صور وجسر القاسمية عام 1875: كيف وصفهما الرحّالة البولندي تيودور تريبلين؟
كيف قدّم تيودور تريبلين وصفاً نادراً لمدينة صور في القرن الــ 19، جامعاً بين دقة الملاحظة ورؤية الرحالة الأوروبي؟
تيودور تريبلين (1812-1881) واحد من أولئك الأوروبيين الذين جمعوا بين الطب والعمل العسكري والسياسة والأدب، وعاشوا القرن الــ 19 بكلّ تناقضاته. رحّالة بولندي، شارك في انتفاضة تشرين الثاني/نوفمبر 1830 ضدّ الحكم القيصري الروسي، وأصيب في معركة أوسترولينكا، ثمّ نُفي ليكمل دراسته في الطب.
لكنه، إلى جانب ممارسته هذه المهنة، حارب في صفوف الكارليين في إسبانيا، واستجاب لنداء غاريبالدي في إيطاليا وحصل على وسام شجاعة، وكتب بالبولندية والفرنسية والإيطالية، واتُهم بالسرقة الأدبية، وعانى من الترحيل والسجن، بل وأعلنت وفاته خطأً بينما كان حيّاً في المشرق.
-
الصفحة الأولى من كتاب المذكّرات لتيودور تريبلين
كان المشرق العربي محطة مركزية في حياة تريبلين المتأخّرة، إذ زار القدس 3 مرات بين 1859 و1875، وأقام فيها مدة طويلة، وعمل طبيباً، مما أعطاه نظرة من الداخل مختلفة عن نظرة الرحّالة العابرين. في عام 1878، نشر في وارسو مؤلّفه المكوّن من 4 مجلدات: "مذكّرات من الرحلات الأخيرة"، الذي يتضمّن وصفاً مفصلاً لرحلته إلى الساحل الشامي، مع توقّف قسري في بيروت بسبب إصابة صحية، ثم رحلة بحرية إلى يافا مروراً بصيدا وصور.
وما يجعل هذه المذكّرات ذات قيمة خاصة هو ندرة النصوص التي تصف مدينة صور في تلك الحقبة، إذ لم تكن محطة رئيسة للسفن الكبيرة، ولم يكتب عنها كثير من الرحّالة الأوروبيين بالتفصيل الذي كتبه تريبلين.
الآثار والإنسان
-
مشهد عام لمدينة صور في النص الثاني من القرن الــ 19
يصل تريبلين إلى صور عبر البحر، فيصفها بمشهد مهيب: "مدينة مبنية على ساحل صخري مرتفع يصل إلى 300 قدم، منعزلة بين الأمواج المتلاطمة". ويستحضر وصف النبي حزقيال لها: "وجعلت صُورُ ملِكَة البحر في مدخل البحر" (وفق الترجمة البولندية للعهد القديم). المرفأ عنده "جميل بشكل رائع"، تحرسه كتلتان ضخمتان من البناء، بقايا "ستائر عملاقة" شيّدت قبل 4 آلاف سنة.
يرصد تريبلين الانحدار الحضاري للمدينة بعين طبية دقيقة. صور التي حاصرها نبوخذنصر 13 سنة فشل، وفتحها الإسكندر بعد 6 أشهر بصعوبات لا توصف، أصبحت اليوم "بلدة صغيرة نوعاً ما"، لا تغطي بيوتها سوى جزء من شبه الجزيرة الصخرية التي كانت تغطيها أبنية شاهقة.
تريبلين أحد أولئك الأوروبيين الذين جمعوا بين الطب والعمل العسكري والسياسة والأدب، وعاشوا القرن التاسع عشر بكل تناقضاته، من الثورة إلى المنفى إلى الترحال في المشرق.
لكنّ أكثر ملاحظاته إثارة هي عن اقتصاد المدينة الجديد: أهل صور الذين بنوا مجد مدينتهم البائدة بالتجارة، لا يزالون تجاراً اليوم لكنهم "يتاجرون بأنقاض المدينة"، يبيعون الحجارة المنحوتة من العصور القديمة كمواد بناء تصل إلى الإسكندرية، بأسعار زهيدة: الحجر بعشرة قروش، والأكبر قليلاً بعشرين، والأكبر منه بثلاثين. يضرب مثلاً بالباشا العثماني الذي يبني قصره من أنقاض الكاتدرائية الصليبية، محاطاً بالثكنات، ويتوقع أن تختفي الكنيسة خلال سنوات قليلة، ليقوم مكانها بناء خال من أي قيمة معمارية، تدخل في بنائه أعمدة جميلة وأجزاء من المذابح وقديسون من الحجر وسيدة من الرخام. إنها صورة صارخة لـ"أكلة التراث" قبل أن يصبح هذا المفهوم رائجاً.
