كيف نجح المماليك في أداء دور الوسيط التجاري بين الشرق والغرب؟

لعبت موانئ الساحل المصري وسواحل بلاد الشام دوراً رئيسياً في تنشيط الحركة التجارية بين الشرق والغرب. فكيف نجح المماليك في الاضطلاع بدور الوسيط بينهما؟

نجحت الدولة المملوكية خلال القرنين الـــ 14 و15 الميلاديين في أداء دور الوسيط التجاري بين الشرق والغرب في أهم سلع ذلك العصر، مثل التوابل والعقاقير الطبية والحرير. وقد لعبت موانئ الساحل المصري وسواحل بلاد الشام، على وجه الخصوص، دوراً رئيسياً في هذا النشاط التجاري.

في المقابل، شهدت هذه القرون تحولاً كبيراً تمثل في تزايد نفوذ سفن المدن الإيطالية مثل البندقية وجنوة وبيزا وفلورنسا في شرق البحر المتوسط، على حساب تراجع سيطرة الأساطيل البيزنطية. ولهذا حرصت حكومات المدن الأوروبية على إقامة علاقات سياسية وتجارية وثيقة مع سلاطين المماليك في مصر وبلاد الشام، وكانت الفنادق إحدى أبرز مظاهر هذه العلاقات التجارية بين الشرق والغرب.

عاش الأوروبيون في مصر وبلاد الشام في زمن دولة سلاطين المماليك في شكل جاليات تجارية، وتمتعوا بقدر كبير من الحريات الاجتماعية تحت رعاية السلاطين الذين توسعوا في منحهم امتيازات تجارية واجتماعية عبر إبرام الاتفاقيات التجارية وعقد المعاهدات.

نجحت الدولة المملوكية في لعب دور الوسيط التجاري بين الشرق والغرب، مستفيدة من موقع موانئها التي شكلت محوراً أساسياً لتبادل السلع الحيوية في ذلك العصر. 

ومع ذلك لم يكن لهذه الجاليات أحياء أو مناطق خاصة داخل المدن على النمط الذي كان شائعاً في فترة خضوع مدن بلاد الشام للحكم الصليبي، بل أقام التجار الأوروبيون داخل فنادق وضعتها الإدارة المملوكية تحت تصرفهم. وغالباً ما كان هذا الفندق منحة من السلطان للتجار الأوروبيين، على أن تنص المعاهدة الموقعة مع حكومة بلادهم على ذلك، مع احتفاظ الإدارة المملوكية بحق استرداده متى شاءت.

الفنادق والخانات: التنظيم المعماري والإداري لإقامة التجار الأوروبيين

ترجع كلمة "فندق" إلى اللفظة اليونانية Pandokeion التي انتقلت إلى الإيطالية، وكانت تدل على المبنى الذي يضم مخازن في طابقه السفلي وغرفاً للنوم في طابقه العلوي مخصصة لإقامة الأجانب.

ويشير المقريزي في كتابه "المواعظ والاعتبار" إلى الفنادق بوصفها المباني التي كان يأوي إليها التجار الأوروبيون في طوابقها العليا، بينما يعرضون بضائعهم في الطوابق السفلى. وكانت هذه المنشآت معروفة في موانئ البحر المتوسط في العصور الوسطى باسم الوكالة في المصطلح العربي، بينما عرفت في مصر باسم الفندق، وفي بلاد الشام باسم الخان، وهو لفظ فارسي.

وكان السلاجقة قد سبقوا إلى بناء نوعين من المباني على جانبي الطرق في آسيا الصغرى: نوع يسمى الرباط وهو فندق للمسافرين، ونوع يسمى الخان أقيم على أطراف المدن وعلى الطرق الرئيسة للبريد أو لاستراحة التجار. ثم استُخدمت الخانات لاحقاً لتؤدي الدور نفسه الذي أدته الفنادق في الموانئ بالنسبة للتجار الأجانب.

تعد الخانات والفنادق من أبرز ما وصل إليه المعمار التجاري في العصور الوسطى، إذ لا توجد فروق معمارية كبيرة بين الخان والفندق في بنيتهما العامة.

وأشار المقريزي إلى أن "الوكالة في معنى الفنادق والخانات". وكان الطابق الأرضي أو "البدروم" في الفندق مخصصاً للتخزين، حيث تكون الردهات مقببة وجيدة التهوية، وسهلة المراقبة والإغلاق، في حين خُصصت الطوابق العليا لإقامة التجار. وغالباً ما كانت الفنادق تحيط بها حديقة تزرع فيها أشجار من أوطان التجار للترويح عنهم. وكانت هذه الفنادق تخضع لإدارة الجمارك التي تخصص جزءاً من الرسوم التي تحصلها من التجار الأوروبيين لصيانة المبنى وإصلاح مرافقه.

كما جُهزت أغلب الفنادق بكنائس لخدمة الجاليات الأوروبية، مثل كاتدرائية القديس ميخائيل في فندق البندقية وكنيسة العذراء مريم في فندق جنوة، بحيث يتمتع أفراد الجاليات بحرية دينية وفقاً للتقاليد التي اعتادوا عليها في بلادهم.

