سيادة الغروتيسك (2): من جسد كارداشيان ومنشار ماسك إلى الإبادة في غزة
كيف أصبح جسد كيم كارداشيان منتجاً ثقافياً واقتصادياً؟ وكيف تعمل "سيادة الغروتيسك" على تدجيننا أخلاقياً للقبول بالإبادة والعنف؟
في الجزء الأول من "سيادة الغروتيسك" قدمنا قراءة نقدية للنيوليبرالية بوصفها "فرانكشتاين" صنعه البشر ثم ابتلعهم. وشرحنا كيف أدّت هزائم الحركة العمالية وصعود أفكار السوق الحر منذ سبعينيات القرن الماضي إلى دولة متوحشة نقلت الثروة إلى الأعلى وجرّدت الإنسان من إنسانيته، محوّلة إياه إلى كائن اقتصادي.
هكذا بات العالم المعاصر غروتيسكياً، تحكمه الضخامة والإفراط والابتذال، من العمارة والاستهلاك إلى الجسد والطعام. فيما يعيد الإعلام والثقافة إنتاج هذا المنطق، حيث يتحوّل الفائض والقبح إلى ربح ومكانة. النيوليبرالية لا تتقاطع مع الغروتيسك، بل تصنعه وتعيش به، مخلّفة إنساناً هشاً، مستلباً، ومشوّهاً.
وهنا الجزء الثاني والأخير من "سيادة الغروتيسك".
***
كيم كارداشيان واستعمار الجسد
-
يصعب على واحدنا النظر إلى جسد كيم كارداشيان على أنه "مظهر جمالي" أكثر مما هو منتَج ثقافي واقتصادي
تطالعنا شاشات التلفاز بوجوه من بلاستيك: شفاه منتفخة تصطنع ضخامتها بحقن "البوتوكس"، والملامح منحوتة من الذقن إلى أعلى الحاجبين بفضل عمليات التجميل. التقاسيم مصقولة، كبيرة بالغة الضخامة وكأنها تعتبر أنّ بروز شرايين الدم، فضيحة أو عار بشريّ.
حتى الأسنان انصاعت للمصطنع، وباتت ناصعة البياض بشكل اصطناعي. لم تعد الأسنان "عظاماً" قابلة للتكسّر أو السقوط بما يذكر بــ "بشريتها" بل صارت "هوليوود سمايل" (ضحكة هوليوودية)؛ إكسسواراً يركّب ويضفي "وهجاً" على الفم.
الوجه الحديث بات قالباً مصمماً لا واجهة بشرية. الأجساد امّسخت وصارت وكأنها إعادة مكررة للواحد، بالأحرى لواحدةٍ. في كل عقدٍ أو أكثر من الزمن، تخضع الأجساد لمعاييرٍ محددة تميّز بين الجميل منها والقبيح الذي تقصيه من فضائها أو تجبره على الامتثال لها.
في راهننا، ساهم الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي في هيمنة ما يعتبر "الجسد المثاليّ"، وقد عززت الحملة التي أخذت شعار "اخرق الإنترنت" (break the internet) هذا "الجسد المثالي" مثلما جعل من صاحبته، كيم كارداشيان، على كل لسان.
في عالمنا الغروتيسكي المحكوم ببوتقة قيمٍ ليبرالية تزعم الحفاظ على كرامة الإنسان، وتحصّن المرأة من أي اعتداءٍ أو أذى ذكوريّ، تخرج نجمة التلفزيون الواقع سابقاً كيم كارداشيان وهي أيقونة "الجسد المثالي"، بجسدٍ منتج على نحوٍ يحاكي المخيال الذكوري بشكلٍ فاقع، في مفارقة تعري تناقضات العميقة في ثقافتنا الحديثة.
