لعنة قايين 2: حروب المياه في المنطقة

يعتقد المؤلف أن لعنة قايين قد أصابت العالم، وأن حروب المياه أغلبها في المنطقة العربية، لكن الخبراء حددوا عام 2050 كموعد لنشوب حرب مياه عالمية عندما يصل عدد سكان الكوكب إلى 10 مليارات نسمة.

  • لعنة قايين 2: حروب المياه من لبنان وسوريا وحوض الأردن إلى العراق ومصر
    لعنة قايين 2: حروب المياه من لبنان وسوريا وحوض الأردن إلى العراق ومصر

"لعنة قايين 2 حروب المياه من لبنان وسوريا وحوض الأردن إلى العراق ومصر " كتاب جديد للدكتور كمال ديب، وهو الجزء الثاني من ثلاثية "لعنة قايين" 2. تعنى الثلاثية بحروب متعددة الغاز والماء والمناخ، والجزء الثاني هو عن حروب الماء، فإذا كان النفط والغاز عصب الاقتصاد العالمي، والماء ماضياً وحاضراً ومستقبلاً هو عصب الحياة الذي من دونه لا وجود للبشر والحضارة بدأت أولاً على ضفاف النيل ودجلة والفرات قبل آلاف السنين، إذ إن 70% من أراضي الدول العربية هي صحارى  ونصيب المواطن فيها من الماء هو الأدنى في العالم، وأن قوى غير عربية (تركيا إسرائيل وإثيوبيا) هددت وتهدد مياه أنهار النيل ودجلة والفرات وشط العرب  والأردن والليطاني،  ولذلك نعود في الجزء الثاني من "لعنة قايين 2" لنعالج مشكلة العرب الرئيسية: حروب المياه التي بدأت منذ عام 1960  إلى اليوم.

كتاب لعنة قايين 2 حروب المياه من لبنان وسوريا وحوض الأردن إلى العراق ومصر، المؤلف الدكتور كمال ديب الناشر دار الفارابي 2026 بيروت لبنان.

ثلاثية لعنة قايين

يصف المؤلف لعنة قايين 2 بالثلاثية، إذ تحقّق الجزء الأول عن الطاقة "حروب النفط  والغاز" والجزء الثاني عن "حروب المياه" والجزء الثالث والأخير "لعنة قايين 3"، فهو يعنى بالمناخ "التصحّر في العالم العربي والاحتباس الحراري والتلوّث البيئي والأسلحة البالستية الإشعاعية والجرثومية".

وفي هذا السياق، توقعت مراكز الأبحاث في أميركا أن الصراع الدولي في القرن الحادي والعشرين سيكون حول الماء وليس حول الطاقة "النفط والغاز". وفي مؤتمر عُقد عن المياه في ستوكهولم عام 1982، صدر تحذير من "أن المياه كالطاقة  ستصبح قضية خلاف سياسي خلال العقد القادم (أي بدءاً من عام 1992)،  وأن منطقة الشرق الأوسط هي الأكثر حساسية لمثل هذا الأمر، وحدّد عام 2000 بأنه سيكون بداية هذا الصراع، وخصوصاً في المنطقة العربية التي ارتبط مصيرها المائي بكيانات غير عربية "إسرائيل وتركيا إثيوبيا"، كما يلاحظ المؤلف، ومن أمثلة حروب الماء التي لا تزال ماثلة أمامنا حرب إسرائيل على المياه العربية، وآخرها حصار إسرائيل لقطاع غزة والحروب التي شنّتها على القطاع وآخرها في 8 تشرين الأول 2023 بحجة طوفان الأقصى، حيث استخدمت فيها أسلحة القتل، ولكن أمضى هذه الأسلحة كان قطع المياه عن المدنيين الفلسطينيين بمنزلة مؤشّر آخر على دور الماء في الحروب، كما أظهرت أهميّة المياه عالمياً إلى حدّ قتل الشعوب. تجدر الإشارة أن من أصل 22 دولة عربية في غرب آسيا وشمال أفريقيا، ثمّة 14 منها تعاني أزمات مائية حادّة وفق دراسات المخابرات الأميركية ومراكز الأبحاث في واشنطن، وأنّ معظم أزمات العالم المائية هي في المنطقة العربية، وأنّ الأزمات المشتعلة بسبب الماء هي عشر؛ ستّ منها بين العرب وكيانات مجاورة غير عربية (ذكرت سابقاً)، وهو ما يستعرضه هذا الكتاب.

