غزة تروي إبادتها: قصص وشهادات تحفظ ذاكرة الأجيال وتوثق الإبادة

نشرت مؤسسة الدراسات الفلسطينية الجزء الأول من كتاب "غزة تروي إبادتها" وتسعى عبر الجزء الثاني لإكمال ما بدأته؛ فالمعاناة لا تزال مستمرة، وهو ما يستدعي الاستمرار في رصد السرديات كما يرويها أصحابها مباشرةً من داخل قطاع غزة.

  • غزة تروي إبادتها:  قصص وشهادات في الجزء الثاني تحفظ ذاكرة الأجيال وتوثق الإبادة
    غزة تروي إبادتها: قصص وشهادات في الجزء الثاني تحفظ ذاكرة الأجيال وتوثق الإبادة

يتابع كتاب "غزة تروي إبادتها: قصص وشهادات" في جزئه الثاني ما بدأته مؤسسة الدراسات الفلسطينية في الجزء الأول من توثيق قصصٍ وُلدت من تحت الأنقاض، وشهادات حيّة عن واقع الإبادة كما يعيشه أبناؤها بين الخوف والأمل، وبين الموت والحياة؛ ليكون هذا العمل جماعي الذاكرة، فلسطيني الصوت، وإنساني الوجع والأمل معاً.

يشكل هذا الكتاب جزءاً من مشروع توثيقي وإنساني أطلقته مؤسسة الدراسات الفلسطينية منذ الأيام الأولى لحرب الإبادة على قطاع غزة في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، في إطار دورها التاريخي في توثيق الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي وتحليله وحفظ الذاكرة الفلسطينية من النسيان والمحو. وقد سعى هذا المشروع إلى توثيق جوانب متعددة من حرب الإبادة وتداعياتها على قطاع غزة بصورة خاصة، وعلى الشعب الفلسطيني بصورة عامة.

كتاب "غزة تروي إبادتها: قصص وشهادات" (الجزء الثاني) صادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية، تحرير أكرم مسلم وعبد الرحمن أبو شمالة، الطبعة الأولى، بيروت 2026.

رصد السرديات كما تُروى

وانطلاقاً من رسالتها المعهودة، نشرت المؤسسة الجزء الأول من كتاب "غزة تروي إبادتها"، الذي شمل قصصاً وشهادات كُتبت خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحرب، ووثقت أصوات ضحاياها وسردياتهم. وتسعى المؤسسة عبر الجزء الثاني لإكمال ما بدأته؛ فالمعاناة لا تزال مستمرة، وهو ما يستدعي الاستمرار في رصد السرديات كما يرويها أصحابها مباشرةً من داخل قطاع غزة.

لذا، يتابع هذا الجزء توثيق قصصٍ ولدت من تحت الأنقاض وشهادات حيّة عن واقع الإبادة الفلسطينية لحظةً بلحظة، في محاولة لتروي غزة ألمها بنفسها وأن تكتب تاريخها بلسانها؛ لا كما يروي عنها الآخرون، بل كما يعيشها أبناؤها بين الخوف والأمل، وبين الموت والحياة.

وبعد الإبادة التي لم تتوقف عملياً، هناك إبادات ستستمر عشرات السنوات وسيعاني جرّاءها البشر في غزة أطفالاً وكباراً؛ فهناك الأمراض التي تركها النزوح والتشرد والجوع، وفجيعة مئات الآلاف ممن استُشهد آباؤهم وأمهاتهم وأحباؤهم وأبناؤهم وأجِنّتهم ومواليدهم الجدد في الحاضنات، وهناك التدمير البيئي الواسع وما تركه من مخلّفات قاتلة للأرض ومصادر المياه والصحة، وعشرات ملايين الأطنان من الأنقاض والمجاعة، والآثار النفسية المدمّرة وما ستتركه من تغيرات وتحولات وراثية تمتد لأجيال كما أظهرت الأبحاث بشأن عواقب المجاعات والصدمات النفسية.

من هنا، فإن هذه الشهادات التي يضمها الكتاب - والكتاب الذي سبقه - وما عاناه أصحابها في عامَي الإبادة، بقدر ما تفتح أبواب الذاكرة على إبادات سابقة، فلولاها لما كانت هذه الإبادة. لذا، لا تُقرأ هذه الشهادات بمعزل عن شهادات تم توثيقها سابقاً، أو لم تُوثّق بسبب موت أصحابها؛ أولئك الذين كانوا يحلمون بالعودة إلى فلسطينهم التي هُجّروا منها وهم يتحسسون مفاتيح بيوتهم، لأن العودة المأمولة كانت ستتم كما حلموا قبل أن ينتهي الواحد منهم من سرد شهادته لنفسه أو لمن يوثّقها.

توثيق المأساة المستمرة

يؤكد المؤلفون أن كتاب "غزة تروي إبادتها" ليس ترفاً، إنما هو فعل بقاء؛ أن توثّق وأنت مهدد بالفقد يعني إصرارك على الحياة، وأن تخلّد الوجوه كي لا يبتلعها الغياب. نكتب لنؤكد أننا هنا، وأن ما حدث لم يكن صمتاً بل حياة تقاوم بطريقةٍ أخرى.

لم تعد الكتابة شغفاً فحسب، بل أصبحت وسيلة للنجاة من الجنون، وطريقة لأقول للعالم إننا لم نُخلق لكي نتلاشى، وأن أصواتنا مهما خُنقت ستظل تخرج من بين الركام لتنطق بالحقيقة. الكتابة هنا ربما وسيلة للبقاء؛ فقد كانت الكتابة اليومية في هذا الزمن الصعب تمنح شعوراً بالمسؤولية والالتزام، لكنها كانت أيضاً اختباراً للصبر والقوة ومواجهة لحظات من الشعور بالضعف والبكاء والرغبة في الهروب من كل هذا الألم.

