عقلية الإسفنجة: وصفة جاهزة للنجاح أم تحفيز تبسيطي؟

السؤال الأهم الذي يطرحه الكتاب ليس: كيف أصبح إسفنجة أفضل؟ بل: كيف أتعلم ماذا أمتص، وماذا أرفض، وماذا أحتفظ به، وماذا ينبغي لي أن أنساه؟.

  • عقلية الإسفنجة: وصفة جاهزة للنجاح أم تحفيز تبسيطي؟
    عقلية الإسفنجة: وصفة جاهزة للنجاح أم تحفيز تبسيطي؟

في زمن الكورسات السريعة، ومقاطع الفيديو التي تعدك بأن تصبح أكثر نجاحاً في "خمس خطوات"، تأتي كتب التنمية البشرية لتقدم المعرفة في صورة وصفات سهلة وسريعة الهضم. وفي هذا السياق، يأتي كتاب "عقلية الإسفنجة" لمؤلفه د. محمد النغميش، الصادر عن "ذات السلاسل للطباعة والنشر والتوزيع" - الكويت - حاملاً استعارة بسيطة ولافتة: لكي تتطور، كن كالإسفنجة؛ امتص المعرفة، واحتفظ بها، ثم اعصر تجاربك وأخطاءك لتستخرج منها ما يفيدك.

الفكرة جذابة، واللغة مباشرة، والرسالة واضحة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه منذ الصفحات الأولى هو: هل يمكن اختزال التعلم وتطور الإنسان في استعارة الإسفنجة؟ وهل يكفي أن نمتص المعرفة كي نمارسها؟

ينطلق الكتاب من تقسيم ثلاثي لأنماط التفكير: هناك "عقلية الإسفنجة" التي تنفتح على المعرفة وتمتصها، و"عقلية الحجر" التي تقاوم التغيير، و"عقلية الكيس المثقوب" التي تستقبل المعلومات ثم تفقدها سريعاً. وهي صورة سهلة التذكر، وربما مناسبة جداً لعصر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تحتاج الأفكار إلى أن تكون قصيرة وقابلة للاقتباس والتداول.

لكن سهولة التصنيف هي - في الوقت نفسه - مصدر ضعفه؛ فالإنسان ليس إسفنجة دائمة الامتصاص، ولا حجراً جامداً، ولا كيساً مثقوباً. قد يكون المرء منفتحاً على التعلم في مجال، محافظاً على قناعاته في مجال آخر، ومتردداً في مجال ثالث. بل إن ما يسميه الكتاب "عقلية الحجر" قد يكون أحياناً موقفاً صحياً؛ فليس كل جديد جديراً بالقبول، وليست كل معلومة تستحق أن تدخل عقولنا لمجرد أنها جديدة.

وهنا تظهر المشكلة الأساسية في استعارة الكتاب: الإسفنجة تمتص، أما العقل فينتقي.

يقدم الكتاب مجموعة من المبادئ العملية التي يمكن تلخيصها في خمسة محاور: اسأل كثيراً، واعترف بأنك لا تعرف، وأحط نفسك بالمتعلمين، وطبّق ما تتعلمه سريعاً، وتعلم من الفشل.

لا خلاف على جاذبية هذه النصائح، بل إن معظمها يمثل فضائل معرفية وسلوكية معروفة. لكن السؤال النقدي ليس: هل هذه النصائح صحيحة؟ بل: هل هي جديدة؟ وهل تكفي؟

النصيحة الأولى: "اسأل كثيراً"، تبدو بديهية. وكذلك الاعتراف بعدم المعرفة، وهو أحد أشكال التواضع المعرفي التي عرفتها التربية والفلسفة منذ زمن بعيد. أما إحاطة الإنسان نفسه بالمتعلمين، فهي نصيحة جيدة، لكنها تفترض بيئة تسمح بذلك. ماذا يفعل شاب يعيش في قرية تفتقر إلى مكتبة، أو يعاني ضعف الإنترنت، أو يعمل لساعات طويلة ولا يملك الوقت الكافي للتعلم؟

أما "طبّق فوراً"، فتبدو أكثر عملية، لكنها تتجاهل أن التطبيق يحتاج أحياناً إلى موارد ووقت وتعليم وتوجيه. قراءة كتاب عن البرمجة لا تعني أن القارئ يستطيع البدء فوراً إذا لم يكن لديه جهاز أو بيئة تعليمية مناسبة.

ثم تأتي النصيحة الأكثر بريقاً في كتب التنمية الذاتية: تعلم من الفشل.

الفكرة صحيحة من حيث المبدأ، لكن الفشل ليس دائماً تجربة تعليمية مريحة يمكن تحليلها بروية وعمق لاستخلاص الدروس والعبر. أحياناً يعني الفشل خسارة وظيفة، أو تراكم ديون، أو انهيار مشروع، أو فقدان فرصة قد لا تتكرر. وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيداً: كيف يتحول الفشل إلى "بيانات" قابلة للتعلم عندما تكون كلفته الاجتماعية والاقتصادية مرتفعة؟

تكمن قوة الكتاب في بساطته؛ فهو لا يرهق القارئ بالمصطلحات، ويستخدم أمثلة من الحياة اليومية، ويحول الأفكار إلى تكليف سلوكي بسيط. وهذه ميزة حقيقية، خصوصاً للقارئ الذي يدخل عالم القراءة والتطوير الذاتي للمرة الأولى.

