سيرته صدرت حديثاً في بيروت: عابد عازرية.. رحلة البحث عن النشوة

ما يجعل "شغف" كتاباً يكاد يكون بلا نظير، هو أنه "أوتوبيوغرافيا صوتية" نادرة الوجود عربياً. ليست سيرة عادية لفنان أو أديب أو سياسي، بل حكاية رجل ينصت إلى التاريخ والأسطورة كعلامات موسيقية، ويكتب مسار حياته كطبقات من الترددات والنغمات المتقاطعة.

  • سيرته صدرت حديثاً في بيروت: عابد عازرية.. رحلة البحث عن النشوة
     عابد عازرية

اكتشفتُ عابد عازرية في قلب الحرب الأهلية اللبنانية. كنا، على ضفتي بيروت – الشرقية والغربية - حفنة من الصديقات والأصدقاء نتناسخ تلك الكاسيتات التي وصلتنا من باريس، كأنها إشارات من كوكب آخر.

صحيح أن كل ما فيها كان يلبّي انجذابنا إلى الحداثة والتجريب والتمرد، لكن طقوسيتها المقلقة، كانت تنطوي على قدر من الغرابة التي تخالط الدهشة. وتعلن القطيعة مع كل ما كان يمكن للأذن آنذاك أن تألفه. بدت تلك الأغنيات طلسمية لكثيرين حولنا، تستعصي على التصنيف. أما نحن، فاتخذناها طوطماً نستقوي به، في زمن القسوة والخوف والتعصب والموت. 

بعد نصف قرن ما زال سؤال النخبوية مطروحاً. عرف عابد عازرية الشهرة والتكريس، أصدر قرابة 20 عملاً من بينها "ملحمة" و"أوراتوريو"، كتب موسيقى أفلام إيليا سليمان وميشال خليفي وآخرين، ترجم وألّف، وغنّى أدونيس والمتنبي والحلاج وأنسي الحاج والخيّام والنفري وتوفيق زيّاد وخليل حاوي وكثيرين غيرهم.

لحّن "جلجامش" و"إنجيل يوحنا"، حفر في الموسيقى كي تتآلف مع النص النثري... ومع كل ذلك، لا يزال فناناً نخبوياً! لأنه لم يتنازل قيد أنملة عن رهاناته الموسيقية ورؤاه الفلسفية. بقي يبحر عكس تيار السائد، ويبدع ضد الإجماع السطحي، والرواج التجاري. نعم، عابد نخبوي، لا غرو في ذلك. لكنه "نخبوي للجميع" بتعبير المعلم الفرنسي الراحل أنطوان فيتاز! يكفي لأي كان أن يفتح الباب ويدخل.

  • غلاف كتاب
    كتاب عابد عازرية "شغف" الصادر بترجمة عربية عن دار النهضة في بيروت (لوحة الغلاف للفنّان زياد دلّول)

عند قراءة سيرته "شغف، صبي من حلب على ضفاف نهر السين" التي نقلها عن الفرنسية جمال شحيد (دار النهضة العربية/بيروت)، نتيقن مما كنا نعرفه جيداً: الاستماع إلى عابد عازرية ليس استرخاء طربياً، بل تجربة تتطلب "جهداً سمعياً".

فهو يرفض اصطياد المستمع بـ "المونو - تونية" التي تخدّر الوعي. الموسيقى عنده مسرح فكري وحسّي على السواء: الجملة اللحنية تتقطع وتتمدد بحسب شحنة المعنى. إنه يضع المتلقي أمام التحدي: نصوص صوفية وفلسفية وحداثية، ملاحم موغلة في القدم، بقوالب فنية تستفز ذائقته، وتطالبه بالانتباه، كشرط للاستمتاع. لقد كسر نمطية الأذن الشرقية، وأعاد وصل الحداثة الموسيقية بجذور المشرق البعيد. ونقل الأغنية العربية من دائرة الترفيه إلى مصافّ التأمل.

مسيرة عابد عازرية، الفريدة والغنية والأصيلة والمركبة، إذا كان لا بد من اختصارها بجملة، دعنا نقُل إنها رحلة البحث عن النشوة. هذه النشوة التي عرفها طفلاً في حلب، في تراتيل الكنائس السريانية والبيزنطية، في مجالس الذكر والموالد الشعبية، حيث أخذ بإيقاع الترديد الجماعي، واختبرت حواسه بهجة الإنشاد. هذه النشوة ما زال يطاردها إلى اليوم في كل لحن أو قصيدة. 

ثم هناك مسألة الهوية، المنفتحة المتعددة. عازرية لم يتعامل مع مشرقيته كمعطى فولكلوري، كانعزالية ثقافية، بل كمشروع بناء مستمر يراكم طبقات التاريخ: من بابل وسومر وأوغاريت، مروراً بالأندلس، وصولاً إلى نهر السين.

الهوية هنا ليست تركة متحفية، محنّطة، بل ورشة بناء متواصل. في تقديمه لكتاب "شغف" يرى الشاعر والروائي الفرنسي، التونسي الأصل، هوبير حداد، أنها مغامرة "تمتزج فيها الحكاية الفردية بالتاريخ الإنساني، ومسيرة مسكونة بهاجس فك اللغز الموسيقي، لحياة لا تكفي الكلمات لترجمتها". 

قد ترون فيه ناسكاً. لكن عابد في الحقيقة مسافر بين الحضارات. حنجرته "وسيط أنطولوجي" بين عصور لا تلتقي بسهولة: يبعث جلجامش من رقم الطين السومرية - البابلية، يحاور سترافينسكي ودو بوسي، ويستدعي ابن ديصان من الرها، ويصافح ريمون لول، ويجمع ابن عربي بالقديس يوحنا الصليب على وقع الفلامنكو، ويؤلف تانغو خاص بالمعرّي، ويعاقر الهارمونيا. لقد أعاد ترسيم الحدود بين شرق وغرب.

حين يكتب أنسي الحاج، في قصيدته الشهيرة التي أدّى عابد مقاطع منها: "انقلوني إلى جميع اللغات/لتسمعني حبيبتي/انقلوني لترى أنني قديم وجديد"، فهو يختصر تجربة عابد عازرية: هذا المشرقي "القديم" الآتي من سحيق الرافدين، والباريسي "الجديد" المتشح بالحداثة.

أخيراً وليس آخراً، ما يجعل "شغف" كتاباً يكاد يكون بلا نظير، هو أنه "أوتوبيوغرافيا صوتية" نادرة الوجود عربياً. ليست سيرة عادية، لفنان أو أديب أو سياسي، بل حكاية رجل ينصت إلى التاريخ والأسطورة كعلامات موسيقية، ويكتب مسار حياته لا كأحداث، بل كطبقات من الترددات والنغمات المتقاطعة.

اخترنا لك