فلسطين 1847 بريشة الفنان بافل تشيركاسوف

تحتل رحلاته إلى فلسطين وسوريا ومصر مكانة خاصة في سيرته الفنية. كيف وصف الفنان الروسي بافل تشيركاسوف زيارته لفلسطين؟

لم ينل الفنان الروسي، بافل تشيركاسوف (1834 - 1900)، شهرة عالمية، على الرغم من أن أعماله التي تركها لا تقل قيمة عن أعمال معاصريه من ممثلي الاتجاه الأكاديمي أو من جماعة "المتجولين" الفنية. 

ولد بافل في عائلة تجار، في العاصمة القيصرية سان بطرسبورغ. تخرج في أكاديمية الفنون وحصل على لقب "أكاديمي" في فن التصوير الطبيعي. ارتبطت حياته كلها بخدمة الأكاديمية وشارك في تنظيم المعارض الفنية العامة في عموم روسيا. 

عمل مفتشاً في الأكاديمية وكان مشرفاً على الفصول الفنية، ورعى الفنانين الشباب الواعدين. وبتركيزه على الواجبات الإدارية في الأكاديمية، لم يرسم خلال العام الجامعي، بل كان يقضي وقت الصيف في السفر عبر روسيا والدول الأوروبية والشرقية، من دون أن يفارق صندوق لوحاته.

سافر بافل تشيركاسوف عبر روسيا وأوروبا، وزار الشرق. وتحتل رحلاته إلى فلسطين وسوريا ومصر مكانة خاصة في سيرته الفنية. 

في صيف عام 1874، انطلق الفنان في "رحلة شرقية" رفقة تلميذه في أكاديمية الفنون إيليا فيدوروفيتش تيومينيف (1855-1927). درس تيومينيف في الأكاديمية تحت إشراف تشيركاسوف خلال الأعوام 1880-1883، وربطتهما علاقة صداقة. سافرا معاً، وكان تشيركاسوف يزور لفترات طويلة في عقارات تيومينيف في "بريفوليه" (مقاطعة نوفغورود) و"مايدان كوريلوفسك" (مقاطعة بودولسك). 

يحتفظ الأرشيف بمراسلات المعلم والتلميذ، وهي عبارة عن 22 رسالة من تشيركاسوف إلى تيومينيف وبرقيّتين من تيومينيف إلى تشيركاسوف. بناء على الاسكتشات التي ضمّها دفتر الرحلة، رسم تشيركاسوف فلسطين عام 1889 كذلك. 

  • في قرية سولم
    في قرية سولم

ومن مراسلات الفنان، نعلم أنه كان يخطط لرحلة أخرى إلى الأراضي المقدسة في تسعينيات القرن الــ 19، بعد تقاعده من أكاديمية الفنون. وعلى ما يبدو، لم يحظَ بتلك الفرصة. 

بعد وفاته، حافظ تيومينيف على رسومات تشيركاسوف الفلسطينية، وترك كذلك وثيقة تحمل عنوان "سيرتي الذاتية"، وهي عمل ضخم انكبّ عليه في نهاية القرن الــ 19 وبداية القرن الــ 20، مستخدماً يومياته ورسائله وجميع المواد التي تراكمت على مرّ السنين في الأرشيف العائلي. 

وفي هذه السيرة الذاتية دوّن ذكريات الرحلة إلى فلسطين. بين 1947 و1948، نقل ابن إيليا، المؤرخ الروسي ألكسندر تيومينيف، مخطوطات والده ومحفوظاته إلى قسم المخطوطات في المكتبة الوطنية العامة في موسكو (المجموعة 796، القسمان 1-2)، وبعد نحو 75 سنة، في روسيا الحديثة، باتت بين أيدي الباحثين.

تشيركاسوف في فلسطين

  • طفل تونسي فقير في القدس
    طفل تونسي فقير في القدس

بناء على المواد الأرشيفية وجهود الباحثتين الأكاديميتين ماريا سميرنوفا ويلينا ميخائيلوفا، يمكننا تتبع مسار رحلة الفنان وتلميذه إلى فلسطين سنة 1847. ورث إيليا تومينيف عشق الترحال عن والده فيودر، وكان يستمتع بسفراته ولم يفوّت فرصة الذهاب إلى مكان جديد ومثير لاهتمامه، سواء في روسيا أم في أوروبا أم في أراضٍ أبعد. أما ميله نحو الأماكن المقدسة، فقد تأسس من خلال رحلات والده وكذلك الطابع العام للنمط العائلي. وكانت رحلة الحج إلى فلسطين هي ذروة هذه الرحلات.

