فرنسا تطوّر أداة ذكاء اصطناعي للتنبؤ بتأثير تغيّر المناخ على المواقع التراثية

الهدف هو إنشاء نموذج واقع معزّز يسمح للباحثين والمسؤولين بتصوّر كيف يمكن أن تتغيّر حالة موقع تراثي معيّن خلال العقود المقبلة نتيجة العوامل المناخية.

تعمل مؤسسات فرنسية عامة وخاصة متخصصة في حفظ التراث، على تطوير أداة تعتمد على الذكاء الاصطناعي قادرة على توقّع تأثير تغيّر المناخ على المواقع والمعالم التراثية، في خطوة قد تشكّل تحوّلاً مهماً في عمل المرمّمين وعلماء الآثار وخبراء إدارة التراث الثقافي.

وتقوم الأداة الجديدة، التي لا تزال قيد التطوير، على تحليل أنواع متعدّدة من البيانات، من بينها الصور الفوتوغرافية، التسجيلات الصوتية، بيانات الطقس، وخصائص المواد المستخدمة في الأبنية التاريخية. والهدف هو إنشاء نموذج واقع معزّز يسمح للباحثين والمسؤولين بتصوّر كيف يمكن أن تتغيّر حالة موقع تراثي معيّن خلال العقود المقبلة نتيجة العوامل المناخية.

وقالت آن بورجيس، العالمة البارزة في مجال الحفظ في مركز الأبحاث والترميم التابع لوزارة الثقافة الفرنسية، إنّ فكرة المشروع جاءت بعد نقاشات داخل المفوضية الأوروبية قبل نحو 4 سنوات، حيث برزت الحاجة إلى قياس التأثير الفعلي لتغيّر المناخ على التراث الثقافي بطريقة أكثر دقة.

وأوضحت بورجيس أنّ التحدّي الأساسي يكمن في معرفة مدى مساهمة المناخ في تدهور موقع تراثي أو قطعة أثرية، وكيف يمكن أن يتطوّر هذا التدهور خلال 50 أو 100 سنة مقبلة. فبينما يُعدّ تغيّر المناخ ظاهرة عالمية، فإنّ كلّ موقع تراثي يمتلك مناخاً محلياً خاصاً به، وقد يتأثّر بعوامل دقيقة تختلف من مكان إلى آخر.

وبدأ المشروع عام 2022 من خلال إطلاق بحثين على مستوى الدكتوراه، بمشاركة باحثين في مجالات الحفظ، وعلوم الأرض، والهندسة، والذكاء الاصطناعي، وعلوم الحاسوب. ويعمل الباحثان أديل كورمييه ودافيد روكي، وهما في السنة الأخيرة من دراستهما للدكتوراه، على جمع البيانات وتدريب النموذج الذكي.

ويركّز المشروع حالياً على دراسة 3 مواقع تراثية في فرنسا، اختيرت بسبب تنوّع موادّها، وقيمتها التراثية، واختلاف الظروف المناخية المحيطة بها.

ومن بين هذه المواقع القاعدة الحجرية الرملية المثمّنة لبرج كاتدرائية ستراسبورغ، التي تعود إلى القرن الــ 13، وتتعرّض لشتاء قاسٍ وصيف شديد الحرارة.

كما تشمل الدراسة موقع بيبراكت الأثري قرب أوتون في منطقة بورغونيا، وهو مستوطنة غالية قديمة بدأت أعمال التنقيب فيها منذ أواخر القرن الــ 19. ومن المقرّر أن يضاف لاحقاً موقع ساحلي ثالث إلى المشروع.

وتعمل أديل كورمييه منذ عامين على جمع بيانات دقيقة حول الظروف المناخية وتدهور المواد في المواقع المدروسة، بينما يركّز دافيد روكي على تدريب نموذج الذكاء الاصطناعي باستخدام ما يعرف بالتعلّم متعدّد الوسائط. ويتيح هذا النوع من التعلّم للنموذج تحليل الصور، والأصوات، والقياسات، والبيانات المناخية معاً، بدل الاعتماد فقط على الأرقام.

فعلى سبيل المثال، يمكن تدريب الذكاء الاصطناعي على التعرّف إلى الشقوق في الجدران أو الأحجار، ثم مقارنة الصور الملتقطة في فترات مختلفة لتحديد ما إذا كان الشقّ قد اتسع، أو ما إذا كانت المادة قد تعرّضت لمزيد من التلف.

لكنّ المشروع يواجه تحدّيات علمية وتقنية معقّدة. فمن جهة، يحتاج الباحثون إلى ربط الظواهر المناخية الكبرى بتأثيرات دقيقة جداً على مستوى جدار أو حجر أو طبقة طلاء. ومن جهة أخرى، يجب توحيد أنواع مختلفة من البيانات التي يتمّ جمعها بطرق متعدّدة، مثل درجات الحرارة، الرطوبة، ثاني أكسيد الكربون، سرعة الرياح، الأمطار، وصور الأقمار الاصطناعية.

وترى بورجيس أنّ أهمية المشروع لا تقتصر على الجانب التقني أو العلمي، بل تمتد إلى البعد التوعوي والسياسي. فإظهار صورة مستقبلية لما قد يحدث لجدار أو مبنى تاريخي خلال 100 عام، مثل فقدان نصف طبقة الطلاء أو تدهور الواجهة، يمكن أن يساعد الجمهور وصنّاع القرار على فهم حجم الخطر الذي يشكّله تغيّر المناخ على التراث الثقافي.

وأكدت أنّ الأداة الجديدة يمكن أن تصبح وسيلة مهمة لمساعدة المرمّمين وعلماء الآثار ومديري المواقع على اتخاذ قرارات أفضل، لأنّ معرفة ما قد يحدث مستقبلاً هي الخطوة الأولى لتحديد ما يجب فعله اليوم لحماية هذه المواقع.

وتأتي هذه المبادرة في وقت وضعت فيه الحكومة الفرنسية خطة وطنية لمراقبة تأثير تغيّر المناخ على كنوز البلاد التراثية. ومع ذلك، فإنّ المشروع الحالي يذهب إلى مستوى أكثر دقة من خلال جمع بيانات تفصيلية من داخل المواقع نفسها، وهي خطوة قد تجعل الذكاء الاصطناعي أداة أساسية في مستقبل حماية التراث الثقافي. 

اخترنا لك