كيف يفكر الغربيون والآسيويون على نحو مختلف؟

ظل هدف التعليم الكلاسيكي الصيني دائما تنشئة إنسان معقول في تفكيره كنموذج للثقافة: إذ حري بالإنسان المتعلم أن يكون أولاً وقبل كل شيء كائناً مفكراً معقولاً يتميز دائما بحسه المشترك، وحبه للاعتدال. وضبط النفس.

  • كيف يفكر الغربيون والآسيويون على نحو مختلف.... ولماذا؟
    كيف يفكر الغربيون والآسيويون على نحو مختلف.... ولماذا؟

"لكي تكمش شيئاً، أنت بحاجة إلى تبسيطه أولاً: ولكي تضعف شيئاً، أنت بحاجة إلى أن تقويه أولاً: ولكي تمحو شيئاً، يلزم أن تجعله يزدهر أولاً ، ولكي تأخذ شيئاً، يلزم أن تعطيه أولاً." طاو تي شنج

أكثر من بليون نسمة في عالم اليوم يدّعون أنهّم حملة التراث الفكري لليونان القديمة، وأكثر من بليونين هم ورثة التقاليد الصينية القديمة في الفكر. وواضح أن فلسفات الإغريق والصينيين منذ 2500 سنة كانت مختلفة بعضها عن بعض اختلافاً بيّناً. وإذا رجعنا إلى الفكر الإغريقي، نرى أنهّم اهتموا بفهم الطبيعة الأساسية للعالم، فعلى سبيل المثال فلاسفة أيونيا ( التي تضم تركيا وصقليا وجنوب إيطاليا) في القرن السادس قبل الميلاد  كانوا تجريبيين حتى نقي العظم، وبنوا نظرياتهم على أساس من الملاحظة الحسية، والشيء المهم في الفكر الإغريقي هو المخطط الذي يمثل قاعدة خلفية للتفكير وهو النظر إلى الموضوع في" استقلال".

هل البشرية في سبيلها إلى تغيير أسس وقوانين الفكر جذرياً؟ وهل أصبح لزاماً مراجعة أسس الفكر أو التفكير الإنساني؟ إحدى مسلمات فكر التنوير الغربي أن أنماط الفكر البشري واحدة أينما كان البشر، في الغرب أم في الشرق وساد هذا الاعتقاد كقانون حاكم للفكر، وأن طبيعة الفكر البشري كونية أو كلية، بهذا المعنى أن الناس أينما كانو وأياً ما كانت ثقافتهم، يفكرون ويستدلون ويستقرؤون وفق منهج ومنطق واحد، ويصنّفون الوجود ويدركونه على نحو نمطي واحد.

عشنا قروناً طويلة نؤمن بأن العقل – الفكر واحد بين البشر. وأن منهج التفكير الصحيح أو المنطق هو واحد في كل زمان ومكان، ورؤيتنا للعالم واحدة. وظلت السيادة للفكر الأرسطي، منذ الإغريق بوصفه القاعدة والمرجعية، ثم ظهرت مدارس منطقية إضافية إليه وتحديداً لمجال تطبيقه، من دون أن تنفي أو تعدل بعض أسسه ومبادئه. ذلك من مثل قانون التناقض أو مبدأ عدم التناقض الذي يفيد بأن القضية لا تكون صادقة وزائفة في آن معاً. ولكن، هل آن لنا أن نسمع عن نهاية أو ما بعد مدارس المنطق الغربية وتظهر مدارس جديدة لمنطق جديد؟

