شوق الدرويش": تاريخ الظلام في السودان والشرق

 بين انتصار الدعوة المهدية وهزيمتها تدور أحداث الرواية متمحورة حول الشخصية الرئيسية  بخيت منديل، وهو أحد السكان المُستعبَدين الخارجين حديثًا من الأسر، وحياته المتنقلة بين الحرية والأسر، والانتقال بين السودان ومصر.

  • شوق الدرويش

تحكي رواية  "شوق الدرويش" للروائي السوداني حمور زيادة  المقيم في مصر قصة مدينتين، لا على طريقة رواية تشارلز ديكنز الشهيرة "قصة مدينتين" التي تدور أحداثها بين لندن وباريس خلال الثورة الفرنسية، وإنما  قصة هذا الشرق المتخبط دائماً في خياراته السياسية الإيدولوجية، فالرواية الصادرة عن دار العين للنشر في القاهرة والحائزة جائزة نجيب محفوظ للرواية عام 2024 والمتصدرة في الجائزة العالمية للرواية العربية لعام 2015، المعروفة باسم "جائزة بوكر العربية".

فإذا كانت "قصة مدينتين" تتناول موضوعات مثل الظلم، والانتقام، والفداء، والتحولات الاجتماعية والسياسية الكبرى في أوروبا في أواخر القرن الثامن عشر، فإن "شوق الدرويش"  تتناول قصة مدينتي الخرطوم وأم درمان اللتين يفصل بينهما نهر النيل، خلال حقبة حدوث الثورة المهدية في السودان  أواخر القرن التاسع عشر،  بين عامي (1881-1899م). 

الخرطوم،  المدينة الجميلة التي تحوطها الحدائق وأشجار النخيل الظليلة ورائحتها  التي تعبق بالأريج والزهور التي تسوّر المنازل والقصور،  لكنها في نظر أهالي أم درمان منازل وقصور شُيّدت على معصية الله في مدينة حدائقها الفسق وقصورها المعاصي، تلبّست  بوجه المدينة الأوروبية الفاحشة، لكي تشيع الفسق والفجور وتحتضن أجناساً مختلفة وأدياناً وثقافات وافدة مختلفة. 

أما أم درمان، فهي إن كانت في نظر أهلها المهدويين البقعة الطاهرة، التي لم يلوّثها الكفار، فهي في عين أهل الخرطوم  البلاد اللعينة، أرض التعصب والتطرف والدم والدموع.

ينتصر المهدي على الأتراك، ويعود لينهزم إزاء المصريين المدعومين من الإنكليز تالياً. بين انتصار الدعوة المهدية وهزيمتها تدور أحداث الرواية متمحورة حول الشخصية الرئيسية  بخيت منديل، وهو أحد السكان المُستعبَدين الخارجين حديثًا من الأسر، وحياته المتنقلة بين الحرية والأسر، والانتقال بين السودان ومصر، وبين الخرطوم وأم درمان، بحثاً عن ثأره لحبيبته حواء التي كان اسمها ثيودورا.

يتعرف بخيت على ثيودورا خلال عمله في خدمة البعثة الأرثوذكسية، وهي فتاة مسيحية يونانية الأصل، نشأت في الإسكندرية ، يتعرف إليها بعد وصولها إلى الخرطوم ضمن البعثة الأرثوذكسية، وخلال خدمته لها، وتعرّفه إليها يقع في حبها من جرّاء جمالها الباذخ.

"شفتاها كما اشتهاهما دوماً

ما غيَّرها الغياب

مُربكة... تماماً كالحياة

مُوجعة مثلها

ولا أمان لها كالنهر 

يلفّها ثوب من نور الشمس.

تحوم حوله، هل تراه؟ هل تحادثه أم تتجاهله؟

إلى جمالها الفاتن يأسره لطفها و معاملتها الطيبة فيخاطبها هائماً: "من أي بلاد يسكنها ملائكة أنتِ".

أما عن اسمها الجديد حواء فلذلك قصة تعكس بيئة السودان في تلك الحقبة من الزمن التي انتصرت فيها الدعوة المهدية ومارست أبشع أنواع التعصب والتزمّت الديني، فقد استولى إبراهيم الشواك عليها واتخذها جارية وحاول اغتصابها رغم تمنّعها، الأمر الذي ترك في نفسها أثرًا عميقًا وشكّل جزءًا من المسار المأسوي لشخصيتها في الرواية. هذه الحادثة تلعب دورًا كبيرًا في تحوّلها من فتاة مسيحية بسيطة جاءت لخدمة الرب إلى امرأة تغوص في بحار الألم والروحانية والتجربة الصوفية، لتنتهي مقتولة على يد إبراهيم ومعاونيه الخمسة. الانتقام لمقتلها شكل النقطة المركزية التي تتحرك فيها مسارات السرد  في الرواية، فقد انطلق بخيت فور خروجه من السجن كالبرق الخاطف نحو هدفه الثأري لمقتل حبيبته من ابراهيم الشواك وكل من ساعده في العثور عليها وقتلها بعد محاولة الهرب الفاشلة من بيته، وهم خمسة أشخاص من أعوانه ينتمون إلى الحركة المهدية المتعصبة. ينجح بخيت في اصطيادهم  قبل إلقاء القبض عليه. 

