صامتان على مجزرة "بلون الحصرم"

أعترف، وسيعترف معي كثيرون، أنني قبل قراءة "بلون الحصرم"، لم أكن قد سمعت بمجزرة خربة سلم نسبة إلى مسقط ررؤس أغلب الضحايا، أو مجزرة خيرزان - عدلون نسبة إلى المكان الذي ارتفعت فيه تلك الأرواح على أيدي الجنود الصهاينة المجرمين.

  • صامتان على مجزرة
    صامتان على مجزرة "بلون الحصرم"

الحصرم طعمه طعم الندم، وامتعاض القلب من أعماقه. هذا الطعم شديد الحموضة، يجعلك تنتفض، رافضاً وراغباً. أما اللون، فله مع بطلة قصتنا حكاية مختلفة. كانت مريم تحلم بأنها تزف بفستان لونه لون الحصرم، وحين تقص منامها على من حولها إما يسخرون وإما يستهجنون.

ونحن في جبل عامل، الجنوب جهة، حين نقصّ ما جرى معنا وعلينا في جهات أخرى من الوطن، إن لم يُسخر منا، قوبلنا باستهجان مبالغ فيه: هل يحصل هذا في لبناننا؟ كلا، في لبناننا نحن، وهذا اللبنان منقسم عاطفياً مذ أن "أُوجد". يكفي أنه أوجد فرُكِّب تركيبًا عجيبًا بخلطة متنافرة ليُضْحي وطنًا، لكنه ما انفك يحاول. لذا، صرنا نحن أكبر الصامتين على المجزرة. فثمة صامت متواطئ، وثمة صامت صدمته المجزرة، وصامت لم يصدق حدوثها، وصامت يعكر ذكرها صفو وطن الأمنيات. ثمة من يريد وطناً جميلاً جداً صامتاً جداً حد الإنكار. ولكن كيف تتجاوز الألم؟ هذا الذي جعل مريم قدوح، ابنة خربة سلم، تخبئ "مجزرتها" في ثوب أسود مؤبد. إلى هذا المخبأ حاولت الكاتبة إيمان علوية أن تقتحم بهدوء، فإذا بقصتها مع القصة - الحدث قصةٌ تاريخٌ. إنه تاريخ الجنوب اللبناني المسكوت عنه كأننا نريد منذ الأزل أن لا نعطل الموسم السياحي، وأن لا ننشز على آل الرحباني وفيروزتهم. حتى من غنى للجنوب نرقص معه وهو ينعانا ويصف ألمنا ويضع إصبعاً على جرح مريم، كالفدائي الذي أراد أن يضمد جرحها فأزاح وجهها عن الجرح، أيجب أن أغض وجهي عن جرحي كي يشفى!

لقد لمست مريم جراح أهلها فرداً فرداً، من أمها الخمسينية إلى الرضيع إلى شقيقتها الصغرى سامية التي مُزقت في حضنها. لقد دفع جسدها الطري الرصاص عني! لقد مددت يدي إلى حضن أمي فغارت في أحشائها، لقد ... لقد... لقد حصلت المجزرة في سيارة. ثمة صندوق حديدي أحمر يتسع لـ6 ركاب في أقصى مجهود له، تكوّم فيه 14 إنساناً، بما فيه داخل صندوق هذا الصندوق. 

خرج صهر مريم، محمود الطويل، متذمراً من دسه في الصندوق، لم يكن يعلم أن هذا الصندوق سيغدو بعد قليل قبراً له ولزوجته ولأبنائه وأبناء عديله وحماته وأخوات زوجته، بعدما اضطروا إلى النزوح على هذه الحال من قريتهم الجنوبية، خربة سلم (قضاء بنت جبيل)، عشية اجتياح آذار 1978. الشاهدة الصامتة مريم، كل لمعة أو نبضة أو حشرجة فيها تحكي. كأن الكاتبة، حتى لو لم تتمكن من قطع صيامها، إذا أشارت إلى الجنوب لتحدث فطال حديثه وعلا أنينه.