كما خصصت بعض الكنائس خارج الفنادق لبعض الجاليات، مثل كنيسة القديس نيقولا للبيزيين، حيث كانوا يمارسون شعائرهم الدينية بحضور رجال الدين من كل طائفة للإشراف على الطقوس. وقد تضمنت نصوص المعاهدات تراخيص لترميم الكنائس مقابل رسوم محددة، كما أشارت إلى المصليات الموجودة داخل الفنادق وإلى وجود قساوسة غربيين يتولون المهام الدينية ودفن موتى الجاليات.

لم تكن الفنادق مجرد أماكن إقامة، بل مؤسسات اقتصادية وتنظيمية احتضنت التجار الأوروبيين، ووفّرت لهم بيئة متكاملة لإدارة أعمالهم وحياتهم اليومية. 

عند وصول التاجر الأجنبي إلى الميناء كان يتم تفتيش أمتعته بدقة، ويطلب منه دفع نسبة قدرها 2% من قيمة ما يحمله من ذهب. بعد ذلك يتوجه إلى فندق جاليته ليضع بضائعه ويجتمع بأبناء وطنه، إذ كان لكل جالية أوروبية فندقها الخاص الذي ينزل فيه تجارها دون غيرهم. وكان لكل فندق إدارة مستقلة يرأسها مدير يعرف باسم الفندقي Fonticarium، تختاره حكومة بلاده من أصحاب المكانة الاجتماعية، ويكون مسؤولاً عن إدارة الفندق وتوفير الإقامة المناسبة لأفراد الجالية، وتأمين احتياجاتهم المادية والدينية في بيئة اجتماعية تشبه إلى حد كبير نمط الحياة في بلادهم.

ويظهر ذلك بوضوح في نص معاهدة عام 1355م بين السلطان المملوكي وحكومة مدينة البندقية، والتي نص أحد بنودها على أنه: "عندما يحضر شخص ما إلى ديارنا نمنحه الضمان والحماية، كما نعمل على تجهيز أماكن خاصة لهم، وننفذ لهم كل ما يطلبونه، ولهذا فإننا نجعل جميع الفنادق التي يشغلها البنادقة في الإسكندرية والتي يذهبون إليها تحت تصرفهم".

الحياة اليومية للتجار الأوروبيين داخل الفنادق ودورها الاقتصادي

كان الأوروبيون يعتادون على إحضار كميات كبيرة من الخمور معهم، وقد سمحت لهم السلطات المملوكية بنقلها من السفن إلى فنادقهم واستخدامها داخلها. كما أعفي إدخال النبيذ إلى الفنادق من الرسوم والضرائب، إذ تنص المعاهدات على أن التجار البنادقة يمكنهم إدخال الخمر والجبن إلى فنادقهم لاستعمالهم الشخصي من دون ضرائب أو اعتراض.

ومع ذلك، إذا كانت الكميات كبيرة فقد يكون من الصعب إدخالها من دون دفع شيء لمفتشي الجمارك. وقد كانت هذه الممارسات خاضعة في المقام الأول لرغبة السلطان ونوابه، وكذلك للظروف السياسية أو أوقات انتشار الأوبئة.

ويشير المقريزي في كتاب "السلوك" إلى أن نائب السلطان حاول عام 1343م منع الأوروبيين من استخدام الخمور في فنادقهم، إلا أن السلطان رفض ذلك، بل سمح لأهالي بيت لحم بصناعة الخمور وبيعها لتجار الجاليات الأوروبية.

وحرص سلاطين المماليك على توفير سبل الراحة للجاليات الأوروبية داخل فنادقهم، فجهزوها بمرافق ضرورية للحياة اليومية مثل خزانات المياه العذبة والأفران. كما سمح لهم بتربية الخنازير داخل الفنادق، وتمتعت كل جالية بخدمات مجانية مثل الأفران لإعداد الخبز والسلخانات والحمامات التي كانوا يستخدمونها أسبوعياً بلا ضرائب. وتمتع الأوروبيون بقدر كبير من الحماية والحرية الاجتماعية داخل المدن الساحلية. وكان من المعتاد إغلاق الفنادق عليهم ليلاً حتى يتمكنوا من ممارسة حياتهم وفق نمطهم الأوروبي.

وقد ألزمت السلطة المملوكية كبار موظفيها بـ "حفظ فنادق الفرنج وحفظ مفاتيحها في الليل ووقت صلاة الجمعة، وفي حفظ الأماكن المجاورة لها"، كما ورد في كتاب "الفضل المأثور" لابن الكاتب.