جسر القاسمية
-
جسر القاسمية في النصف الثاني من القرن الــ 19
لا يتحدّث الكاتب عن السبب الذي دفعه إلى زيارة جسر القاسمية، الذي يبعد نحو 11 ميلاً عن المدينة. يبدو أنه كان لديه متسع من الوقت ليتوجّه مع رفيقيه في هذه الرحلة بواسطة عربة. يرصد تريبلين الجسر فوق نهر الليطاني، أكبر أنهار سوريا. يتكوّن الجسر من قوس واحدة منحنية من دون أيّ سور على الجانبين.
يصفه بأنه خطير، ويعترف أنه لم يجرؤ على عبوره في حالته الصحية، بينما عبره رفيقاه "كطائرين في طرفة عين". هذه إشارة إلى معلم معماري هامّ كان قائماً آنذاك، وهو الجسر الذي استبدل غير مرة، ودمّرته العدوانات الإسرائيلية المتكررة منذ 1972 حتى اليوم، وما زال يحمل اسم "جسر القاسمية".
ثم يعود الكاتب إلى المدينة، ويتحدّث عن السكان المحليين في صور والتنوّع الطائفي والتواصل مع الأجانب، مقدّماً قراءة اجتماعية دقيقة للمدينة، من الحيّ الإسلامي حيث المنازل صغيرة في نهاية فناء تظلله بضع أشجار، إلى الحي المسيحي حيث المنازل مرتفعة وأنيقة، يسكنها خليط من السكان، معظمهم يعتنقون الدين اليوناني الكاثوليكي (الروم) ويتحدّثون العربية.
هؤلاء، بحسب تريبلين، هم من نسل اليونانيين السوريين الفينيقيين الذين سكنوا هنا قبل دخول العرب وقبل الفتح التركي. وينمّ ذلك عن جهله بتاريخ المدينة. ويلاحظ أنّ هؤلاء المسيحيين يتحدّثون إيطالية رديئة تسمّى "لغة فرنكا"، وهم يتردّدون بحرص على الأجانب المسافرين بدافع الفضول، "ويضايقونهم بلا رحمة بطلبات البقشيش والهدايا".
جمال نساء صور وكيدهن
-
تيودور تريبلين كما ظهر في كتاب المذكّرات
يورد حكاية طريفة مع امرأة شابة جميلة من مدينة صور، أرادت مبادلة شاله الحريري الأبيض، الذي أعجبها، بقطعة حجر بورفير منقوشة بثلاثة أحرف يونانية. لكنه رفض عرضها، فردّت عليه بازدراء: "لهذا الحجر قيمة كبيرة لدى العلماء، لكن يبدو أنك لست عالماً". فعلّق تريبلين بسخرية: "للأسف، حتى هنا، في هذه الأرض التوراتية، تبقى المرأة ابنة حواء، لا تستطيع كبح كيدها".
على هامش زيارته لصور، يلتقي تريبلين براهب كبوشي من مالطة، وصل من إسكدار على شواطئ البوسفور سيراً على قدميه مع رفيق له. وصف هذا الرجل نفسه بـ"الراهب الحرّ، أحجّ باستمرار لمجد الله".
لكنّ الراهب، الذي سحرته نساء صور بجمالهن، ويظهر أنه لم يوفّق بالتحدّث إلى أيّ واحدة منهنّ، فغدا منزعجاً وهو يراقبهن من بعيد، ولقبهن بـ "بنات النبي لوط". ثم يتباهى بأنه خاضع للحماية البريطانية، ولو سقطت له شعرة لأعلنت ملكة إنكلترا الحرب على تركيا. يعلّق تريبلين ساخراً على هذا التفاخر: "لقد ولّت أيام الفروسية البريطانية، فاليوم حلّت المصالح محلّ السيف والمدافع".
الطريق إلى صور
-
مدينة صور من الميناء الصيدوني سنة 1874
بعد رسو السفينة الآتية من قبرص قبالة بيروت، خلع الكاتب حذاءه من قدمه بطريقة مؤلمة بسبب "بحّار مخمور كان يقود القارب" الذي سينقله إلى الشاطئ، فاضطر للمكوث في بيروت أسبوعاً، ليصبح "عاجزاً" في هذه "الجنة الصغيرة".
وذلك على الرغم من أنّ بطاقة سفره كانت لتوصل إلى ميناء يافا، كما هي عادة المسافرين إلى القدس. مكث الكاتب أسبوعاً في غرفته المطلة على المدينة، يقول: "يصعب القول هل بيروت مدينة أم أنها حديقة عملاقة: البيوت هنا تعلوها أشجار النخيل، والبساتين البرتقالية تخترقها المآذن. الجو مشبع بعبق الزهور، وفي الوقت نفسه بأغاني ملايين الطيور". يستحضر أسطورة متداولة في بلاده تقول إنّ النبي محمداً نظر إلى بيروت من فوق تلة وقال "هذه هي الجنة"، ثم صرف وجهه عنها لأنه يريد جنة واحدة فقط في مكة!
