سعد يكن في "ألف ليلة وليلة": حكاية بصرية وتشريح أنثروبولوجي
معرض سعد يكن "ألف ليلة وليلة" هو أكثر من استعادة تراثية؛ إنه محاولة لقراءة الوعي الشرقي من خلال أحد نصوصه التأسيسية. الثنائيات التي يعرضها – الطاغية/الحكيمة، العنف/الجمال – هي ثنائيات حية في واقعنا.
-
سعد يكن في معرضه "ألف ليلة وليلة"
في ظل ما يعيشه لبنان من ظروف صعبة:اعتداءات إسرائيلية يومية، وأزمة اقتصادية خانقة، وصدوع سياسية واجتماعية، يبرز الفن بوصفه ملاذاً جامعاً. ففي حضرة الجمال، يتلاشى القلق لفترة، ويجد المتلقي فسحة طمأنينة للروح. لكن الفن، بينما يضمّد الجراح من جهة، يبعث من جهة أخرى على قلقٍ من نوعٍ آخر: قلق الفكر المتسائل والذائقة المتطلبة. وفي خضم هذه المناخات، يأخذنا التشكيلي المخضرم، سعد يكن، على بساطٍ زاهي الألوان إلى عالم "ألف ليلة وليلة"، في صياغة بصرية أخّاذة تتوالد الصور بداخلها كما توالدت الحكايات على شفتي شهرزاد.
التشكيل كرواية موازية
-
من أعمال سعد يكن
في معرضه المتواصل في "مايا آرت سبيس" في وسط بيروت، يقدم يكن في 48 لوحة (نصفها كامل النضج، والنصف الآخر كاستكشافات أولية) رؤيته الخاصة لأعظم حكاية عن الحكاية. الانزياح هنا ليس تقنياً فحسب، بل فلسفي: كيف تتحول الكلمة إلى صورة، وكيف تنتقل الحكاية من أذن السامع إلى عين الناظر؟
اللوحات الكبيرة، المشغولة بالأكريليك والزيت، ليست توضيحاً للنص، بل تأويل بصري مكثف. إنها تحتفظ بإيقاع "الليالي" المتوتر، تتراوح بين مشاهد العنف الدرامي ("حروب الملك شهريار"، "الجارية والسياف") ومشاهد التأمل الحالم ("شهرزاد في الليلة الأولى"). والألوان الزاهية هنا ليست للزينة، بل هي لغة ذات دلالة: حمرة الدماء، زرقة الليل، وذهبية الأمل.
يتمثل الانزياح الأسلوبي الجوهري في طريقة يكن في تصوير الشخوص. فالوجوه التي يرسمها، والتي قد تبدو للوهلة الأولى مشوهة أو غريبة، ليست سوى محاولة جريئة لتجسيد الانفعالات الداخلية والطبائع النفسية عبر الملامح. فهو لا يهتم بتصوير وجه "واقعي" أشبه بالصورة الفوتوغرافية، بل "يؤلِّف" الوجوه والجسد بالخط واللون، مُذيباً إياها أحياناً في شبكة من الخطوط العضوية والألوان الحالمة. في عصر الصورة الرقمية والذكاء الاصطناعي القادر على محاكاة الواقع بدقة مفرطة، يصر يكن على أن وظيفة الفن التشكيلي هي اختراق سطح المظهر للكشف عن الجوهر النفسي والروحي، مما يخلق مساحة بصرية هي أقرب إلى "حكاية داخل الحكاية".
شهريار: تشريح الاستبداد وتحولات السلطة
من خلال عناوين اللوحات والنصوص الشعرية - النثرية التي يرفقها يكن، يُعاد بناء شخصية شهريار. فهو ليس الطاغية المسطح، بل "الصارم في رغبة الطفل" و"الحاد كنسمة الفراشة" في تناقض صارخ.
اللوحات التي تجسده تكشف عن ثنائيته الداخلية: يحمل "سيف التعسف وبرتقالة الحياة". إنه القوة الجبارة التي تنزع نحو العدم؛ "يملك كل شيء ولا يملك شيئاً". هذا التشريح البصري والنصي يتوافق مع قراءة النقد الحديث لـ "ألف ليلة وليلة" كنصٍ يكشف عن البنى النفسية والاجتماعية للسلطة المطلقة.