وكان يحظر على الأوروبيين مغادرة الفنادق ليلاً، وكانت أبوابها تغلق من الخارج حفاظاً على أمن المدينة، وكذلك لحمايتهم وحماية بضائعهم من أي محاولة للنهب. كما كان يحق لقناصل الجاليات إغلاق فنادقهم دون الرجوع إلى السلطة المملوكية. أما التنقل داخل المدينة فكان مسموحاً به وفق شروط محددة نصت عليها المعاهدات، خاصة في أوقات الاضطرابات السياسية.

وكانت الفنادق بمثابة مأوى خاص لأبناء الجاليات الأوروبية، إضافة إلى كونها أماكن للتداول في شؤونهم المالية والتجارية، وتشبه إلى حد كبير البورصات في عصرنا الحالي. فقد كان التجار يجتمعون فيها لعقد الصفقات التجارية وإتمامها داخل قاعات تضفي على هذه الصفقات طابعاً رسمياً.

ويذكر المقريزي أنه عندما دخل أحد الفنادق وجد "صناديق مصطفة ما بين كبير وصغير تشتمل على الذهب والفضة ما يجل وصفه، لكثرة ما هناك من أصناف البضائع وازدحام الناس وشدة أصوات العتالين عند حمل البضائع وثقلها لمن يبتاعها". كما كانت السلع المخزنة في هذه الفنادق من الأنواع التي لا تخشى الفساد أو انخفاض الأسعار، مثل الخشب والصابون والحديد والرصاص والعسل.

وقد يضم الخان الكبير نحو 100 حجرة لتخزين بضائع بلاد الشام مثل الزيت والصابون والدبس والفستق والجوز واللوز، وفوقها 360 حجرة لسكن التجار، تتسع لنحو 4 آلاف شخص. ولم يكن المقريزي يفرق كثيراً بين الفنادق والوكالات والخانات، إذ كانت جميعها تتكون من حوانيت ومستودعات تحيط بفناء داخلي على شكل رواق مغطى يحفظ فيه التجار بضائعهم ويوفر لهم ولدوابهم مكاناً للإقامة.

شكّلت الفنادق والخانات مراكز حيوية للتجارة، حيث عُقدت الصفقات وتكدّست البضائع، لتؤدي دوراً يشبه البورصات في عصرنا الحديث. 

كانت هذه الخانات مرغوبة بسبب انخفاض إيجاراتها، فقد لا يزيد إيجار الحجرة عن خمسة دراهم. بل إن بعض هذه المخازن كان يتوارثها أصحابها لقلة إيجارها وكثرة فوائدها. ولهذا تنافس أمراء المماليك في بناء الفنادق والوكالات الفخمة التي تدر عليهم إيجارات مرتفعة. ففي دمشق كان التجار يجتمعون في فنادقهم الخاصة بعد أن يضعوا بضائعهم في خان يحمل اسم السلطان برقوق، بينما كانت في بيروت وطرابلس فنادق مخصصة للبنادقة والجنويين والقطالونيين.

بهذا الشكل حرص سلاطين المماليك وموظفوهم في الموانئ على حسن معاملة التجار الغربيين وإكرام وفادتهم، لما كانوا يجلبونه من أخشاب ومعادن ضرورية لبناء السفن، إضافة إلى القار والقطران وغيرها من المواد التي احتاجها المماليك في صراعاتهم العسكرية.

كما لعب التجار الأوروبيون دوراً مهماً في نقل الرقيق الأبيض الذي كان يشكل أساس الجيش المملوكي. ومع ذلك ظل الوجود الأوروبي في بلاد السلطان محصوراً في المدن الساحلية في الغالب، حيث كانوا ينتظرون وصول السلع الشرقية ويقيمون في الفنادق والخانات والوكالات المخصصة لهم.

ويشير هايد في كتاب "تاريخ تجارة الشرق" إلى أنه في كل عام ومع مواسم التجارة ترتفع إيجارات الفنادق والمخازن والحوانيت بسبب كثرة الوافدين إلى موانئ مصر وبلاد الشام من المدن الأوروبية، مما يدر أرباحاً كبيرة على أصحابها. ومع ذلك يبقى من الصعب الحصول على إحصاءات دقيقة تحدد أعداد التجار الأوروبيين أو عدد الفنادق التي أقاموا فيها.

المصادر

- جاستون فييت، القاهرة مدينة الفن والتجارة، القاهرة، 2008م.

- سعيد عاشور، تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب في العصور الوسطى، بيروت، 2003م.

- صبحي لبيب، الفندق ظاهرة سياسية، اقتصادية، قانونية، بحث منشور في كتاب مصر وعالم البحر المتوسط، القاهرة، 1986م.

- عفاف صبرة، العلاقات بين الشرق والغرب: علاقات البندقية بمصر والشام في الفترة من 1100 - 1400م، القاهرة، 1983م.

- نعيم زكي فهمي، طرق التجارة الدولية ومحطاتها بين الشرق والغرب "أواخر العصور الوسطى"، القاهرة، 1973م.

- المقريزي، السلوك لمعرفة دول الملوك، تحقيق محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، 1997م.

- المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، تحقيق محمد زينهم، القاهرة، 1997م.

 

اخترنا لك