وأنين مريم لا يعلو. كأنها تخاف العقاب إذ اشتكت أو بكت. ألم تسجن السلطة في لبنان مواطنًا من حولا لأن صوته علا عند حديقة الصنائع، يحدث الناس عن المجزرة الرهيبة التي حصدت 90 من أبناء بلدته في 31 تشرين الأول 1948؟ بلى، حدث هذا. المجرزة الرهيبة منسية، وإذا ذُكرت في كتب التاريخ كانت حدثًا رقميًا لا أكثر: كم مجزرة وكم قتيلاً لأهداف إحصائية فقط!

أعترف، وسيعترف معي كثيرون، أنني قبل قراءة كتاب "بلون الحصرم" (صادر عن جمعية إحياء التراث المقاومة 2024، توزيع دار المودة)، لم أكن قد سمعت بمجزرة خربة سلم نسبة إلى مسقط ررؤس أغلب الضحايا، أو مجزرة خيرزان - عدلون نسبة إلى المكان الذي ارتفعت فيه تلك الأرواح على أيدي الجنود الصهاينة المجرمين.

وليست خربة سلم بعيدة عني ولا عن كثيرين جهلوا المجزرة حتى تاريخ صدور هذا الكتاب، أي بعد نحو 46 عامًا على حصولها، لا بالجغرافيا ولا بمعرفة الأفراد، ولكن هو النسيان أو الكتمان أو الخوف من ذكر المجزرة، خوف من تكرارها، أو من سوط السلطة الرافض لفضح العدو، فهو فضيحة لها أيضًا لأنها عاجزة حتى اليوم عن رد العدوان وحماية شعبها، على امتداد الحدود، وهو – على الأرجح – ما ولّد هذا الكتمان لدى بطلة قصتنا مريم قدوح.

وهل يذكر الناس في لبنان، أو هل سمع بعضهم حتى، بمجزرة تولين، حين دهست الدبابة الصهيونية، في اجتياح العام 1978 نفسه، سيارة كان يتكتل فيها 9 من أبناء البلدة، فقضوا تحت جنازيرها في بلدة جويا الجنوبية، وروى لي شاهد عيان أنه مر بهم وكان ببعضهم رمق من حياة. من عرف بها قبل أن يروي تفاصيلها أحد أبناء الضحايا قبل سنوات لجريدة الأخبار! (تولين: مجزرة منسية يتمت 62 طفلاً – عدد 16 أيلول 2011).

المجازر كثيرة والجزارون كثر، صهاينة إسرائيليون وصهاينة لبنانيون، قادوا حملات من القتل والتجزير والتدمير والاعتقالات على طول قرى ما يسمى بالحافة وما يحاذيها، فستقرأ لو دققت إعدامات ومجازر وميدانية في شيحين والجبين ويارون والضهيرة وبليدا وعيترون وعيناثا وبنت جبيل ومارون والناقورة ومركبا والطيبة وكفركلا والعديسة ووو... والنتيجة واحدة: كأن المجزرة تُنسى لأنها مستمرة.

بالمناسبة، لم تكن سيارة آل قدوح (معهم صهرهم محمود الطويل والسائق محمد المكحّل) وحدها من نصيبها المجزرة يومذاك، 17 آذار 1978، إذ بلغ عدد الشهداء في تلك السيارة 14 شهيدًا بينهم 5 أطفال، بينهم الرضيع إبراهيم، على مقربة منها 3 شهداء داخل سيارة آل دكروب من تبنين. ولو دققنا أكثر لوجدنا تاريخًا من المجازر، كان المراد منه الخضوع والاستسلام، ولم تكن آخرها مجزرة البيجر، التي تُري العالم كله أن الطريق طويل، فما دام الجلاد حاضراً فهذا يعني أن الضحية لم تمت ولا تريد أن تموت!

اخترنا لك