في ربيع عام 1872، زار فلسطين والدا وشقيق تيومينيف فلسطين، ولا نعرف سبب عدم مرافقة إيليا لهم. لكن رسائل العائلة إلى إيليا، والعلاقات التي نسجها والده في فلسطين، كانت كافية لتمهيد الطريق لرحلة ميسرة له ولأستاذه الأكاديمي تشيركاسوف. جمعتهما الأقدار في لندن، يتذكر إيليا فيدوروفيتش: "تعرفت إلى عدد من معارفه من لندن (الذين صادف وجودهم في الحديقة)، وكان يخبرهم أنه ينوي خلال 3 أشهر صيفية أن يجوب الشرق، فلسطين، مصر مع قناة السويس، إيطاليا، سويسرا، ويزور فيينا، براغ، دريسدن، برلين ويعود إلى سان بطرسبورغ في بداية أيلول/سبتمبر. كان البرنامج جذاباً للغاية، بحيث لم أستطع إلا أن أقع في إغرائه. عند عودتي إلى المنزل، أخبرت والدي بكل شيء، وعلى الفور منحني موافقته الكاملة". أما تشيركاسوف، فقد وافق من دون تردد على قبول تيومينيف "كرفيق".

في الـ 28 من أيار/مايو 1874، انطلقا في رحلة لم تنتهِ إلا في نهاية آب/أغسطس. بعد الصعود إلى الباخرة في أوديسا وزيارة القسطنطينية، وأزمير، واللاذقية وعدد من المدن الأخرى، وصل تيومينيف وتشيركاسوف إلى يافا. وبعد زيارة القدس والأرض المقدسة عبر بور سعيد، السويس، القاهرة ومدن أخرى، عادا إلى القسطنطينية، مختتمين رحلتهما مرة أخرى في أوديسا. 

طوال الطريق، كان تيومينيف يدوّن يوميات مفصلة. لكن تلك اليوميات لم تصلنا للأسف، فما وصلنا عن الرحلة، كان ضمن "الحلقة الفلسطينية" بناءً على ما في الذاكرة وقد دوّنها بعد نحو 30 عاماً من الرحلة في كانون الثاني/يناير 1904، وكذلك الإشارات على رسومات بافل. تشيركاسوف.

  • بافل ألكسندروفيتش تشيركاسوف
    بافل ألكسندروفيتش تشيركاسوف

وصل تيومينيف وتشيركاسوف إلى يافا في الـ 19 من حزيران/يونيو، وبعد أسبوعين من الإقامة في الأرض المقدسة، عادا مرة أخرى إلى هذه المدينة، وغادرا في 3 تموز/يوليو متوجهين إلى بور سعيد. وفي أرشيف تيومينيف، بقيت جدولة تفصيلية لهذين الأسبوعين يوماً بيوم، ويمكن تتبع المخطط الدقيق لتحركاتهما "الاستكشافية" عبر فلسطين. 

يقول تومينيف: "بعد الظهر، اقتربنا من يافا، التي تعتبر ميناء القدس. هنا ودعنا "الإسكندر الثاني" (اسم الباخرة) ووصلنا إلى الشاطئ. أخبرونا أنه أثناء أي اضطراب بحري ولو صغير، يكون النزول إلى القوارب مزعجاً للغاية. وأن القارب يُقذف من مكان لآخر طوال الوقت، ويضطرون أحياناً إلى حمل الحجاج والحاجات وإلقائهم ببساطة من السلم السفلي للباخرة إلى القارب. ولكن معنا سار كل شيء بخير. بعدما أقمنا في نزل، تركنا أمتعتنا هناك وذهبنا لاستكشاف المدينة التي تتكون من شارع واحد على الواجهة البحرية. ثم استأجرنا أحد المستوطنين الألمان في ضواحي المدينة، والذي تعهد بنقلنا في عربته الثنائية الأحصنة إلى القدس التي تبعد 60 فرستا من يافا (فرستا: وحدة قياس طول قيصرية تساوي نحو 1.06 كلم.(، ونظراً لحرارة النهار، كان يجب أن نسافر ليلاً". 

الطريق إلى القدس

  • أريحا وغور الأردن للرسام تشيركاسوف
    أريحا وغور الأردن للرسام تشيركاسوف

قبل غروب الشمس، حضر الألماني بعربته، التي يجرها زوج من الخيول اللطيفة جداً. كانت العربة القوية النظيفة، المقسمة بعدة مقاعد متوازية، مريحة جداً. وضعنا حقائبنا فيها وانطلقنا. كانت الشمس قد اقتربت بالفعل من الأفق. على الطريق، لحقنا بعربتين أو 3 أخرى مع ركاب الباخرة، كانوا أيضاً متجهين إلى القدس. وكان من بينهم رجل مع زوجته الشابة الحامل. تعرفنا إليه على متن الباخرة. اسمه زيمليانسكي، يقول إنه طبيب أسنان ويسافر إلى الإسكندرية لأمر مهم جدًا بالنسبة إليه. يجب أن يكون الأمر مهماً، لأنه سحب زوجته الحامل بطفلها الأول معه. بشكل عام، إنه لا يقول كل شيء ويبدو شخصية غامضة إلى حد ما. أما هي، ففتاة بسيطة وجذابة جداً، نصف فتاة ونصف مراهقة من عائلة تجارية.