يصل تريبلين إلى صور عبر البحر فيصفها مدينة مبنية على ساحل صخري مرتفع، منعزلة بين الأمواج، وقد تحوّلت من مركز تاريخي عظيم إلى بلدة صغيرة تعيش على أنقاض ماضيها.
ثم يتسنّى له أن يغادر بيروت بعدما تماثل إلى الشفاء على متن قارب، إذ لم يركب سفينة كبيرة، ولهذا تحتّم عليه أن يتوقّف في صيدا وصور وعكا قبل أن يصل إلى مقصده. يصف تريبلين صيدا بإيجاز ولا نعرف إن كان قد نزل في مينائها أم بقي على متن القارب.
يذكر أنّ عدد سكانها يتراوح بين 10 و15 ألف نسمة، ويصف السوق المحلي (البازار) بأنه "طويل، مقبّب، مثل قاعة القماش في كراكوف"، وفيه حركة تجارية. كما يصف مبنى القنصلية الفرنسية الذي يضمّ فناءً مربّعاً واسعاً تحيط به 4 أروقة على أعمدة رشيقة، وفي الوسط نافورة كبيرة تظلّلها أشجار موز عالية بأوراق يصل طولها إلى 4 أقدام.
هذا المبنى يضمّ أيضاً ديراً لاتينياً كان فيه 14 راهباً، ولم يبقَ فيه سوى 3. يعلّق تريبلين على تراجع الأديرة في المنطقة، ويرى في ذلك ظاهرة إيجابية، لأنها كانت تؤوي "متشرّدين يتجوّلون بحجة رحلات دينية، ويعيشون على نفقة الدير، ويسرقون من الحجّاج الحقيقيين".
مع مذكّرات تريبلين
-
تيودور تريبلين بريشة يوزف سميلير سنة 1852
لم يترجم نصّ تريبلين إلى العربية ولم يحظَ بالدراسة بعد، لا من حيث كونه وثيقة تاريخية ولا من حيث القيمة الذاتية والإضافات على نصوص الرحّالة الآخرين. لكنه، للوهلة الأولى، يقدّم وصفاً من خارج مسار السفن البخارية الكبيرة، عن صور التي لم تكن على خريطة السياحة الأوروبية كما كانت بيروت ويافا والقدس ودمشق.
لذلك، يعرّف القرّاء إلى ميناء المدينة، وجسر القاسمية، وأحياء صور، والتجارة والاقتصاد اليومي والأسعار، والتركيبة الطائفية، ويقدّم مادة نادرة عن الحياة اليومية فيها.
لكن، على الرغم من قيمة النصّ الوثائقية، لا يمكن قراءته بمعزل عن تحيّزات كاتبه ونظرته الاستشراقية، التي تتجلّى في عدة مستويات، فهو، مع أنه بولندي من بلد محتلّ، يتبنّى موقف "الأوروبي المتفوّق" الذي يقيس المجتمعات المحلية بمعاييره.
تبقى مذكّرات تريبلين نصاً هجيناً يجمع بين شهادة تاريخية نادرة ونظرة استشراقية، يمكن قراءته من زاويتين: ما يقدّمه من معلومات، وما يكشفه عن عقلية الرحّالة الأوروبي في القرن التاسع عشر.
لكنه يفصل بشكل حادّ بين "العربي المتحضّر" و"التركي الفاسد"، فالعربي السوري عنده "مجتهد، حذر، هادئ، يؤمن بالجهد البشري، متفوّق في اللغات"، أما التركي فـ"مهمل، مستعمر فاجر". بطبيعة الحال لا يمكننا موافقته على هذا التصنيف، ولا ندرك ما الذي قاده إلى تعميم كهذا.
ربما، ما ينقذ النصّ من الاستغراق الكامل في هذه النظرة هو وعي تريبلين بكونه هو نفسه "مقهوراً" (بولندي تحت الحكم الروسي)، مما يجعله أحياناً أكثر حساسية للهيمنة من رحّالة فرنسيين أو بريطانيين، إلى جانب انفتاحه على العلاقات الشخصية مع العرب واحترامه لقدراتهم اللغوية والفكرية وسخريته من تفاخر الأوروبيين.
تبقى مذكّرات تريبلين عبارة عن نصّ هجين، فهو بجزء منه شهادة تاريخية نادرة، وبجزئه الآخر وثيقة استشراقية نموذجية قيمتها تكمن في قدرتها على أن تقرأ على مستويين معاً: ما تقدّمه من معلومات، وما تكشفه عن عقلية الرحّالة الأوروبي في القرن الــ 19.