تحفل الرواية بأحداث كثيرة تلقي أضواء كاشفة على تلك الفترة الزمنية وما جرى على البلاد في تلك الحقبة الزمنية المظلمة من تاريخ السودان المبتلى بالاستعمار الذكي والأفكار التكفيرية الغبية التي تنفّذ مآربه وهي تظن أنها تتقرب إلى الله وتحسن صنعًا. في حديثها عن تلك الحقبة الزمنية، فكأنما تتحدث الرواية لا عن السودان فحسب، وإنما عن  هذا الشرق وعن كل الأزمنة التي رافقته حتى يومنا هذا، وكأن الرواية لا تتحدث عن الماضي وإنما تتحدث عن الحاضر وتستشرف المستقبل. 

تتخذ رواية " شوق الدرويش" منحى صوفيًا مغايرًا لما اعتدناه من أعمال أدبية صوفية تنحو منحى الانخطاف الروحي والانجذاب نحو المطلق، من خلال التجارب والأذكار والأوراد والكرامات، هنا تأخذ التجربة الصوفية مسارًا آخرًا، مسار رفض بخيت وثيودورا للقيد والعبودية والرق والاستعباد الجنسي، إنه شوق الصوفي لله،  والسير إليه عن طريق السعي نحو الحرية والكرامة الإنسانية، والهوية والانتماء، فما معنى أن تكون مؤمنًا من دون أن تكون حرًا.

لا تغفل الرواية عن دور الإرساليات والبعثات التبشيرية وصراع الأديان المسكوت عنه، والذي انفجر وظهر إلى العلن إبّان الثورة المهدية في السودان، التي قادها محمد أحمد المهدي، الذي أعلن أنه المهدي المنتظر  ودعا إلى إقامة دولة إسلامية تعتمد على الشريعة الإسلامية،  ونادى بالإصلاح الديني والأخلاقي، وانتقد الفساد والانحراف عن الإسلام الصحيح.

 غير أن الرواية تروي حكايات عجائبية عن ممارسات الثورة الدموية في السودان، تميزت بالتطرف في استخدام العنف لتحقيق أهدافها السياسية والدينية، رغم أنها لم تكن حركة متطرفة بالمعنى الحديث، حيث كان هدفها الأسمى هو مقاومة الاحتلال والتحرير، فإن أحد مناصريه الحسن الجريفاوي المؤمن بالمهدي، والذي ترك زوجته الحبيبة فاطمة كي يلتحق بالمجاهدين  أنصار الدعوة المهدوية، يقول متفاجئًا من ممارسات جماعته" ماذا أصابكِ يا أم درمان؟ أعلى هذا بايعنا مهدي الله عليه السلام؟ "... ماذا أصابنا ؟ هل أكل السوس إيماننا؟ ليلة دخلوا الخرطوم وقف مهدي الله يدعوهم: بايعوني على قص الرقبة. 

قدّم لنا حمور زيادة في متخيله السردي " شوق الدرويش" البيئة السودانية التاريخية بميلها الصوفي العميق بعيدًا عن شطحات المدارس الصوفية التقليدية باتجاهات جهادية، تحررية، وذلك عبر شخصيات روائية مشغولة بإتقان كشخصية بخيت وثيودورا  ومريسلية والحسن الجريفاوي ، والطاهر جبريل...  وهي شخصيات قوية ومؤثرة وغير نمطية تمكنت من المزج بين الروحانية والسلطة، بين الصوفية كحالة روحية فردية، والتعبئة السياسية، بين صفاء التصوف وحماسة الجهاد على طريقة الثورة المهدية السودانية بلغة شعرية ثرية بالنصوص الدينية المستقاة من القرآن والإنجيل وخطب المهدي، والخواطر والإلهامات الصوفية التي أوردها حمور زيادة على ألسنة أبطاله: "ماذا يملك الإنسان من دنيـــاه سوى محبة... لقد تعلمت في حياة عشتها أن الحب كالقدر . لا نملك من أمره شيئًا ...." هذه العبارات التي تصلح لأن تؤخذ كاقتباسات جاءت كاستراحات عرفانية خففت من تكثيف السرد وثقل تفاصيله. أما الوصف  في الرواية فقد جاء آسرًا لمشاهد تاريخية بتفاصيل بديعة، تنطق بعبق الماضي وتنبض بالحياة والأصالة، ولذا ستبقى  رواية "شوق الدرويش" للكاتب السوداني حمور زيادة علامة فارقة في الأدب السوداني الحديث.

اخترنا لك