قدر في هذا المشرق: من الحرب الأهلية إلى السلام المستحيل
يروى جنبلاط في مذكّراته الكثير عن سيرته الشخصية والسياسية منذ اكتشف وهو في التاسعة من عمره أنّ والده "شخصية ذات أهمية" فزاد إعجابه به، مروراً بإلبابسه عباءة الزعامة عام 1977 يوم اغتيال والده، الذي "منذ ذلك اليوم لم يعرف طعم الراحة.
-
قدر في هذا المشرق من الحرب الأهلية إلى السلام المستحيل نصف قرن ونيران المواجهات مشتعلة
تقدّم مذكّرات وليد جنبلاط "قدر في هذا المشرق... من الحرب الأهلية إلى السلام المستحيل"، شهادة تاريخية من قلب الأحداث التي عصفت بلبنان والشرق الأوسط طوال العقود الخمسة الماضية، حيت يتناول محاور متعدّدة تشمل الحرب الأهلية اللبنانية بكلّ تفاصيلها ومعاركها، كما ينتقل إلى كواليس بعض الاغتيالات والمؤامرات واللقاءات والمحادثات الكثيرة، التي دارت عبر اللاعبين أو بينهم وبين كبار قادة العالم والمنطقة، كذلك يتطرّق السياسي المخضرم إلى إعادة البناء الديمقراطي لسوريا والتحدّيات الأمنية التي واجهت لبنان خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة.
كتاب "قدر في هذا المشرق... من الحرب الأهلية إلى السلام المستحيل" لا يروي سيرة وليد جنبلاط فحسب بل يفتح صفحات من ذاكرة لبنان والمنطقة من خلال رجل وجد نفسه منذ عام 1977 في قلب العاصفة وفي أكثر المراحل اضطراباً في التاريخ العربي الحديث.
وُلد وليد جنبلاط عام 1949 ونشأ بين بيروت والمختارة في بيت ارتبط اسمه بتاريخ جبل لبنان والحياة السياسية، وكانت دارته أكثر من دار عائلية إذ شكّلت مركزاً سياسياً واجتماعياً ارتبط بإرث والده الشهيد كمال جنبلاط، أحد أبرز الشخصيات الفكرية والوطنية والعروبية في تاريخ لبنان الحديث.
كتاب "قدر في هذا المشرق... من الحرب الأهلية إلى السلام المستحيل"، المؤلف وليد جنبلاط، صادر بالفرنسية عن دار ستوك في باريس نقله إلى العربية أدونيس سالم، وصدر عن دار هاشيت أنطوان 2026 بيروت لبنان.
تجربة وليد جنبلاط
عام 1977 غيّر اغتيال كمال جنبلاط مسار حياة ابنه، غاب الأب وبقي الإرث ليجد وليد جنبلاط نفسه أمام مسؤولية سياسية لم يختر توقيتها، وفي بلد دخل حرباً تتداخل فيها الانقسامات الداخلية مع الصراعات الإقليمية والدولية.
من هنا لا تظهر الحرب الأهلية في المذكّرات كحدث تاريخي يستعيده المؤلف من بعيد بل كتجربة عاشها في تفاصيلها وعرف قادة الحرب وشارك فيها وشهد تبدّل التحالفات وموازين القوى، ومن خلال هذه التجربة يظهر لبنان ساحة لتقاطع مشاريع تجاوزت حدوده فيما دفع اللبنانيون أثمانها من أرواحهم وبيوتهم ومستقبلهم، ولا يمكن قراءة تجربة وليد جنبلاط بعيداً عن الجبل فمنذ عام 1977 باتت مسؤوليته تتجاوز قيادة حزب سياسي إلى التعامل مع هواجس منطقة وجماعة في زمن الانقسام، وكان عليه أن يوازن بين حماية الناس والحفاظ على موقعه الوطني، وبين مقتضيات الواقع والطموح إلى قيام دولة قادرة على احتواء جميع أبنائها. ويختصر جنبلاط هذه التجربيّة "طوال خمسين عاماً من حياتي السياسية التي بدأت عام 1977"، نصف قرن لم يعرف المؤلف سوى الصراعات (أشعر بأنني أعيش حرباً لا نهاية لها).
تكتسب تجربة وليد جنبلاط عبارة رجل أمضى حياته السياسية وسط الحروب والصراعات، والحرب بالنسبة إليه ليست مجرّد قرار سياسي أو مواجهة عسكرية بل تجربة يعرف نتائجها على المواطن والدولة، هذه العبارة تختصر جانباً من تجربة جيل لبناني كامل عاش الحرب الأهلية والاجتياحات والاحتلالات والاغتيالات، ثم شهد اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب العسكرية من دون أن تنتهي جميع أسباب الانقسام.