لكن البساطة قد تتحول أحيانًا إلى تبسيط مخل. فالكتاب يمنح القارئ شعوراً سريعاً بأنه بدأ يتغير: اقرأ، اسأل، طبق، افشل، تعلم، ثم كرر العملية. غير أن التغيير الإنساني أكثر بطئاً وتعقيداً من ذلك. قد تنتهي من الكتاب متحمسًا لمدة يوم أو أسبوع، ثم تجد نفسك أمام الظروف ذاتها التي كانت موجودة قبل القراءة.

وهنا تبرز إحدى مشكلات أدبيات التنمية البشرية الشعبية: تحويل التغيير إلى مسؤولية فردية شبه كاملة؛ إذا لم تنجح، فاسأل أكثر. وإذا فشلت، فتعلم. وإذا لم تتقدم، فغيّر بيئتك. وإذا لم تتعلم، فاقرأ أكثر.

لكن، ماذا عن الفقر؟ ماذا عن ضغط العمل؟ ماذا عن ضعف التعليم؟ ماذا عن غياب المؤسسات الثقافية؟ ماذا عن البيئة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية التي لا تشجع على التعلم؟ وماذا عن الإنسان الذي يريد أن يتطور، لكنه لا يملك الموارد اللازمة لذلك؟

حين تهمل هذه الأسئلة، تتحول التنمية الذاتية من خطاب للتحفيز إلى خطاب قد يحمّل الفرد مسؤولية ظروف لا يملك السيطرة عليها.

المشكلة ليست في الامتصاص... بل في ما نختار أن نمتصه.

ربما تكون أكثر نقاط الكتاب قابلية للنقاش هي استعارة الإسفنجة نفسها. في عصر تدفق المعلومات، لم تعد المشكلة أن الإنسان لا يستطيع الوصول إلى المعرفة، بل أصبحت المشكلة فيضان المعرفة، واختلاط الصحيح بالمضلل، والعميق بالسطحي، والمعلومة بالرأي؛ الأمر الذي يؤدي إلى فوضى وغرق في نهر المعلومات المتدفق.

لذلك، فإن الإنسان المعاصر لا يحتاج فقط إلى أن "يمتص" المعرفة، بل يحتاج قبل ذلك إلى أن يسأل: ماذا أمتص؟ ومن أين؟ ولماذا؟ وهل هذه المعلومة صحيحة أصلاً؟

الإسفنجة لا تملك هذه القدرة؛ إنها تمتص الماء النظيف والملوث بالطريقة نفسها. أما العقل، فوظيفته ليست الامتصاص وحده، بل التمييز والفرز والتحليل والمقارنة والنقد والنسيان أيضاً.

وهنا يمكن أن تصبح استعارة أخرى أكثر ملاءمة: العقل ليس إسفنجة، بل حديقة.

الحديقة لا تحتاج إلى كل أنواع الأسمدة؛ إنها تحتاج إلى ماء وشمس وتربة وعناية واختيار. والأهم أنها تحتاج أحياناً إلى اقتلاع الأعشاب الضارة. كذلك العقل: لا يكفي أن نملأه بالمعلومات، بل علينا أن نعرف ما الذي يستحق أن يبقى فيه، وما الذي ينبغي التخلص منه.

"عقلية الإسفنجة" كتاب مفيد باعتباره كتاباً تحفيزياً تمهيدياً؛ فهو يخاطب القارئ الذي يحتاج إلى دفعة أولى، ويشجعه على السؤال والقراءة والتجربة وعدم الخوف من الخطأ. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه المبادئ البسيطة إلى تفسير شامل للتعلم وتطور الإنسان.

فالكتاب أقرب إلى أدب التنمية البشرية الشعبية منه إلى كتاب يؤسس لنظرية متكاملة في التعلم. ومقارنته بكتب راسخة في هذا المجال، مثل "العادات السبع للناس الأكثر فعالية"، تكشف أن قوته الأساسية تكمن في سهولة الوصول إلى الفكرة، لا في تقديم اكتشاف معرفي جديد.

في النهاية، لا تكمن مشكلة الكتاب في أنه يقدم نصائح مغلوطة، بل في أنه يقدم نصائح صحيحة لكنها غير كافية. فالتغيير الجذري ليس وصفة جاهزة، ولا خريطة طريق، ولا خطوات مبرمجة. فالإنسان لا يتغير لأنه امتص معلومة، ولا لأنه قرأ خمس نصائح، ولا لأنه قرر أن يتعلم من فشله. التغيير مسار وتجارب حياتية تتراكم فتتداخل محاصيلها في النفس البشرية، فينتج معرفة غير منجزة وغير نهائية.

لذلك، ربما يكون السؤال الأهم الذي يطرحه الكتاب ليس: كيف أصبح إسفنجة أفضل؟ بل: كيف أتعلم ماذا أمتص، وماذا أرفض، وماذا أحتفظ به، وماذا ينبغي لي أن أنساه؟

اخترنا لك