التوزيع غير العادل للمياه 

يعتقد المؤلف أن لعنة قايين قد أصابت العالم، وأن حروب المياه أغلبها في المنطقة العربية، لكن الخبراء حددوا عام 2050 كموعد لنشوب حرب مياه عالمية عندما يصل عدد سكان الكوكب إلى 10 مليارات نسمة. هكذا بدأت المشكلة التي يطرحها المؤلف في هذا الكتاب، إذ إن كمية  المياه السنوية المتوفرة عالمياً  منذ عام 1950 – نحو 24 ألف ملم3 – منحت كل فرد في الأرض 4500 ليتر من المياه العذبة كل سنة، وهذا التوزيع – كما كل ثروة – نظري في أفضل الأحوال، إذ يقتضي العدل أن يكون التوزيع متساوياً لكل الشعوب في أنحاء العالم، بينما في الحقيقة أنّ بعض البلدان لديها تخمة من المياه وأخرى تعاني التصحّر والجفاف، ما يجعل مواطنيها محرومين من المياه. لقد أشارت التقارير الأممية إلى الاستهلاك السريع للمياه الجوفية في بعض الدول العربية، ومنها الأردن واليمن، ولكن مثل هذه التقارير أهمل السبب الحقيقي. في حال المملكة الأردنية مثلاً هو سيطرة إسرائيل على مياه حوض الأردن الذي كان المصدر الأساسي قبل حرب 1967، وثمّة حوض آخر في بلاد الشام (أي سوريا ولبنان وفلسطين والأردن) تكون بفعل الشق الأفريقي الذي يمتد من الشمال، ويقسّم حوض بلاد الشام إلى ثلاثة أحواض فرعية هي: حوض العاصي وحوض الليطاني وحوض الأردن، فحوض العاصي يمرّ إجمالاً في سوريا دون مشكلة تذكر، فيما حوض الليطاني الذي ينبع ويصبّ في لبنان هو محط أطماع إسرائيل. أما حوض الأردن، فعلى الرغم من أنه صغير نسبياً، ولكنه سبّب عدّة حروب بين دول بر الشام (سوريا والأردن وفلسطين ولبنان) من جهة الكيان الإسرائيلي من جهة أخرى.  كما أنّ كمية مياه نهر الأردن، لا تزيد على 2% سنوياً مقارنة بتدفق النيل. تجدر الإشارة إلى أن "إسرائيل" تطلق على الضفّة الغربية  تسمية توراتية هي اليهودية والسامرة، وأعلنت مراراً رفضها الانسحاب من الضفّة الغربية، لأنّ تلك المنطقة تؤمّن 40% من حاجة إسرائيل من المياه العذبة، وهي لن تدعها تذهب إلى أيدي أعدائها العرب، ولذلك بعد استيعابها كل المياه الممكنة من حوض الأردن،  دأبت إسرائيل في نشر دعاوى مغرضة ضد لبنان بأنه متخم بالمياه العذبة التي يتركها تذهب هدراً إلى البحر، بل كانت تشنّ الحرب تلو الأخرى ضده  لمنعه من استثمار ثروته المائية، كما اتخذت من هجمات المقاومة اللبنانية  منذ عام (1982 – 2025) من أراضي لبنان ذريعة  لاجتياحه مراراً وأثناء احتلالها الطويل لجنوب لبنان والبقاع الغربي من 1978 إلى 2000 مدّت إسرائيل أنابيب لسرقة المياه اللبنانية، كما أكدت تقارير الأمم المتحدة في الثمانينيات من القرن الماضي.

الأطماع في لبنان

وفي السياق التاريخي، يكشف المؤلف، أنه خلال  الفترة 1899 – 1901، قام مهندس يهودي سويسري يدعى إيرهام بوكات بدراسة مياه المنطقة، وقدّم تقريراً إلى تيودور هرتسل مؤسس العقيدة الصهيونية جاء فيه: "إن أرض إسرائيل المقترحة يمكن أن تكون خصبة باستخدام مشروع طاقة وري ضخم، يقضي باستخدام مياه نهري الليطاني والأردن إلى الجليل لري أرض إسرائيل الموعودة.  وقد أُعجب هرتسل بالفكرة  وكتب إلى "المؤسسين للأرض الجديدة القديمة من مهندسو المياه ذلك". وما لفت نظر المخططين اليهود إلى مياه لبنان أنه في عام 1905 توصّل المهندس الفرنسي دلبوس إلى أن كل مياه حوض الأردن لن تكفي لحاجات إسرائيل المستقبلية، بل يجب تحويل مياه الليطاني والحاصباني، وترافق ذلك مع دراسة أخرى أعدها إيراكس وضمّنها خرائط مفصلة لمياه فلسطين والمنطقة المحيطة، بما في ذلك الأردن وأجزاء من لبنان وسوريا يكون فيها جبل الشيخ وسهل حوران ونهر الليطاني جزءاً من الدولة اليهودية المنوي إنشاؤها، وهي الدراسة التي قدمها ممثلو الحركة الصهيونية بعد الحرب العالمية الأولى إلى مؤتمر السلام في باريس عام 1919.

إقرأ أيضاً: "لعنة الغاز ".. من روسيا وقطر إلى سوريا ولبنان

وبعد سقوط السلطنة العثمانية عام 1918، أقدمت بريطانيا وفرنسا على ترسيم الحدود بين لبنان وفلسطين عام 1920، إلا أن الضغط الصهيوني أعاد هاتين الدولتين الاستعماريتين إلى المفاوضات لإعادة ترسيم الحدود بين لبنان وفلسطين عام 1923 لضم المزيد من مجاري المياه. لذلك كان ما يسمى  إصبع الجليل. ومنذ 1948 أكد بن غوريون أول رئيس وزراء لإسرائيل هذا الطمع بمياه لبنان، وجاء من بعده موشيه دايان وزير الدفاع الإسرائيلي الذي كان منتشياً بانتصار إسرائيل عام 1967، ليؤكد أن حدود إسرائيل "باتت مقبولة نسبياً مع مصر وسوريا والأردن، وبقي أمامنا بلد يجب تعديل حدودنا معه هو لبنان".

وأخيراً، إن نبوءة  كيسنجر قد تحققت، وقد وضعت أميركا يدها على الثروة البترولية العربية، كما وضع حلفاء أميركا من غير العرب يدهم على مصادر المياه، فأصيب العرب بالنكبة والنكسة واللعنة، لأنهم لم يتعاونوا من أجل مياههم وتهاونوا الوقوع ضحية القوى الخارجية، ولم يتبعوا خططاً تنموية وحقيقية تحفظ الأمن المائي والغذائي للمواطن، فكانت لعنة قايين 2 حول حروب المياه أشد إيلاماً من لعنة قايين 1 حول حروب الغاز الطبيعي.

اخترنا لك