفية التعامل مع "المسألة العربية".

لا يمكن للماضي وحده أن يمنح حقوقاً، أو أنه يمكن شراء بلد بواسطة النقود، أو أن يستطيع لورد نافذ بكرم أن يبيع وطناً لأحد آخر

والحال أنّ أرندت لم تُخْفِ يوماً أنها تأثرت بما أشاعته الصهيونية من "نظر نقدي، وتحديداً النقد الذاتي في أوساط الشعب اليهودي". وقيمة الصهيونية، في رأيها، "أخلاقية في الدرجة الأولى"، بمعنى أنها تحرّر الأفراد اليهود من الضرورة المستمرة لتقديم الدليل على نيّاتهم الحسنة، ومن هُجاس اليهودي المندمج "في أن يكون يهودياً أو لا يكون".

وعلى هذا النحو التقطت إحدى السمات الأساسية في الحركة الصهيونية الألمانية التي ولدت في القرن الــ 19، باعتبارها "حركة لإعادة الافتخار بكون المرء يهودياً أكثر منها لإقامة قومية يهودية". وهي تشير في كتاباتها إلى اليهود بصفة "الشعب اليهودي"، ومن رأيها ضرورة إعطاء "وضع" له، من "دون الوقوع في الجوهرانية" – تلك الخاصية الموروثة من أيديولوجيات القرن الــ 19– وذلك بمنح مقولة الشعب معنى سياسياً في المقام الأول. 

وكانت أرندت تقدِّر للصهيونية عدّها اليهود "شعباً مضطهداً"، بمعنى الوجود خارج حدود السلطة ودائرتها، لكنها لم تكن تؤيد المطالبة الصهيونية بتحوّله إلى "شعب مثل سائر الشعوب الأخرى" بوصوله إلى السلطة السياسية، أي الدولة، وتالياً إمكان استخدامه للوسائل العنفية التي تستخدمها الشعوب، مع ما يرافق ذلك من ظلم وعسف. 

وفي رأيها أنّ مقولة "مثل الآخرين" ليست مسألة مضمون: فلا يتعلّق الأمر بمشابهة كائن من كان، ولا في التخلِّي عن التاريخ الخاص – ومن ضمنه التراث الديني، إنما المطلوب الانتهاء من "الوضع السياسي الاستثنائي لليهود". وعلى هذا النحو، "مثل الآخرين" تعني القول "بين الآخرين": شعب مساوٍ في الحقوق والواجبات لشعوب الأرض الأخرى.

العمى الصهيوني

  • برنار لازار (1865–1903)
    برنار لازار (1865–1903)

إبّان الخلاف الذي نشب داخل الحركة الصهيونية حول التحالفات التي من الممكن عقدها بين ما أُطلق عليه أنصار "الواقعية السياسية" (هرتزل) (1860-1904) وأنصار "المثالية الأدبية" (ب. لازار) (1865-1903)، وقفت أرندت إلى جانب اليهودي الفرنسي، لأنّ السياسة الواقعية الوحيدة تنحصر في سياسة تحالف مع الشعوب المتوسِّطية الأخرى التي تعزّز الوضع المحلِّي اليهودي في فلسطين والتي تؤمِّن تعاطفاً حقيقياً مع الجيران.

ورأت أرندت أنّ أحد مصادر العمى الصهيوني الخاص بما تسمّيه "المسألة العربية" يكمن في الاتجاه نحو الواقعية السياسية، أي الاندراج في لعبة القوى العظمى. وبهذا المعنى لا تكون هذه السياسة سوى سياسة تلغي معناها بسبب تقريبها ممَّن يمتلك قوة أكثر، لذلك فهي "غير مبصرة للواقع" الضروري للفعل.