شهد القرن العشرون أخطر ثورة ثقافية كونية الأبعاد والأصداء. لاتزال آثارها آخذة بالامتداد والتسارع، حتى ليمكن القول إن الفكر الإنساني يشهد بدايات تحوّل جذري من حيث الأسس والنطاق والمناهج. تتجلى أبعاد هذه الثورة العلمية والثقافية في ثورة الاتصالات والمعلومات وثورة المعرفة من حيث الكم المنتج، ومن حيث الكيف الذي تبذل العقول المنتجة للفكر جهدها لصوغه مسبقاً وملء الفراغ الحادث. وأضحت البشرية تدرك أن ما كان حتى بضعة عقود فكراً حداثياً بات تقليداً بالياً ،ويلزم عليه إفساح الطريق لفكر جديد ونظريات جديدة. يعني هذا أن البشرية إزاء مهام تاريخية جديدة. وهي صياغة ثورية إبداعية لنظريات تنسق الحصاد الجديد، وتفسر الرؤى الجديدة ، وتتنبأ بما تحمله الأيام من تأثيرات. ويلحّ أهل الفكر المستنير على ضرورة أن تنضو البشرية عنها ثوب التقليد على طريق التكيف والملاءمة – فكراً وعملاً، مع واقع متطور جديد، وأن تصوغ فلسفة تنويرية جديدة، وبناء عقل كوكبي ملتزم بقيم جديدة، وفكر إنساني أصيل جامع بين البشر من دون تمييز.

يجنح الكتاب إلى نتائج تشكل في مجموعها قواعد جديدة لرؤية نقدية بناءة لثقافة الغرب، وللثقافات جميعاً في الشرق والغرب على حد سواء. ويكشف الكتاب تمايز أنماط التفكير، وتباين قواعده وقوانينه بفعل ثقافات هي حصاد تفاعل إيكولوجي بين الإنسان / المجتمع والبيئة، أي بسبب تفاعل الإنسان، المجتمع من أجل صناعة وجوده في بيئته الطبيعة والثقافية على مدى بعدي الزمان والمكان ويحاول البحث تجريباً الإجابة عن شواهد عديدة ذات دلالة، مثل السبب في تميز الصينيين القدامى في الجبر والحساب دون الهندسة التي كانت قلعة الإغريق، وامتد هذا التميز حتى الطلاب الآسيويين المحدثين يثبتون تميزهم على طلاب الغرب في الرياضيات والعلم ولكنهم دون الغربيين في المعارف ذات الطبيعة الثورية ، بمعنى أنهم أميل إلى المحافظة من الغربيين، وأوضحت تجاربه بأن الغربيين أقدر نسبياً من الآسيويين الشرقيين على إدراك الجزء مستقلاً عن الكل ، وفصل الموضوع عن الإطار المحيط به. على عكس الآسيوي الشرقي، الذي لا يرى الموضوع ولا يفهمه إلا في سياقه.

أمثله على ذلك: ومنها أن الغربيين ينزعون إلى تطبيق المنطق الصوري عند الاستدلال في شؤون حياتهم اليومية، وقد يوقعهم هذا في أخطاء، بينما ينزع أبناء شرق آسيا إلى الالتزام بالجدل في الفكر، أي الجمع بين النقيضين، إذ يلتزمون بالمبادئ المنطقية التي تتعارض مع النزعة الجدلية في فكر شرق أسيا. 

مثال آخر حول ما نسمّيه قانون عدم التناقض الذي يقضي بأن الشيء ونقيضه لا يجتمعان، أي أن القضية لا تكون خطاً وصواباً في آن واحد. ليس قانوناً عاماً للفكر البشري كما تؤكد الدراسات عن الفكر والتفكير في شرق آسيا، مقارنة مع الفكر والتفكير في الغرب. إنه عادة ثقافية. 

إن الإنسان والفكر كل منهما عملية حية أيكولوجية: أي ثمرة لتفاعل عوامل متداخلة اجتماعية وطبيعية وثقافية، وصولاً إلى بناء ما اصطلح عليه تسمية الموطن الملائم الذي هو مرحلة تكيفية في مسيرة تطور مطرد، أنها شكل من أشكال التكيف التي اختلفت وتنوّعت زماناً ومكاناً لعوامل عديدة، وقابلة للتغير بفضل أو بسبب عوامل أخرى جدت على الساحة. وحري أن نفهم في هذا الإطار معنى تباين التراث والثقافة في بعدي الزمان والمكان على الصعيدين المحلي والدولي.