يصعب على واحدنا النظر إلى جسد كيم كارداشيان على أنه "مظهر جمالي" أكثر مما هو منتَج ثقافي واقتصادي، ساهمت ثقافة المشاهير، ووسائل التواصل الاجتماعي، ومجلات النميمة، وكواليس "هوليوود" في الترويج له. إنه منتج ثقافي أولاً لأن كارداشيان، وهي صاحبة بشرةٍ سوداء، تتعاطى بذهنيةٍ "بيضاء" مع جسدها الأسود: فهي تقسّمه إلى أجزاء، أي تتعاطى معه كقطعٍ وليس ككلٍ. الجسد عندها ينصاع إلى فانتازيا "بيضاء" لطالما رافقت المرأة السوداء؛ من المؤخرة الضخمة، والأرداف الكبيرة المشدودة، والخصر النحيل، والصدر المرتفع.
الأثر السياسي الدامغ على "جلدِ" السود تمارسه كارداشيان ثقافياً/جمالياً على جسدها. هي صورة عن "الأسود الجيّد"، وعن المرأة السوداء كما يتخيلها "الأبيض". جسد كارداشيان منتج ثقافي إذاً، إنها تقدّم مشهداً عملاقاً لجسدٍ عملاق: مركب، ومصمم ومضخم على نحوٍ بالغ الكبر والضخامة، غرائبيّ يصبو إلى قالبٍ غروتيسكي ويُطرح بوصفه قمّة الإبهار والإثارة.
على أنّ جسد كارداشيان هو منتج اقتصادي كذلك. عدا عن كونه "يستعمل" لعرض ماركات الملابس وكأنه مانيكان فرجة، فإنه علامة دالة على فائض عمليات التجميل، وضخامته الغروتيسكية تسخّر لآليات السوق.
الجسد "الكارديشياني" يقدّم نفسه بوصفه صورة سينمائية، والحال أن هذه الصورة لهي "مانيفستو" واضح عن غروتيسكية عالمنا؛ فالضخامة البادية هي من ناحيةٍ دلالة على هويةٍ متضخمة، وعلى نجاحٍ لا يقوم إلا بمراكمة المزيد من التضخيم.
من ناحيةٍ أخرى، فإن الضخامة باتت شرطاً بنيوياً لمواءمة معايير الجمال، فهذه الضخامة تشترط على فائض عمليات التجميل أو على القهر الذاتي.
في منشور طويل على منصة "تويتر" كتبت ناشطة نسوية قطعة طويلة تحت عنوان "جسد كيم كارداشيان ليس جسدك"، حثّت فيه النساء على عدم الامتثال إلى جسد كارداشيان لأن "نسبه غير طبيعية"، ولأنه صار علامة تجارية أكثر مما هو جسد بشري.
النقد الذي وجه لجسد كارداشيان يختزل بأنه جسد يعمل ضمن اقتصاد التضخيم والمشهدية المفرطة.
لقد غدا جسد كيم كارداشيان الغروتيسكي الصورة الأصلية لجسدٍ معاصر وجب الامتثال به. أذعنت الكثيرات لشكل هذا الجسد من دون أنّ يذعنَّ لعمليات التجميل، فاندفعن إلى صالات الرياضة وأجبرن أنفسهن على القيام بتمارين قاسية طمعاً بخصرٍ نحيف ومؤخرةٍ ضخمة. إنه الجسد المثالي اليوم والذي يجب الاقتداء به.
إذا كانت معايير الجمال في ثمانينيات القرن الماضي تنصّ على النحافة، وقد لقت الكثير من عارضات الأزياء ومن تأثرن بهن حتفهن بسبب فقدان الشهية أو الأنوريكسيا بعد أن جوّعن أنفسهن، أو بسبب المخدرات لكي ينلن الجسد المثالي (النحيف والرشيق) الذي كان سائداً آنذاك، فإننا نعثر اليوم على ظواهر موازية بصيغةٍ مختلفة: إصابات بالغة ناتجة عن سبب القهر الممارس على الذات داخل النادي الرياضي/الجيم. هناك حيث يتم التعامل مع الجسد غروتيسكياً، من برامج التمارين القاسية التي تجبر الجسد على التمرد على البيولوجيا، والنزوع صوب غير المعقول في تحميله أكثر من قدرته.