سيتوقّف تطوير ثقافة يهودية عن كونه شاغلاً للشعب بأكمله، وستُرفض التجارب الاجتماعية باعتبارها ترفاً لا طائل منه، وسيتركّز الفكر السياسي على الاستراتيجية العسكرية 

فالسياسة، بحسب أرندت، هي مسؤولية في شكل أساسي، وردٌّ على نداء الحاضر الذي يفترض أننا نلتقط "الفرص التي تعرضها الظروف". وإمكان الفعل نفسه يفترض مفهوماً للتاريخ في كلّ مرة لا يكون فيها الحاضر محدّداً تماماً، ولكنه يترك دائماً، ولو على نحو ضئيل، فرصة صغيرة، لا يمكن استغلالها إلا إذا جرى اتخاذ مبادرة سياسية. فمسألة الحاضر المباشر ليست الضرورة، بل الإمكان، والإمكان، أي الواقع، "لا يقع دائماً في مرمى بصرنا". وعلى هذا النحو، فإنّ الواقعية السياسية تخطئ في إدراك الواقع، إذ إنها تأخذ الماضي على أنه الواقع وتفوِّت الواقع الوحيد الدال: الممكن.

فأرندت، كما هي حال الفيلسوف النمساوي مارتن بوبر (1878-1965) والحاخام الأميركي يهودا ماغنس (1877-1948)، أدركت أنّ العرب لا يرون في وعد بلفور (1917) إلا تحالف اليهود مع الإمبريالية البريطانية. ورأت أنّ تحالف شعب صغير مع قوة إمبريالية تحالف هشّ بالضرورة: "فالأمان الذي يظن الشعب الصغير أنه وجده إلى جانب القوة الحامية غير مستقر بحكم الضرورة، إذ يكفي أن تتغيّر مصلحة هذه القوة حتى تتفلَّت من تحالفاتها كافة".

شرعية الوجود لا تمنح شرعية السيادة

  • تهجير الفلسطينيين خلال النكبة عام 1948
    تهجير الفلسطينيين خلال النكبة عام 1948

تلتقي أرندت في وجهة نظرها مع ماغنس الذي لم يفرحه إعلان "وعد بلفور"، بل قدَّم له كلّ أسباب القلق، بالاستناد إلى فهمه لحقائق الشرق الأوسط والحذر الشديد من الوعود التي تقدّمها القوى الإمبريالية. 

إذ بدلاً من الكلام على "الخلاص" يجب، من وجهة نظره، التمعّن في "الحالة الراهنة للعالم" أوان خروجه من الحرب العالمية الأولى: السيطرة الإمبريالية الاقتصادية، الشروط الهشّة ليهود أوروبا الوسطى والشرقية، المشكلات المعقّدة للشرق المسلم.

رأى ماغنس أنّ "وعد بلفور" لا يستطيع، بحدّ ذاته، أن يؤسس لشرعية سياسية تمنح اليهود حقّ السيادة على فلسطين، وإن كان لا ينفي حقهم في الوجود فيها، والتعلّق بالشرعية التي تعطيها الإمبريالية سيخلق مناخ عداء مع الشعوب الأخرى في المنطقة. 

وفي رأي أرندت وماغنس أنّ "إنجازات" اليهود في فلسطين هي مصدر الشرعية ونقطة التقاء محتمل مع العرب. فإذا كان هناك بعد "تاريخي" لاختيار فلسطين بدلاً من أية بقعة أخرى في العالم – بحسب الزعم الصهيوني – فهذا لا يضفي وحده شرعية على الوجود اليهودي فيها. 

سيعيش اليهود "المنتصرون" محاطين بسكان عرب معادين تماماً، محصورين داخل حدود مهدّدة باستمرار، منشغلين بالدفاع عن أنفسهم جسدياً لدرجة إهمال المصالح والأنشطة الأخرى.

ذلك أنّ الشرعيّة لا يمكن أن تتأتى إلا من مبدأ يمكن للآخرين الاعتراف به. وبالنسبة إلى العرب، رفض ماغنس أن يُبرّر شرعية الوجود اليهودي في فلسطين استناداً إلى الوعد المعطى للنبي إبراهيم، لأنه لا يمكن أن يعني لهم (أي للعرب) سوى الطرد أو وضعهم في أسفل السلَّم الاجتماعي. 

