سيّد الضوء
تُعدّ مرجعية السيد نصر الله من أهم الرموز الوطنية والدينية. فقد أثبتت الأزمات التي مرّ بها لبنان خلال عقود من التاريخ ذلك الدور التوجيهي المهمّ، بل المصيري، لمرجعيته في كيفية معالجة الأزمات.
سنتان مرّتا من عمرنا ونحن نحاول الكشف عن الدلالات التي تكمن وراء استشهاد السيّد حسن نصر الله، والأبعاد الرمزية في حديثه عن مفهوم السيادة والاستقلال والحرية في إطار فلسفة الفعل.
فإذا كان "سيّد المقاومة" يساوي بين السيادة والحرية وفعل البطولة، فإنّ هذا يقودنا إلى التساؤل عن الأسس التي اعتمد عليها في ذلك، والنتائج المترتبة عليه، انطلاقاً من كون اللغة عاجزة عن التعبير عن المحتوى الفكري الأعمق لفكرة الاستشهاد.
إنّ استشهاد السيّد المؤثّر أطفأ شعلة الأحاديث الباطلة، مؤكّداً أنه سيبقى سيّد الضوء، كما بقي الزعيم أنطون سعاده أيقونة الشهداء.
نقاش حول البطولة
يعيش العالم العربي هذه الأيام نقاشاً عميقاً ومثيراً حول الذاكرة وثقوبها التي ما زالت تنزف جراحاً وآلاماً. فقد فرض استشهاد السيد نصر الله منطقاً آخر للحديث عن أهمية البطولة والاستشهاد في حياة الأمم، بعيداً من سفسطة النخبة وقراءاتها وتبريراتها المشروطة ضد المقاومة بفروعها كافة؛ الفكرية والسياسية والميدانية/العسكرية والاجتماعية. فالمنظومات الحاكمة في العالم العربي التي بنيت على قدسيّة الحاكم المستسلم لمشيئة الغرب، لها فروعها وعناصرها من "مفكّرين" وكتّاب وشعراء وإعلاميين، مهمّتهم الترويج لسرديات "إسرائيل" و"تأليه" حكّام التطبيع والضرب على الوتر المذهبي لمحاصرة المقاومة.
يشكّل منطقهم صفحة سوداء من تاريخ هذه البلاد، وقد حاول "سيّد الشهداء" تغييرها وإعادة البوصلة نحو قيم الوطنية المثلى، بعد أن فشلت النخبة المثقّفة مراراً في القيام بالأمر.
ولهذا، يشير الجانب البنيوي والإداري في الفكر السياسي عند "سيّد المقاومة" إلى بُعدٍ مهمّ يعبّر عن الثقافة التاريخية والرمزية لمجتمعنا عبر عصوره المديدة.
لا شكّ أنّ للرمز دوراً أساسياً في تحقيق التوازن المجتمعي، وتأكيد الهوية الأساسية للمجتمع. ولكن، وحتى لا يكون هناك خلل ما في عملية التوازن أو التشديد على الهوية لسبب ما، كان لا بدّ من ضامن لعملية التوازن، ومؤكِّد لهوية المقاومة، وهي مجال واسع لتوظيف متعدّد الوجوه والملامح، لإبقاء حالة التوازن المطلوبة في المجتمع في مواجهة هيمنة الاحتلال وإرهابه في العالم العربي.
من هذا المنطلق، انصبّ اهتمام السيّد نصر الله، في جزء كبير منه، على الدفاع عن قيمة الحرية لشعبه، لدرجة أنه ربط بين السياسة والحرية برباط لا ينفصم، بحيث أصبحت دلالة السياسة الحقيقية كامنة في الحرية.
ويتمثّل جوهر الحرية عنده في القدرة على الفعل المسؤول في ميدان السياسة؛ فالحرية تعني القدرة على استدعاء شيء إلى الوجود لم يكن موجوداً من قبل. كانت قشوره حاضرة في المظاهر، ولم يكن مُعطى، حتى إنه لا يمكن إدراكه أو تصوّره. وبهذا المعنى، فإنّ تحرير الإنسان لا يمكن أن يحصل إلا عن طريق الفعل البطولي المسؤول، وهو ما لن يتحقّق إلا بانخراطه في ميدان المواجهة الشاملة وعناوينها الفاعلة بالقوة المؤمنة بصحة المواجهة.