مررنا بقرية الرملة وقد حلّ الظلام تماماً. لم يكن هناك قمر، لكن الطريق كانت جيدة جداً، مرصوفة بالحجارة، وكنا نتحرك بنجاح إلى الأمام. بعد قطع نحو نصف الطريق، توقفنا في قرية ما لإطعام الخيول. انعطف الألمان نحو فندق يقع إلى يمين الطريق. كان مكوناً من طابقين. من الشارع إلى الطابق العلوي المضاء بشكل ساطع، يؤدي درج حجري مدمج في الجدار من كلا الجانبين. صعدنا إلى الشرفة العلوية. كان باب القاعة والنوافذ مع ستائر جميلة مفتوحة على مصاريعها. في القاعة، تدلّى من السقف مصباحان، كان نورهما يبدو من الشارع وسط الظلام المحيط ساطعًا جدًا. في القاعة، عند الجدار المقابل للمدخل، وُضعت خزانة. وُضعت طاولات حولها. كان يجلس زوار عند 3 أو 4 منها ويشربون القهوة. نحن أيضاً طلبنا قهوة وجلسنا إلى طاولة. هذا الفندق لا يزال يبدو لي حيًا جدًا حتى اليوم. بعد ساعة ونصف تقريبًا، انطلقنا مرة أخرى.

  • أطلال بعلبك من أعمال تشيركاسوف
    أطلال بعلبك من أعمال تشيركاسوف

على الطريق، كان هناك منحدر شديد إلى حد ما، وسرنا نصف فرست تقريباً سيراً على الأقدام، لنتحرك قليلاً. كان معنا عدة عرب محليين، وهم الذين لم يفوّت تشيركاسوف فرصة الدخول في محادثة معهم. بالطبع، بالإيماءات وأصوات غير مفهومة متنوعة. بدوا له مريبين، فأخرج مسدسه الصغير الذي جهزناه في أوديسا ليريهم إياه، وأطلق رصاصة في الهواء للتحذير. ولكن في حركاتهم وتعبيرات وجوههم، كان الفضول هو الظاهر أكثر من الرغبة في السرقة. لم ينتج الطلق الناري أي تأثير مخيف عليهم. أخيراً، سحب زوج الخيول الرمادي العربة إلى أعلى الجبل، وواصلنا التحرك مرة أخرى.

  • اللاذقية من البحر لبافل تشيركاسوف
    اللاذقية من البحر لبافل تشيركاسوف

بزغ الفجر. بقي حوالى 10 فرستات حتى القدس. وتوقفنا عند مبنى مدمر، لم يبقَ منه سوى جدران منخفضة. إذا كان الليل بارداً نوعاً ما، فإننا الآن عند الفجر تجمدنا من البرد لدرجة أننا كنا نرتجف. بعد اختيار مكان في الزاوية التي شكلتها الجدران، أشعلنا ناراً صغيرة وأردنا أن نغلي الماء للشاي. الآن، لم أعد أذكر إذا شربنا الشاي أم لا لكنني أتذكر النار بوضوح. في الشرق، يكون الشفق والفجر قصيرين جداً. وما إن التفتنا حتى طلعت الشمس، وأطل أول أشعتها علينا من فوق الجدار، أحرق وجوهنا الباردة. بعد نصف ساعة، صار الجو حاراً. انطلقنا في الطريق وبعد ساعة وصلنا إلى القدس. لم ندخل المدينة، بل انعطفنا يساراً إلى فناء مباني البعثة الروسية، الواقعة بالقرب من باب الخليل.

في المدينة المقدسة

  • زاوية صوفية في الطريق بين يافا والرملة
    زاوية صوفية في الطريق بين يافا والرملة

أقام تيومينيف وتشيركاسوف في القدس بين الـ 20 من حزيران/يونيو والـ3 من تموز/يوليو. يقول تيومينيف: "استضافونا في غرفة فسيحة فيها سريران ونافذة واحدة. بجوارنا أقام زيمليانسكي، وسرعان ما سمعنا من خلف الجدار أنيناً وصرخات مكتومة. شعرنا بالأسف، زوجته المسكينة التي ولدت، والتي جُلبت بعيداً عن موطنها وعن ذويها إلى حافة العالم". 