لكنه، في المقابل، يُقرّ أنّ الحقّ المعترف به لليهود هو في "جعل الأرض التاريخية بلداً لهم، لا بالقوة، ولكن بعملهم وبثمرة رؤوسهم وأيديهم". والأمر نفسه، بطبيعة الحال، ينطبق على العرب.

عند أرندت، أيضاً، من الضروري الاتفاق على "بعض المطالب الرئيسية"؛ ومنها أنّ "حقّ الشعب اليهودي" في فلسطين "مماثل لحق كلّ إنسان في حيازة ثمرة عمله"، سواء أكان يهودياً أم عربياً. هذا الإقرار، برأي أرندت، يستبعد مبرِّرين: "أنّ الماضي بصفته كذلك يمنح حقوقاً، أو أنه يمكن شراء بلد بواسطة النقود، أو أن يستطيع لورد نافذ بكرم أن يبيع وطناً لأحد آخر".

رفض قيام الدولة

  • تيودور هرتزل والمؤتمر الصهيوني الأول عام 1897
    تيودور هرتزل والمؤتمر الصهيوني الأول عام 1897

والحال أنّ أرندت رفضت قيام "دولة" يهودية قائمة على سيادة قومية حصرية لأنّ شكل الدولة - الأمة كان دائماً يتمحور في نظرها حول مسألة أغلبية/أقلية: فالعرب كانوا يشكّلون أغلبية سكان فلسطين، وقد سعت الحركة الصهيونية إلى قلب المعادلة الديموغرافية، التي ستنقلب يوماً ما مرة أخرى. وهذه هي الحلقة المفرغة في ظنِّها. 

من هنا جاءت معارضتها لبرنامج بلتمور الصادر عام 1942، الذي دعا إلى فتح أبواب الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وإسناد إدارة الهجرة إلى "الوكالة اليهودية"، وإقامة كيان سياسي يهودي فيها، وهو ما ارتبط بالسعي إلى تغيير التوازن الديموغرافي لصالح أغلبية يهودية".

وأمام إصرار التيار الصهيوني السائد على إقامة "دولة" يهودية، في مقابل رفض العرب لهذا المشروع، كان ضرورياً، في نظر أرندت، الحفاظ على روح "التسوية". فالخطر عندها هو سياسة "الكلّ أو لا شيء" التي لا تقود سوى إلى الحرب. 

الخطر عند أرندت هو سياسة "الكل أو لا شيء" التي لا تقود سوى إلى الحرب.

بيد أنّ بعض الباحثين رأى أنّ ما دفعها إلى تأييد "الدولة" ثنائية القومية، ورفض قيام "الدولة" اليهودية من دون شريك فلسطيني، هو مصلحة اليهود أنفسهم، لا مجرّد تعاطف مع الضحايا العرب: إذ "اﻟﺒﺪﻳﻞ ﻣﻦ اﻟﺘﻌﺎون ﻫﻮ الحرب. ﻟﻜﻦ ﻟﻴﺲ ﺛﻤﺔ مجال ﻟﻠﻮﻫﻢ في ما ﻋﻨﻰ ﻧﺘﺎﺋﺞ وﻗﻮع الحرب ﺑﻴﻦ اﻟﻌﺮب واﻟﻴﻬﻮد. ﻓﻘﺪ ﺗﺴﺘﻄﻴﻊ أن ﺗﺮﺑﺢ عدة ﻣﻌﺎرك ﻣﻦ دون أن ﺗﺮﺑﺢ.