السلام المستحيل
من هنا يأتي الجزء الثاني من عنوان الكتاب: "السلام المستحيل"، فالسلام كما توحي التجربة اللبنانية لا يتحقّق بمجرّد توقّف المدافع بل يحتاج إلى دولة ومؤسسات وعدالة ومواطنة، وفي هذا السياق تبرز دعوة جنبلاط إلى الدولة المدنية وتجاوز النظام الطائفي باعتبار أنّ التنوّع اللبناني يجب ألّا يبقى مدخلاً دائماً للصراع على السلطة. يستعيد جنبلاط في كتابه محطات من تاريخ عائلته وسيرته الشخصية والسياسية مستعرضاً من موقعه في قلب الأحداث تحوّلات لبنان والمنطقة منذ اغتيال والده كمال جنبلاط عام 1977 وتولّيه قيادة الحزب التقدّمي الاشتراكي، وصولاً إلى التحوّلات السياسية الكبرى التي أعادت رسم المشهد اللبناني والإقليمي. ويروي وليد جنبلاط بشجاعة قصة الخيارات الصعبة التي كان عليه أن يتخذها طوال عقود خمسة وما رافقها من تحدّيات واغتيالات ومؤامرات من دون أن يتخلّى عن قناعاته الكبرى، كما يستعيد المعارك العسكرية والسياسية التي كان عليه أن يخوضها مرغماً أحياناً ليحافظ على الجبل، ومن ثمّ ليصون لبنان ونسيجه التعدّدي والثقافي. والأرجح أنّ جنبلاط في مذكّراته أبعد ما يكون عن تقديم جردة وأقرب ما يكون إلى كتابة المستقبل لا الماضي، مستقبل لبنان وآل جنبلاط ومستقبل الدروز في المشرق. مذكّرات وليد جنبلاط ربما هي رؤية سياسيّة جديدة أو مبادرة سياسية للتأثير على الأحداث المقبلة في محاولة للتأثير في المستقبل كما في التاريخ .
يروى جنبلاط في مذكّراته الكثير عن سيرته الشخصية والسياسية منذ اكتشف وهو في التاسعة من عمره أنّ والده "شخصية ذات أهمية" فزاد إعجابه به، مروراً بإلبابسه عباءة الزعامة عام 1977 يوم اغتيال والده، الذي "منذ ذلك اليوم لم يعرف طعم الراحة، وقد قرّر أنّ والده سيُدفن غداً عند الواحدة ظهراً"، وكان ذلك القرار السياسي الأول الذي اتخذه، وصولاً إلى توريثه نجله تيمور، حيث ( ألبست بدوري ابني البكر تيمور العباءة ذاتها لتسليمه السلطة)، ولكن من دون دماء مسفوكة. هذه المرة بالنسبة لنا كان ذلك انتصاراً - انتصار التهدئة التي اعتمدناها نهجاً بدل إراقة الدماء.
تداخل الصراعات والأقليات
تتداخل الصراعات في لبنان وخارجه، من "صراع الأقلّيات المتواصل عبر التاريخ فوق هذه الأراضي المتداخلة جغرافياً" إلى الصراع العربي - الإسرائيليّ مروراً بالصراع الدرزي الماروني... لكنه يقدّم في كلّ هذه الأحداث كما عاشها ورآها مسجّلاً موقفه منها من دون أن يفتح صراعاً جديداً أو يصبّ الزيت على نيران لا تخمد في هذا الشرق.
تجنّب وليد جنبلاط في مذكّراته ما لم يتجنّبه والده، وجلّ ما يفعله أنه يقدّم نصائح للمستقبل على هيئة قراءة لأحداث مضت سرعان ما يكتشف القارئ أنها لم تمضِ بل هي أكثر راهنية ممّا كانت يوم وقعت، من العلاقة بين "إسرائيل" ودروز فلسطين، التي تُطرح مجدّداً مع دروز سوريا، إلى العلاقة مع الموارنة الشركاء في الجبل والوطن وصولاً إلى العلاقة مع دمشق.
يشكّل كتاب وليد جنبلاط مساهمة سياسية توثيقية ذات قيمة استثنائية في فهم الديناميات السياسية والاجتماعية للشرق المعاصر، ولا سيما من منظور قيادة درزية أدّت دوراً محورياً في الحفاظ على التوازنات الإقليمية، ويقدّم جنبلاط رؤية استشرافية حول مستقبل لبنان والمنطقة، مؤكّداً ضرورة تجاوز الأنظمة الطائفية والقيود الموروثة، ومتطلّعاً نحو بناء مستقبل يقوم على الديمقراطية والعدالة والسيادة الوطنية.
تتداخل في سيرة وليد جنبلاط سيرة أبيه وأجداده من بشير جنبلاط "الواسع النفوذ الذي أعدمه العثمانيون في عكّا بتهمة التمرّد على السلطنة في عام 1825 خلال ما اشتهر في التاريخ بحرب البشيرين أو الصراع على السلطة بين زعامتين الجنبلاطية والشهابية"، مروراً بجدّه فؤاد جنبلاط وصولاً إلى أبيه كمال جنبلاط الذي "كان رجلاً لا يهادن وإنساناً شريفاً لا يمكنه الدخول في ألاعيب خصومه السياسييّن الماكرة".
ويبقى كمال جنبلاط حاضراً في خلفيّة كتاب وليد جنبلاط "قدر في هذا المشرق"، ليس بصفته الأب فقط بل كصاحب مشروع سياسي وفكري جمع بين الاشتراكية والعروبة والدفاع عن القضية الفلسطينية والدعوة إلى الإصلاح السياسي والاجتماعي، إلّا أنّ تجربة الابن جاءت مختلفة، فالظروف التي واجهها فرضت عليه ممارسة السياسة في زمن السلاح والتدخّلات الخارجية ومحاولة التوفيق بين الإرث الذي حمله والواقع الذي واجهه.