تكشف الكثير من التقارير الطبية عن إصابات ناتجة عن الإفراط في التدريب مثل انهيار الألياف العضلية (1). وتتضح غروتيسكية كارداشيان أنها اقتصاد عنيف موجّه إلى الذات ضد الذات نفسها.
"القتال بالصفع": الكف الذي لا يقتلك يجعلك مشوّهاً
-
في "القتال بالصفع" يغدو الوجه، وهو أكثر مناطق الجسد إنسانية، مسرحاً لتكرار العطب
لما كان الجسد "الكارداشياني" يجلب المتعة الجمالية والإثارة لمتلقيه، فإن نظيره الغروتيسكيّ عند الرجال يجلب الألم بل وفائضاً من الألم. ليست عضلات البطن المقطّعة، والصدر العريض والشرايين البارزة - وكلها دلالات القوّة والكبر/الضخامة - عند الرجل جديدة أو معياراً طارئاً على الجسد الحديث. غير أنّ حضورها اليوم وسط رواج ما يسمّى بـ"الرياضة المتطرفة" (إكستريم سبورتس) مثل "الكيك بوكسينغ"، و"القفز الحر من الجبال والمباني"، و"الفنون القتالية المختلطة"، يكشف أن هذا الفائض في العضلات والجسد الضخم ليسا سوى آليتين موجهتين لإنتاج الربح، تخضعان إلى منطق رأس المال الذي يحوّل الألم إلى قيمة.
ليست الإصابة ولا الموت هو المرعب هنا، بل الاستثمار في الحالات القصوى وجعله أمراً ممكناً ومألوفاً. وذلك مثل جعل الانتحار هواية. تقدم لنا الفضائيات الرياضية لعبة رياضية جديدة اسمها "القتال بالصفع" أو "رياضة الصفع" مع ما يثيره اقتران مفردة رياضة قبل الصفع من التباس (2).
رجلان- دخلت النساء إلى هذه اللعبة مؤخراً لكن حضورهنّ أقل نسبياً من الرجال- يقفان أمام بعضهما البعض وتفصل بينهما مسافة قصيرة. يمسك كل منهما بيدٍ الطاولة المثبتة أمامه، ويده الأخرى يغمسها في مسحوق أبيض "بودرة" استعداداً للضربة/الصفعة التي سيوجهها إلى خصمه. هناك حَكَم يتوسط المشهد، يقف في المنتصف بينهما، حضوره لا يعدو كونه كومبارس، وظيفته تختصر في التأكد من أن الضارب لم يقتل المضروب.
في "القتال بالصفع" نبدأ اللعبة مع بدء أحد اللاعبين بصفع/ضرب الآخر، الثاني يتلقى الصفعة/الضربة فيقوم بردها بواحدةٍ أخرى آملاً أن تكون ضربته قاضية فتنصره.
سرعان ما تبدأ الندوب بالظهور على الوجه. يتمزّق في بعض الحالات بؤبؤ العين جراء انغراز الأظافر فيه عن غير قصدٍ بل بسبب القوة الخام للكف. فك الحنك نراه ينزاح، الخدود وكأنها "تطير" في الهواء لبرهةٍ، تتمزق. شرارات الغضب تتقاذف من الأعين. أمامنا ملامح تصير أشبه بخرائط الأذى، الوجه يتشوّه بالكامل، لكن العرض يبقى قائماً ما دام لم يغمَ على أحدهما.
على الأرجح، إنها لعبة مراهنات، غير أنها تقدم لنا صورة شافية – مع "شيبو/ماكبانغ" و"الجسد المضخّم" وغيرها - كيف أن تشييء الجسد ليس سوى تعبير فجّ عن عالمنا الغروتيسكي.
إن هذا المشهد الذي نراه ليس لعبة ولا منافسة رياضية بالمعنى التقليدي، بل هو ممارسة غروتيسكية صريحة. فائض من العنف، الاستثمار في إصابةٍ ضخمة بالغة، توشك أن تجعل الرأس مشلولاً والدماغ معطلاً. نحن إزاء احتمال غياب الإنسان في حضور الجسد أو بالأحرى بسبب حضور هذا الجسد.