وﺣﺘﻰ ﻟﻮ ﻛﺴﺐ اﻟﻴﻬﻮد الحرب، ﻓﺈنّ ﻧﻬﺎﻳﺔ اﻟﻨﺰاع ﺳﺘﺸﻬﺪ ﺗﺪﻣﻴﺮ اﻹﻣﻜﺎﻧﺎت اﻟﻮﺣﻴﺪة واﻟﻨﺠﺎﺣﺎت اﻟﻮﺣﻴﺪة اﻟﺘﻲ ﺣﻘّﻘﺘﻬﺎ اﻟﺼﻬﻴﻮﻧﻴﺔ، ﻷنّ اﻟﺒﻠﺪ اﻟﺬي ﺳﻴﻮﻟﺪ ﺣﻴﻨﺬاك ﺳﻴﻜﻮن مختلفاً عما ﺣﻠﻢ ﺑﻪ ﻳﻬﻮد العالم ﻛﻠّﻪ، ﺻﻬﺎﻳﻨﺔ وﻏﻴﺮ ﺻﻬﺎﻳﻨﺔ، حيث "سيعيش اليهود المنتصرون" محاطين بسكان عرب معادين تماماً، محصورين داخل حدود مهدّدة باستمرار، منشغلين بالدفاع عن أنفسهم جسدياً لدرجة إهمال المصالح والأنشطة الأخرى. 

كما سيتوقّف تطوير ثقافة يهودية عن كونه شاغلاً للشعب بأكمله، وستُرفض التجارب الاجتماعية باعتبارها ترفاً لا طائل منه، وسيتركّز الفكر السياسي على الاستراتيجية العسكرية". وسيتردّى وضع يهود فلسطين ﻟﻴﺼﺒﺤﻮا ﺟﺰءاً ﻣﻦ ﻗﺒﻴﻠﺔ محاربة، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺳﺘﺘﻮﺗﺮ العلاقات ﺑﻴﻬﻮد المنفى".

موطن قومي.. ولكن

  • محاكمة أدولف أيخمان في القدس المحتلة عام 1961
    محاكمة أدولف أيخمان في القدس المحتلة عام 1961

بعد تردّدها، اقتربت حنة أرندت عام 1948 من المواقف التي كان يدافع عنها يهودا ماغنيس والجماعات المرتبطة به في فلسطين والولايات المتحدة منذ زمن طويل. وهؤلاء ورثة، في عصر مختلف وسياق جديد، للأفكار التي دافعت عنها منظمة بريت شالوم، التي تأسست عام 1925 ودعت إلى التفاهم العربي اليهودي، قبل أن تواصل جماعة "إيحود" التي تأسست عام 1942 بمشاركة ماغنس ومارتن بوبر وآخرين، الدفاع عن مشروع سياسي ثنائي القومية. 

الشرعية لا يمكن أن تتأتى إلا من مبدأ يمكن للآخرين الاعتراف به. 

وتتمحور هذه الأفكار، كما قدّمتها آرندت، حول 3 مقترحات هي: موطن قومي يهودي لا ينبغي التضحية به من أجل "السيادة الزائفة لدولة يهودية"، والهجرة إلى فلسطين تكون "محدودة العدد والمدة"، و"التعاون اليهودي العربي المتين"، المتجسّد في الإدارة الذاتية المحلية القائمة على المجالس البلدية المشتركة.

أخطار تواجه "الدولة"

  • فلسطينيون عند باب العمود في القدس عام 1940
    فلسطينيون عند باب العمود في القدس عام 1940

بين الأعوام 1944 و1950، كانت مواقف أرندت في نيويورك تمثّل رأي أقلية، وفقاً للباحث الفرنسي بيار بوريتز، مدير الدراسات في المدرسة العليا للدراسات في العلوم الاجتماعية في فرنسا (EHESS)، الذي تناول هذه المسألة في دراسته "حنة أرندت والصهيونية: كاساندرا ذات القدمين الطينيتين" (2004)، وكانت تشبه إلى حدّ كبير تلك التي دافع عنها مارتن بوبر في القدس في الوقت نفسه، مدفوعة عند البعض بعدم الامتثال الممزوج بالتعاطف مع المنبوذين الذين بدوا لها أنهم يتغيّرون، ومستندة عند البعض الآخر على نوع من الفوضوية الطوباوية التي تفضّل التجربة الاجتماعية على الدولة.