جال الأستاذ وتلميذه في أزقة القدس المتعرجة الضيقة، وزارا كنيسة القيامة، والقبر المقدس وطريق الآلام، والجلجلة... وصولاً إلى جبل الزيتون. تفحّصا الحرم الشريف (المسجد الأقصى) ثم انطلقا في رحلات خارج القدس إلى وادي قدرون، وبيت لحم، ثم انطلقا في رحلة إلى غور الأردن. 

  • راعي الحمير عند ضفة نهر الأردن
    راعي الحمير عند ضفة نهر الأردن

يضيف: "نظراً للحرارة الشديدة، اشترينا زيين محليين من القماش الأبيض... كنا نشبه البدو إلى حد ما. وصلنا إلى أريحا التي تتكون من عدة أكواخ عربية، وقد حل الظلام بالفعل، وأقمنا هنا في العراء. كان حارس الحجاج الشيخ إبراهيم نحيلاً، بشاربين أسودين منسدلين وتعبير وجهه يوحي بأنه غارق في التفكير. رتّب أمور الحجاج، وكان يحضر لهم الماء المغلي من السكان المحليين، ويشعل النيران ليلاً ويساعدهم في شتى أمورهم.

  • فتاة من قرية سولم
    فتاة من قرية سولم

في اليوم التالي، انطلقنا عند الفجر نحو نهر الأردن. مرّ الطريق عبر سهول ملحية منخفضة مستوية. إلى اليمين، كانت زرقة البحر الميت تتلامع في البعيد. ركبنا لمدة طويلة نسبياً. ظهر في المقدمة خط ضيق من الخضرة. كانت هذه شجيرات وأشجار على ضفاف الأردن. سرعان ما وصلنا إلى النهر المقدس. رتلنا مع الحجاج صلوات وغطسنا في النهر عند ضفته مباشرة. يجري النهر بسرعة إلى حد ما. انطلق الحجاج من الأردن عائدين إلى أريحا، أما نحن، أنا وتشيركاسوف، مع ب.أ. ففكرنا في مشاهدة البحر الميت ثم اللحاق بالقافلة. أعطانا إبراهيم مرشداً، وانطلقنا بسرعة عبر السبخة. كان تشيركاسوف الذي تأخر، يلحق بنا بأقصى سرعة. عند اقترابه منا، توقف حصانه العربي فجأة. رأينا كيف حلقت عباءته البيضاء في الهواء وبعد ثانية سقط وارتطم بالأرض عند أقدام حصانه. من الواضح أن مثل هذه التوقفات السريعة لم تكن مألوفة بالنسبة إليه. لحسن الحظ، سقط على الرمل، وانتهى الأمر بالضحك.

  • شاطئ يافا مساء
    شاطئ يافا مساء

عند وصولنا إلى البحر الميت، أردنا السباحة، لأن الحرارة كانت شديدة وكانت الحجارة على الشاطئ حامية لدرجة أننا لم نستطع لمسها باليد. كان لون الماء أزرق جميلاً بشكل مذهل، واتضح عند تذوقه أثناء السباحة أنه لاذع، مرّ ومالح جداً، لدرجة أننا كنا نبصق لمدة طويلة بعد ذلك. رسم تشيركاسوف بسرعة الماء، والحجارة، والجبال حولنا. لوحة قاحلة وكئيبة... انطلقنا في طريق العودة. كان المرشد يشير إلينا بإيماءات إلى شيء ما، لكننا لم نفهم. قطعنا هكذا نحو 40 دقيقة. كنا منهكين ببساطة من العطش. كان المرشد يركب في المقدمة وفجأة، لوّح لنا بيده وانعطف نحو كومة ما من الحجارة. عند الاقتراب، رأينا أن مسكناً... وتحت الأرض، لسعادتنا التي لا توصف، وجدنا نبع ماء، وتمكنّا من شربها بقدر ما أردنا. واصلنا السير، متأخرين كثيراً عن الوقت المتفق عليه مع إبراهيم. على بعد فرستا ونصف تقريباً من أريحا، ظهر على تل فارسان، وانطلق مرشدنا نحوهما كالسهم. انزعج تشيركاسوف وسحب مسدسه على عجل ظاناً أنه كمين. لكنني ضحكت. اقترب الفارسان مع المرشد منا وركبا بسلام إلى جانبنا. اتضح أن إبراهيم، القلق من غيابنا الطويل، أرسلهما للاستطلاع. في أريحا، اضطررنا لسماع توبيخ شديد من الشيخ الطيب، حيث أصبح وجهه أثناء اللوم أكثر حزناً، وكنت أشعر بالخجل الشديد من القلق الذي سبّبناه له".

اخترنا لك