في "القتال بالصفع" يغدو الوجه، وهو أكثر مناطق الجسد إنسانية، مسرحاً لتكرار العطب. وفي الوجه المعطوب عمداً، المقرر "إعطابه"، نستحضر فلسفة إيمانويل ليفيناس الذي بنى فينومينولوجيا حول الوجه: "الوجه يقول لي: لا تقتل" (3).
في غروتيسكية عالمنا الفرانكشتايني فإن الوجه يقول عكس ذلك. في "القتال بالصفع" يقول الوجه: "سأهشّمك، وإلا سأخسر. هل بإمكاني، أنا الغروتيسكيّ، ألا أربح؟".
سيادة الغروتيسك في السياسة (1): الملهاة تجاور المأساة
-
يفصح كل من المنشار الكهربائي والكلام عن حقن الذات بالديتول عن خيال رهيب لا يمانع في إدارة العالم عبر الحروب
الكمامة، التي غدت حين اجتاح وباء "كورونا" العالم جزءاً من الوجه، لم تمنع فم دونالد ترامب من التفوه بهرائه. في الرابع من نيسان/أبريل عام 2020 ظهر ترامب على الهواء- غير مكمّمٍ - وأطلق تصريحاً شعبوياً، أقلّ ما يُقال فيه إنه كلام خرافيّ، "بسودو علميّ" (علم زائف) بشأن فيروس "كورونا".
اقترح ترامب آنذاك أنّ الترياق المحتمل لهذا الفيروس هو "الحقن بالديتول" (4). 5 أشخاص، على الأقل، سمعوا كلام ترامب وأخذوا بنصيحته. الخمسة جميعهم تعرضوا للتسمم (5).
"كورونا" حوّل العطس كفعل بشري طبيعي بل فطريّ، إلى سلاح فتّاك واعتبر أحياناً جريمة أخلاقية، وحدثاً فظيعاً، غروتيسكياً هزّ العالم، أجمع الكثير على وصفه بـ"شبح الموت اللامرئي".
واحدة من أكبر الجائحات في تاريخ البشري أودت بحياة أكثر من 7 ملايين شخصٍ فضلاً عن أعداد الإصابات هائلة، تعامل معها المرشح الرئاسي آنذاك للولايات المتحدة بطريقةٍ كوميدية هزيلة.
بعد أيامٍ قليلة من تصريحه الذي تبرأت منه شركة "ديتول وليسول"، ودعت في بيانٍ صحفيّ لها عدم الإصغاء لوصفات ترامب الطبيّة (6)، خرج الرئيس الحالي لأميركا وقال إنّ كلامه كان "ساركاستياً"، أي هزءاً، لغواً لعوباً، ولم يقصده بجدية على الإطلاق (7).
عندما كنا رهائن الخوف، نعيش الحياة من وراء النوافذ؛ حين كنا أسرى "الحجر المنزلي"، ننتظر ونأمل ظهور طبيب مختبر عبقري حتى يخترع لقاحاً للوحشٍ الغريب الذي يتربصّ بنا، افترض ترامب وروّج لـ"حلٍّ" غرائبيّ لا يعدو كونه مزحة سمجة. ثمة شيء من اللا معقولية وسط عالم حديث عقلاني يتباهى بعقلانيته. حطّت الجائحة فجأةً كحدث طارئ، وكونها جائحة فهي فظيعة مرعبة، في حين جاء التفاعل معها من قبل "كبير" العالم وكأنها ملهاة.
لو عدنا بضعة أشهر إلى الوراء لوجدنا مشهداً لا يختلف اثنان على طبيعته المقززة. في لقاءٍ نظمه المحافظون في أميركا وجرى تصويره وبثّه على الهواء، اعتلى إيلون ماسك "كبير التكنولوجيا" المسرح وفي يديه هدية منحه إياها الرئيس الأرجنتيني: منشاراً كهربائياً. بوجهٍ عابس، مرتدياً نظاراته الشمسية ومعتمراً قبعة سوداء، حمَل إيلون ماسك المنشار الكهربائي وراح يلهو به "ممثلاً" أنه يقطّع "شيئاً" إلى إرب (8).