لكنني كنت أعود دائماً إلى القلم (كما يروي أحد المساهمين) لكي أوثق وأؤكد لنفسي أن ما نفعله ذو قيمة، وأن شهادات الناس هذه لن تذهب هباءً. كنت أكتب عن ضحايا الحرب وأنا نفسي أعيش في قلبها، وأسمع صوت الانفجارات وأنا أقوم بالتوثيق، وأرى الخراب وأتنفس الغبار وأحاول أن أكون حاضراً وفعالاً. أحياناً كنت أرى الأطفال يلعبون بين الركام ويضحكون على الرغم من الألم، وأفكر كم هو جميل أن تبقى الإنسانية حيّة في وسط هذا الخراب.

شهادة أشرف أبو شرخ نموذجاً

نوثق شهادة المعلّم أشرف أبو شرخ باللغة العامية؛ إذ عاش الشاب أشرف (30 عاماً) حياة هادئة وبسيطة مُدرّساً في غزة، حياة يملؤها صخب الأطفال وأصواتهم وهم يفكّون الحروف الأولى ويركّبون الجُمل؛ عمل لا يخلو من إرهاق لكنه قريب من القلب، تجمله تفاصيل عائلية حميمة، وابن وحيد عمره ثلاث سنوات يمنح التعب معنى.

يبدأ أشرف الحديث عن طبيعة حياته التي عصفت بها الحرب قائلاً: "كنت أرجع من المدرسة مرهق بس مبسوط، أجلس مع ابني الوحيد نلعب ونضحك ونتفرج على التلفزيون، آخذه على البقالة يشتري حلويات وأرى فيه الأمل اللي يجعلني أتحمل كل التعب".

وفجأة اندلعت حرب ليست كأي حرب؛ صوت الانفجارات أصمت أناشيد الأطفال الصباحية، وحوّل مدارسهم إلى مراكز إيواء. وكما يقولون "كان العنوان على الحائط" من اللحظات الأولى، فما كان لن يشبه ما سيكون. أطاحت البدايات ببيت العائلة ودفنت تحته أجمل الذكريات، واستوطن الخوف في شقة العمر المهددة، فكان النزوح وكان الشقاء.

بعد أيام من القصف المتواصل صارت الحياة مستحيلة، وانقلب الصراع على شروط البقاء ليصبح صراعاً على البقاء نفسه، عنوانه الخبز فعلاً لا مجازاً. وسيجد المدرس نفسه يركض وراء رغيف خبز يسد به جوع ابنه وينام هو جائع، يبحث في الأسواق الخاوية عن أي شيء، حتى ما تلقي به الطائرات وصارت تتلقفه مافيا ظهرت فجأة وقد حوّلت الحرب إلى فرصة!

يستذكر أشرف أبو شرخ تلك التجربة قائلاً: "الأيام في النزوح كانت كلها شبه بعض، مليانة تعب وحرمان. أول مشكلة واجهتنا كانت الأكل؛ المساعدات قليلة وإذا وصلت الناس كلها تتهافت عليها، ساعات ترجع بعلبة حمص صغيرة أو ربطة خبز ما يكفي يوم. كنت أقطع حصتي وأعطيها لابني، وأحاول أخلي نفسي أقتنع إني مش جوعان. البضائع بالسوق صارت تقل والمعابر مسكرة، بالأخير اختفت وعشنا المجاعة بالشمال. صرنا نشتري علف الحيوانات من ذرة وشعير ونطحنه كي نصنع الخبز، كانت رائحته كريهة ولكن مضطرين ناكله".

ويضيف أبو شرخ في سرديته: "صرت أطلع كل يوم ألِف بالأسواق، فقط كان يوجد بعض الورقيات (الخبيزة والملوخية) وأعلاف الحيوانات والمعلبات القديمة، ما كنا نفكر بيوم نشتريها وكلها أسعارها فلكية. فيما المجاعة بدأت تخف على الشمال عندما أصبح هناك إسقاط جوي للمساعدات، وقد حاولت مرتين الحصول على شيء دون جدوى؛ لأن الخطر من السرقة والضرب أخطر. لكن الإسقاط الجوي خفف شيئاً من المجاعة، صرنا نرى المساعدات بالسوق تنباع، صار عنا مافيا بتلم هي المساعدات الجوية وتبيعها، كان سعرها مرتفع ومع الوقت صارت أرخص، والناس اللي ما تقدر تروح تجيب منها تروح تشتري بفلوسها زي ما أنا عملت. أما المياه فكانت معركة ثانية؛ كنا نصحى الفجر لنقف في الدور الطويل عند الخزان وننتظر ساعتين أو ثلاثة لنعبّي جالون صغير، عدة مرات اضطرينا لشرب مي مالحة أو غير نظيفة بس كنا مجبورين".

وأخيراً، يقرأ المرء في كتاب "غزة تروي إبادتها" والقصص الأخرى القادمة من غزة أنها لم تستسلم لوحشية الإبادة ولم ترفع راية بيضاء، على الرغم من عامين داميين مزّقت خلالهما الحرب ومئات الآلاف من أطنان القنابل كل شيء. لكن غزة ليست مستعدة لأن تتنازل عن حكاياتها، ولن تسمح بأن تكون هذه الحكايات مُلكاً لأعدائها وسرديتهم مطلقاً وأبداً.

اخترنا لك