الأمان الذي يظن الشعب اليهودي الصغير أنه وجده إلى جانب القوة البريطانية الحامية غير مستقر بحكم الضرورة، إذ يكفي أن تتغيّر مصلحة هذه القوة حتى تتفلَّت من تحالفاتها كافة.
 

لقد حذّرت أرندت من عدة مسائل، ونبّهت الى الأخطار المهدّدة لـ "الدولة" اليهودية، ومنها: خطر الصراع المستمر مع العرب الفلسطينيين، وعسكرة "المجتمع الإسرائيلي"، من خلال الاعتماد على "الجيش" لتحقيق الأمن بدلاً من السياسة، بحيث تحوّلت الى"دولة أمنية"، والعزلة السياسية والأخلاقية، وهذه المسألة عادت بقوة إلى النقاش العالمي خلال السنوات الأخيرة، مع اتساع الانتقادات الدولية للسياسات الإسرائيلية العدوانية، خصوصاً بعد شنّ حرب الإبادة في غزة ولبنان، حيث بدت "دولة إسرائيل دولة منبوذة" لا تحترم القانون ولا حتى أبسط حقوق الأفراد، العزيزة على قلب حنة أرندت وهي الداعية الى عالم تعدّدي مشترك .

المراجع والمصادر 

  • Gil Rubin, “From Federalism to Binationalism: Hannah Arendt’s Shifting Zionism,” Contemporary European History, Cambridge University Press, 2015. 
  • Hannah Arendt and Gershom Scholem, The Correspondence of Hannah Arendt and Gershom Scholem, edited by Marie Luise Knott with David Heredia, University of Chicago Press, 2017.
  • Hannah Arendt, “Eichmann in Jerusalem,” The New Yorker, خمس حلقات منشورة بين شباط/فبراير وآذار/مارس 1963. وللجدل الذي أثاره التقرير، انظر مقال “Beware of Pity”، المنشور في المجلة نفسها عام 2009.
  • Hannah Arendt, “Zionism Reconsidered,” The Menorah Journal, vol. 33, August 1945, pp. 162–196. 
  • Hannah Arendt and Kurt Blumenfeld, ... in keinem Besitz verwurzelt: Die Korrespondenz, edited by Ingeborg Nordmann and Iris Pilling, Hamburg, 1995.
  • Hannah Arendt, “Zionism Reconsidered,” The Menorah Journal, vol. 33, August 1945, pp. 162–196؛ وانظر أيضاً مقالها “To Save the Jewish Homeland: There Is Still Time,” Commentary, May 1948, pp. 398–406.
  • Hannah Arendt, “The Jewish State: Fifty Years After,” Commentary, vol. 1, May 1946, pp. 1–8. 
  • Hannah Arendt, “Zionism Reconsidered,” The Menorah Journal, vol. 33, August 1945, pp. 162–196. 
  • Hannah Arendt, “Peace or Armistice in the Near East?”, The Review of Politics, vol. 12, no. 1, January 1950, pp. 56–82. 
  • Hannah Arendt, “To Save the Jewish Homeland: There Is Still Time,” Commentary, vol. 5, May 1948, pp. 398–406. 
  • “Peace or Armistice in the Near East?”, The Review of Politics, 1950, pp. 56–82. 
  • “Declaration Adopted by the Biltmore Conference,” May 6–11, 1942.
  • Hannah Arendt, “To Save the Jewish Homeland: There Is Still Time,” Commentary, vol. 5, May 1948, pp. 398–406.
  •  “Martin Buber,” Stanford Encyclopedia of Philosophy.
  •  Hannah Arendt, “To Save the Jewish Homeland: There Is Still Time,” Commentary, May 1948, pp. 398–406.
  • Pierre Bouretz, “Hannah Arendt et le sionisme : Cassandre aux pieds d’argile,” Raisons politiques, 2004/4, no. 16, pp. 125–138. 

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

اخترنا لك