ما جاء تمثيلاً لهو فانتازيا المحافظين بطبيعة الحال، أي جاء أداء ماسك أو "التمثيل" الذي أداه كمحاكاةٍ لمخيال المحافظين الذين يطفح معجمهم اللغوي بمفردات الخشونة، ويعشقون العنف وصوره سواء المجازية أو الحقيقية. وعلى خطى صديقه ترامب، تراجع ماسك عن فعلته، واعتذر بعد أيامٍ قليلة لأن تصرفه/تمثيليته، كما زعم، جاء "فاقداً للتعاطف".
المقزز هو النافر، البشع، المثير للاشمئزاز، هو الشيء الذي يهدد الألفة. إنّ تأدية "التقطيع" باستعمال المنشار الكهربائي على المسرح، مع عضة صاحب الوجه العبوس على شفتيه وسط تصفيق الجماهير الحار يحوّل المسرح إلى مسلخ، والمشهد السياسي إلى عرض لجريمة مؤجلة.
طغيان الرعب في هذا الحدث الذي نظمته النخبة التي تحكم العالم يشي بطبيعة العالم الذي نعيش فيه. إنّ اللهو بالمنشار الكهربائي على شكل التقطيع كان أكثر من "فقدان التعاطف"، إنما كان تهديداً هدفه إثارة المريع بأسلوب هزلي بغية نزع الألفة والأمان عن العالم نفسه؛ هذا هو الغروتيسك بعينه. وهل هناك مهرج في العالم اليوم أكثر إضحاكاً من دونالد ترامب؟ وفي الوقت عينه هل هناك أحد يفوق هذا الرجل شراً؟ دونالد ترامب بطل مشهد الغروتيسك. بوسعنا زج كل من ترامب وإيلون ماسك في خانة المتلاعبين في الحقائق، والحال هذه، هما بطلا عصر ما "بعد الحقيقة".
يتحدث الفيلسوف السلوفيني، ملادن دولار، كيف أن الشائعة التي انتصرت على سقراط و"قتلته"، تسود في عالم "ما بعد الحقيقة" وتهيمن "عندما تواجه ترامب بحقيقةٍ دامغة يرد بأنها أخبار مفبركة وليست حقيقية" (9).
هكذا يبدو لنا أن "التمثيل" (ماسك) أو "الساركازم" (ترامب) قد لا يعنيان كثيراً حقيقتهما، ذلك أن صاحبيهما قد تجاوزا الخط الفاصل بين الوهمي والحقيقي.
يفصح كل من المنشار الكهربائي والكلام عن حقن الذات بالديتول عن خيال رهيب لا يمانع في إدارة العالم عبر الحروب. في محاضراته في "الكوليج دو فرانس" ابتدع ميشال فوكو مفهوماً اسمه "سيادة الغروتيسك" (souverainete du grotesque).
نعثر على هذا المفهوم أيضاً في كتابه "دفاعاً عن المجتمع"، حيث يشرحه ويستعين فيه بوفرة. وجد فوكو في الغروتيسك توصيفاً مرجوّاً لأن هذا المفهوم (الغروتيسك) ينطوي على شيئين متناقضين: قوّة فعلية إذ بها تمارس العقاب والتنظيم والهيمنة، وصورة مهزوزة حيث صاحب السلطة مبالغ فيه وغير كفؤ.
بالنسبة إلى فوكو فإن الغروتيسك في السلطة ليس شذوذاً إنما آلية، حيث تخفي عدم كفاءة السلطة وتحوّلها إلى عرضٍ فرجوي كما أنها تحد من مقاومة السلطة التي تظهر غير فعالة ظاهرياً لكنها قاتلة جوهرياً (10). على هذا النحو، وفي كون السلطة تتحوّل إلى مسرح مزدوج: مضحك مرعب في آنٍ، تجعل الخضوع فعّال وأعمى.