يقول المترجم في نهاية مقدمته عن هذا الكتاب الذي يقدم دراسة عن الغرب وعن الشرق الأقصى، بأنه دعوة لنا. نحن العرب، لكي نتأمل واقعنا الثقافي وتراثنا، في ضوء دراسة عقلانية نقدية تجريبية. ويفتح هذا النهج مجالاً واسعاً لدراسة العقل أو الفكر العربي، كيف يفكر العربي؟ كيف يرى العالم؟ وما الجذور الثقافية للمعرفة والتفكير العربي ورصيده التاريخي الفاعل والمؤثر؟ ما المنظومة الذهنية الحاكمة للفكر العربي وخاصية هذه المنظومة من حيث المرونة والدينامية، والقدرة التفاعلية مع المتناقضات. ومن ثم القدرة على التطور و التطوير؟ وما أوجه التمايز والتمييز؟ وكيف تغير عادات وأسس التفكير أن كان لازماً؟ ولماذا نستسيغ فكراً دون الآخر، فيبقى الأول ويترسخ بينما يذوي الآخر ويتوارى ويندثر؟ ما أسباب معايير البقاء والتلاشي؟ لماذا مثلاً شاع فكر الأشعرية أو فكر الغزالي دون فكر ابن رشد أو ابن خلدون بحيث فكرهما على أرضهما أو كما يقال اغتربا عن وطنيهما؟ لماذا ترى الحقيقة أو الحق مع البعض، وتصم الآذان عن آخرين؟ وما معاييرنا في ذلك وفق المنظومة الذهنية الحاكمة؟ وهل تلتزم بمعايير موضوعية يدعمها العلم؟ هل من أسباب تراثية ثقافية صاغت البنية الذهنية. أم أسباب بيولوجية أم لغوية أم اقتصادية أم اجتماعية أم طبيعية؟ وإلى أي مدى تدعم أو تعوق هذه البنية الذهنية العربية حركة التطوير الحضاري؟ في ضوء هذا، ما نهج التعليم والتنشئة اللازم لنا؟ وجدير بنا أن ننهض نحن بهذه الدراسة بدلاً من أن يظل مجالها مساحة صامتة، أو بدلاً من أن ينجزها غيرنا فنكون موضوعاً أم ذاتاً فاعلة. 

إن البحوث العلمية في الشرق وفي الغرب تمضي سريعاً مكثفة ومتلاحقةً في محاولة لفهم جديد للإنسان على أساس علمي تطوري من حيث القدرة والإمكانات والاحتمالات والتحولات في ضوء واقع كوكبي جديد، وما أحوجنا نحن إلى أن نفهم أنفسنا أولاً وأن نفهم غيرنا على هذا النحو. وبعيداً عن أطر التقليد لبناء إنسان جديد يتصف بمنظومة ذهنية جديدة، ثم القدرة على الحركة البناءة والتكيف المطرد وسط هذا التناقضات والتحديات، والتزاماً بدعوة تنويرية إنسانية شاملة. إنسان جديد وفكر جديد لعالم جديد.

وأخيراً، أنوّه إلى أن الكتاب ثري بالأفكار التي توضح كيف أن تقدم الشعوب يعتمد مناهج مختلفة عن بعضها البعض، ولايسعنا أن نتطرق إلى كل منهج من هذه المناهج. إلا أني أختم بقول للناقد الأدبي لين يوتانج عندما قال: ظل هدف التعليم الكلاسيكي الصيني دائما تنشئة إنسان معقول في تفكيره كنموذج للثقافة: إذ حري بالإنسان المتعلم أن يكون أولاً وقبل كل شيء كائناً مفكراً معقولاً يتميز دائما بحسه المشترك، وحبه للاعتدال. وضبط النفس، وكراهيته للنظريات المجردة، والتطرف المنطقي. والشعب الذي ينهج هذا المنطق كيف له ألا يتقدم.

اخترنا لك