عن معرض الكتاب في مورج
ما قيمة الكتابة اليوم في عصر بات فيه الذكاء الاصطناعي قادراً على تنفيذ جميع مهام المؤلف؟ وهل ستعرف دور النشر النص المكتوب بالذكاء الاصطناعي من عدمه؟
عندما وصلت إلى سويسرا منتصف كانون الأول/ديسمبر 2025، أخبرتني صديقتي البولندية أنّ معرضاً للكتاب يقام كلّ عام على ساحل البحيرة، من دون إعطاء تفاصيل تذكر، وكنت متلهفاً لأيّ معلومة تتعلق بالثقافة والفن في هذه البلاد، لكي أقوم بنشر أعمالي وإيصال صوت المقهورين في غزة من خلال تلك الفعّاليات.
قبل عدة أيام وجدت بالصدفة بوروشوراً "كتيباً" حول فعّاليات معرض الكتاب المزمع عقده خلال هذا الأسبوع، وكان باللغة الفرنسية التي لا أفهم منها شيئاً، فقرّرت الذهاب إلى البحيرة والمشاركة بفعّاليات ذلك المهرجان المتواضع في هذه المدينة الصغيرة، القريبة من مدينة لوزان، ضمن كونتون فو.
اليوم كان هو الأول ضمن أنشطة ذلك الحدث المهم بالنسبة لي/لهم، فذهبت لاستكشاف هذا العالم الخلّاب، وأول ما طالعني هو الخيام الكبيرة التي تتوسّط الشارع، وعدد الحضور الكبير مقارنة بعدد سكان المدينة، فدخلت الخيمة وفي قلبي رهبة لخيام كثيرة مهترئة تركتها في غزة خلفي تئن من الحر والبرد والخوف من الشظايا والقوارض والعبث اللانهائي.
وجدت عدداً كبيراً من الكتّاب، يجلس كل واحد منهم إلى جوار كتبه المرتبة على طاولة طويلة ممتدة، يتحدّث مع قارئ شغوف بالحروف، وطالعني السؤال الأول: ما هي الحكمة من معرض الكتاب هنا أو حتى في بلادنا العربية؟ هل هي مجرّد معارض لقتل الرتابة وظلم الأنظمة؟ هل هي فعّاليات لإحداث حالة ثقافية حقيقية أم صورية؟ هل هي لبيع الكتب الموجودة في المكتبات العامة وأكشاك بيع الكتب؟ أم التواصل مع الكاتب واقتران المؤلف بقارئه؟ وهنا في "مورج" فهمت للمرة الأولى معنى أن تقيم معرضاً للكتاب.
إذا لم يكن الأمر لبيع الكتب فقط، بل للحديث مع المؤلف، سؤاله عن الأحداث أو المواقف، الشخصيات الرئيسية وغيرها، إبداء الرأي الذي قد يهم المؤلف المتمرس من أجل أي طبعة جديدة.
وهذا للأسف دفعني بكلّ حزن للخوض في إشكالية حصار المؤلف الفلسطيني ومنعه من المشاركة في معارض الكتب، وفي أحسن الأحوال عقد محاضرة عبر الفيديو كونفرنس، عدا عن الأديب والكاتب العربي الذي يعيش حالة حصار أو عدم قدرة مادية على السفر والمشاركة في معارض الكتب، حيث تقوم وزارات الثقافة والمؤسسات الرسمية تقديم وعاظ السلاطين وكتبة الأنظمة والعسس على أولئك الذي لا يسبحون مع التيار، في حالة عبث أوصلت بالثقافة العربية إلى هذا الحال المتردي، والخوض في جدليات لا نفع منها، وتهميش كل ما يمكن أن يسلط الضوء على عدو الأمة الحقيقي، المتمثل بالاستعمار ودولة الاحتلال الوظيفية والأنظمة الشمولية المتواطئة.