تبسِط سيادة الغروتيسك نفسها إذن، ويصير اقتصاد الكذب، والشائعة، والهفوات اللاوعية التي انزلقت وفضحت صاحبها (نكتة ترامب أو فعلة ماسك) فسارعوا للتبرؤ منها طريقة تشكّل الخطاب، وفي شكله هذا، ينكشف الجوهر الخفي للهيمنة.
قوّة الغروتيسك في السياسة (2): الإبادة
-
وصف رؤوس جثث الأطفال المحروقة والذائبة مع نايلون الخيم بعد قصف طيران الاحتلال الإسرائيلي يبدو عبثياً أمام هول ما جرى
قد تتذكر الأجيال القادمة أنّ القرن الــ 21 هو القرن الذي دخل فيه أكبر صحن حمص إلى كتاب "غينيس" للأرقام القياسية، وأنه بني في زمانه أكبر برج في دبي. بيد أنّ ما سيلتصق بالذاكرة التصاق الندبة باللحم هو تلك الإبادة البشرية التي حصلت في بث مباشر على الهواء في غزة. العالم في القرن الــ 21 غروتيسكياً إلى حد أنه صار منصةً تُبثّ فيها المذبحة مباشرة.
مرت مدة زمنية قليلة على توقف (هدوء نسبي؟) الإبادة في غزة، وأقل من عام على توقف الإبادة المكانية في جنوب لبنان، لكن هذا الوقت كان كفيلاً بالنسبة إلى كاتب هذه السطور لكي يقتنع اقتناعاً كاملاً بجملة المنظّر الألماني في مدرسة فرانكفورت، تيودور أدورنو، القائلة: "إنّ الشعر بعد أوشفيتز يعتبر فعلاً بربرياً".
وصف رؤوس جثث الأطفال المحروقة والذائبة مع نايلون الخيم بعد قصف طيران الاحتلال الإسرائيلي يبدو عبثياً أمام هول ما جرى. الإسهاب في الكتابة عن البطون التي جوّعت لا يزيد إلا ألم اللغة نفسها. النثر حول العيون المفقوءة بعد جريمة أجهزة "البايجر" الإرهابية في لبنان تبدو شكلاً من العقاب الذاتي. إذ لا طاقة للكلمات على نبش ما هو كامن في الذاكرة.
ما دام كل شيء مُصوّراً، فإن الإجرام الغروتيسكي يطلّ مباشرة من الشاشة، وتلك الصور والمشاهد ستبقى تقضّ مضاجع الأجيال كأرقٍ طويل لا يعرف النوم. بلغت الحرب على لبنان وغزة مستوياتٍ لم تشهدها الحرب العالمية الثانية. مدينة بأكملها تحوّلت إلى مقبرة مفتوحة، وشعب برمته يمحى من الوجود لأنه قال "لا" ولم يذعن لذاك النداء الذي يهدد بـ"وإلا".
في إحدى آخر إطلالاتها تعيد، جوديث باتلر، تحديد مفهوم الإبادة. أي ماذا تعني الإبادة، "لا تقاس الإبادة في عدد الأشخاص المقتولين إنما في البنية المستهدفة وبوظيفة العنف الممارس" (11). التقارير الصحفية أشارت إلى أنّ ما يعادل قنبلتين نوويتين قد ألقيتا على غزة، وهذا إنّ دلّ على شيء فهو دال على فائض العنف الممارس وعلى ضخامة الحدث الإبادي بذاته.
من جهتها، تنطلق المنظرة الفرنسية، سينتيا فلوري، المختصّة بالأخلاق والعلاقات بين الفرد والمجتمع، من مفهوم فوكو "سيادة الغروتيسك"، وتشدد على مصطلح استعمله فوكو أيضاً وهو "قوة الغروتيسك" (pouvoir grotesque) (12).