فكره حيّ وعصيّ
تبدو استعادة رمزية الشهيد نصر الله اليوم ضرورة وجودية وفكرية ملحة لتصويب بوصلة الوعي الثقافي والسياسي اللبناني والعربي، فلم يكن السيّد إنساناً عابراً في تاريخ الوعي المقاوم، بل شكّل علامة إنسانية فارقة تتخطى حادثة الاستشهاد المادي لتجعل من الفكرة حيّة عصيّة على الفناء، بوصفها رمزاً للشجاعة في مواجهة الخوف.
يجب أن تختلط الدموع بالكلمات حتى تتحوّل إلى نصوص غاضبة. في إحدى آيات إنجيل لوقا: "طوبى لكم أيها الباكون الآن لأنكم ستضحكون"، فوحده سحر العاطفة واستشعار الألم ما يجعل الكلمات تسجد للشهداء. والشهادة هي احتفاء طقسي إلهي أو لاهوتي، بالمعنى الأنثروبولوجي، تجذّر في اللاوعي وطُمس في الذاكرة منذ أمد بعيد.
هي نمط من القرابين المقدّسة المتعالية والمفارقة التي مارسها البشر إذعاناً لإرادة الله ومباركته الأرواح التي تسكن الأجساد الفانية. هو، كما يقول الفنان المسرحي برتولد بريخت، "لا سيرة تُذكر لإنسان فهم كلّ شيء". وُلد واعياً وفهم كلّ شيء، لذا يسهل ارتقاء هذه الكائنات المبجّلة، أي الشهداء، إلى الملكوت الأعظم، فهي تضيق بالبقاء في دار الفناء. الشهداء هم مشاريع وطن وأمة ومجتمع. يجب أن يتبدّى سلوكهم في مراسنا اليومي وفي واقعنا. هم جزء من فلسفة الواقع واليومي للإنسان في بلادنا، ويجب أن يبقى الشهيد كذلك.
أيّ دور للفتنة؟
تُعدّ مرجعية "سيّد الشهداء" من أهم الرموز الوطنية والدينية، ليس على المستوى الديني المعنوي، وإنما على المستوى الفعلي لحياة شعبه. فقد أثبتت الأزمات التي مرّ بها لبنان خلال عقود من التاريخ ذلك الدور التوجيهي المهمّ، بل المصيري، لمرجعيته في كيفية معالجة الأزمات.
ولعلّ المثال الساخن الذي لا يزال قائماً حتى اللحظة في هذا الخصوص يتمثّل بدوره المرجعي في كيفية مواجهة التهديد بالحرب الأهلية الذي مثّلته عصابات الميليشيات، والخطر الذي كان ولا يزال يتهدّد حياة المواطنين في لبنان، إذ حاولت الميليشيات المذهبية، ولا تزال، انتهاك حرم المجتمع بهدف إسقاط هيبة المقاومة والإشارة إلى أنها حركة مذهبية ليس إلا.
كلنا عايشنا الدور الأساس في التصدّي للفتن المذهبية التي جُيّشت لها جيوش من الإعلاميين والكتّاب والمفكّرين، وفتحت لهم القنوات اللبنانية والعربية، والكيفية التي تعاملت وفقها مرجعية سيّد المقاومة لكبح جماح هذه الفتن.
وكلّ هذا ينطلق من المكانة الكبيرة لهذه المرجعية في المجتمع اللبناني والعربي، الذي ما إن تصل إليه إشارة أو توجيه حتى يبادر إلى تنفيذها والالتزام بها، درءاً للمخاطر التي تتهدّد المجتمع.
ولعلنا نتفق على أنّ مجتمعاتنا تنطوي على سلبيات مصدرها أناس لا يمتلكون الوعي اللازم، ولا المستوى التربوي الكافي، ولا الثقافة الوطنية التي تجعلهم قادرين على تقييم الرموز والمراجع بما تستحقّه من مكانة كبيرة.
لذلك، حاول السيّد نصر الله أن يتعامل مع هذا الواقع وفق مضمون النص القرآني المبارك الذي يقول: "ادفع بالتي هي أحسن".
إنّ شخصية هذه المرجعية الدينية/الوطنية كرمز تستدعي الكثير من البناء الذي سيأتي على مراحل متعاقبة، ستتطلّب من المؤمنين بخط المقاومة متابعة ذلك لتنمية قدرات الذات الفكرية والمادية والروحية التي تجعل منهم قوّة بالغة التميّز والثراء في لبنان والعالم العربي.