وخلال السير إلى جوار بحيرة جنيف الممتدة نحو هذه المدن، وبينما كنت ألمح فتاة شقراء تتحدث مع مؤلف طاعن بالسن، تذكرت فيلم "The Fault of Our Stars"، المأخوذ عن رواية جون غرين، حيث يسافر بطلا الفيلم، هيزل وأوغستس المصابان بالسرطان إلى هولندا، لملاقاة الكاتب بيتر فان هوتن، حيث كانت هيزل متعلقة بجنون في روايته، ولقاء ذلك الكاتب الذي يصدمهما صلفه وأسلوبه غير المهذب نتيجة أحداث مرت في حياته. ليأتي سؤال جديد: ماذا يحدث عندما يخرج الكتاب أو العمل الأدبي من يد المؤلف ويدخل حياة القارئ؟ وهل أعمال الأدباء العرب اليوم يمكنها إحداث هذا التأثير الذي وجدته في الفيلم؟ رغم أنني موقن من براعة اللغة والأسلوب لدى كثير من الأدباء.
ولأنني شخص مرهق بالأسئلة والتفكير اللحظي واليومي والعمري، سألت نفسي سؤالاً صعباً: ما قيمة الكتابة اليوم في عصر بات فيه الذكاء الاصطناعي قادراً على تنفيذ جميع مهام المؤلف؟ وهل ستعرف دور النشر النص المكتوب بالذكاء الاصطناعي من عدمه؟ هل ستقبل به من أجل المال؟ وهنا لا يتوقف الحديث عن تحوّل كثير من دور النشر إلى شركات ربحية، تجني المال من الكاتب، في ظلّ البطالة التي لا تنتهي، وماذا لو تمّت المقارنة بين عملين: أحدهما تمّت كتابته بالذكاء الاصطناعي وكان عميقاً أو مترابطاً ومتماسكاً من ناحية الحبكة والسرد والشخوص، أمام عمل كتبه بشري يفتقر إلى اللغة أو العمق أو الحبكة؟ لأذهب إلى سؤال أكثر إلحاحاً: هل يحقّ لنا استثمار الذكاء الاصطناعي من أجل تطوير العمل أو الحبكة؟ هل يحقّ لنا التواصل مع الذكاء الاصطناعي من أجل الاستفادة من المعلومات حول بعض الأحدث وآراء الكتّاب؟ كما أفعل عندما أبحث عن أسماء الكتب أو الأفلام التي أنسى أسماءها مع ضغوط الحياة المتراكمة؟ وهل يحقّ لي مناظرة الأداة لأجل فهم الفكرة من مناظير مختلفة، كي أصل إلى مقال أو نص رصين؟
كانت قد أثيرت ضجة بداية هذا العام حول الروائية البولندية، أولغا توكارتشوك، الحاصلة على جائزة نوبل للأدب، حين قالت إنها تعكف على كتابة عمل أدبي مستعينة بالذكاء الاصطناعي. فإذا رفضنا هذا الحدث أو الفعل اليوم، ما هو موقفنا غداً؟ وأنا الذي أشاهد كلّ يوم كيف يتمّ تسويق التعامل مع الذكاء الاصطناعي في المجالات والتخصصات والجامعات كافة، لدرجة أنني سمعت في أحد اللقاءات عندما كنت في دافوس قبل عدة أشهر، أنّ أكثر من 90% من الوظائف ستنتهي، ليحلّ محلها وظائف أخرى مرتبطة بشكل كبير بهذا الابتكار ومن يجيد التعامل معه، لذلك أظنّ أنّنا في المرحلة المقبلة سنكون مجبرين على التعامل مع هذه الأداة، لكنّ السؤال الأهمّ: كيف نتعامل معها؟ وأين مصداقيّة العمل؟ وهل سينتهي عصر النص البشري؟ هل سنكون محاصرين لتلك الأداة وآلية تفكيرها؟ وهل سيصير لدينا وزارات تحمل اسم وزارة الذكاء الاصطناعي؟ كما بات لدينا تخصصات تحمل الاسم والمعنى.