ترى فلوري أن الخطر الحقيقي يكمن في أنّ الغروتيسك يُدجّن التقبّل الأخلاقي: حين يتعوّد المتلقي على رؤية التشوّه يصبح العنف الرمزي جزءاً من المشهد الطبيعي. وهكذا تنتقل الهيمنة من مستوى القوّة إلى مستوى الخيال، ومن مستوى القهر إلى مستوى الصورة.
كانت فلوري تشير إلى أنّ السلطة الغروتيسكية، تتحوّل إلى عرضٍ دائم، وكيف انزلقت الديمقراطية إلى مسرح سياسيّ مضطرب تُمحى فيه الحدود الأخلاقية. غير أنّ ما يميّز مقاربتها عن تحليل فوكو هو أنها نزعت عن الغروتيسك طابعه الثنائي كما نظّر له الأخير - الغروتيسك بوصفه اجتماع الهزل والهيمنة، الضعف والقوة - وركّزت على وجه واحد منه: وجه القوة، القوة التي تُمارَس عبر المبالغة، أي الضخامة والفائض كما نرى.
ليس في سلوك رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وشركائه القتلة اليوم سوى تجسيد مكتمل لهذه القوّة الغروتيسكية: إبادة علنية، استعراضٌ دموي، فجاجة الخطاب، توظيف للفظاعة كأداة سياسية. إنّهم لا يشنون حرباً فحسب، بل يعرضونها، يُفرجونها، ويجعلون من الفظاعة نفسها لغة قوّة. من هنا فإن أدّق توصيف للكيان الإسرائيلي هو "قوّة الغروتيسك"، ذاك أن العقل الصهيوني يعيد إنتاج قوته من ذاته في حال بقي وحيداً من دون رعاية غربيةٍ، وكأنه يجترها، لأنه عقلٌ إباديّ بجوهره ينزع نحو القتل والتوحش واستعراض فظاعته، وبالتالي فإن مقولتها "الغروتيسك يولّد الغروتيسك" لهي مطابقة لــ "إسرائيل" نفسها.
هكذا يكشف الغروتيسك عن نفسه في النيوليبرالية الفرانكشتاينية بوصفه مبدأ ناظماً للإنسان، وصورة أصلية للأشياء. ليس التمظهر الذي يأخذه الغروتيسك في "المولات" والمباني الشاهقة، أو في الجسد، والخطاب، والسلطة والحروب وإلخ إلا جوهره الكامن.
هكذا فإن منطق عصرنا كله محكوم بالغروتيسك كما رأى أمبرتو إيكو (13)، وبالتالي كل ما يبدو ضخماً ومتضخماً، من عمارة المدن إلى عمارة الجسد لهو انعكاس لاقتصاد يشتغل على الفائض، في حين أنّ كل التشويه، والمبالغة، والتسليع والمشهدية ما هي إلا من إفرازاته. على أحد أن يعيد فرانكشتاين إلى نومه قبل أن يلفظنا التاريخ متقززاً كمن يتجشأ بعد التهامه كتلةٍ لم تعد تحملها معدته.
المراجع والمصادر
1- https://shorturl.at/gxd5r
2 - https://shorturl.at/5Rsbx
3- Totalité et Infini: Essai sur l’extériorité, Emmanuel Levinas. Le visage dit : «Tu ne tueras point.»
4 - https://tinyurl.com/3s5x8de2
5- https://tinyurl.com/mpfezep2
6 - https://tinyurl.com/4atv3fmv
7- https://tinyurl.com/5ba9jzs7
8 - https://tinyurl.com/4etrxtm9
9- ملادن دولار، "فلسفة القيل والقال: عن الكذب والنميمة والشائعة والمسائل ذات صلة"، دار مزيج، ترجمة طارق عثمان.
10- ميشال فوكو، "يجب الدفاع عن المجتمع"، مكتبة صوفيا، ترجمة الزاووي بغوره.
11- Judith Butler, in a talk with London Palestine film festival
12- سينتيا فلوري، في حديثها على "France culture" ضمن برنامج "matins des cultures".
13- أمبرتو إيكو، "تاريخ القبح".