في هذه القراءة، تُظهر شخصية الملك أن جوهر الاستبداد هشٌ من الداخل، وهو ينتظر لحظة المواجهة مع قوةٍ ناعمةٍ ومبدعةٍ ليتزلزل. وهكذا، لا يقدم يكن مجرد تأويل لحكاية قديمة، بل يضع إصبعاً على جرح متجدد. فتشريحه لـ"شهريار" – ذلك الكائن المليء بالتناقضات بين القسوة والطفولة، بين امتلاك كل شيء وفقدان المعنى – يذكرنا بأن أنماط السلطة الاستبدادية والهشة ليست حكراً على الماضي، بل هي أشباح تعود لتتجسد في حكايات الحاضر، ما يجعل من لقاء "شهرزاد" الحكيمة ضرورة مستمرة.
شهرزاد: الحكمة كفن للبقاء
أما شهرزاد، فهي قلب المعرض النابض. يصورها يكن لا كضحية، بل كقوة خلق عارمة، هي "التي ولدت من زهرة... من الصخر... من النار". حكاياتها في لوحاته تتجسد كأنهار من الألوان والأشكال العضوية المتداخلة، تغسل غبار التعسف.
في أعمال مثل "شهرزاد الصباح"، يتحول السيف المجرد إلى بساط سحري من الألوان. شهرزاد هنا هي استعارة للفن نفسه: القادر على تحويل الوحشية إلى إنسانية، والموت المحتوم إلى حياة متجددة بالحكي. ذكاؤها هو ذكاء السرد الشعبي، تفهم بنية الخرافة والوعي الجمعي وتستخدمهما سلاحاً. ويمكن تلمّس عمق هذا التصوير في لوحة استثنائية مثل "ليلة شهرزاد الأولى"، حيث لا يقدم يكن مشهداً سردياً تقليدياً، بل يركز على اللحظة النفسية الفاصلة: الوجه الذي يحمل خليطاً من التحدي والخوف والأمل، في تكثيف بصري يعكس جوهر المشروع الفني كله.
السندباد: حكاية داخل الحكاية
يخصص يكن حيزاً لسندباد كاستعارة موازية. إنه "المغامر الذي يفكر بأمور عادية... داخل مقصورته الصغيرة". رحلته بحث عن المعرفة والموت معاً. وجزيرة الأميرة الساحرة، حيث يتحول الرجال إلى حيوانات، هي مرآة لعالم شهريار حيث تُختزل النساء إلى كائنات صامتة. اختيار السندباد المغادرة هو اختيار الحرية والمصير المجهول على أمان العبودية، وهي الحكمة ذاتها التي تقدمها شهرزاد: أن الخلاص يكمن في المغامرة نحو المجهول.
اللمسة الأكثر إبداعاً هي تضمين يكن لنصوصه الخاصة، مما يقيم حواراً بين الوسيطين: الحرف واللون. النصوص في الكاتالوغ ليست شرحاً، بل هي "لوحات كلامية" موازية تضيف طبقة سردية وفلسفية. هذا الانزياح المزدوج – من الحكاية إلى التشكيل، ثم إلى الكتابة التأويلية – يخلق عالماً ثرياً متعدد المداخل، يصبح فيه المتلقي شريكاً في فك شفرات الأسطورة من جديد.
الليالي كمرآة للشرق المعاصر
معرض سعد يكن "ألف ليلة وليلة" هو أكثر من استعادة تراثية؛ إنه محاولة لقراءة الوعي الشرقي من خلال أحد نصوصه التأسيسية. الثنائيات التي يعرضها – الطاغية/الحكيمة، العنف/الجمال – هي ثنائيات حية في واقعنا. وهذا المعرض تحديداً يجد موقعه الطبيعي في قلب تجربة فنان ظل مشغولاً باستكناه طبقات الذاكرة الجمعية، سواءً من خلال ملاحمه السابقة حول "جلجامش" أو عبر انغماسه الحميم في أجواء مقاهي حلب وموسيقييها.
هنا، في "الليالي"، يبلغ حوار يكن مع الموروث ذروته التركيبية، كحصاد لأكثر من عقد من البحث والتأمل في هذا النص. فلم يعد يستحضر الحكاية فحسب، بل يُخضع بنيتها النفسية والسلطوية لتشريح أنثروبولوجي معاصر، مستخدماً كل أدواته من لونٍ وحرفٍ. وتعتبر هذه التجربة من أكثر تجاربه نضجاً، حيث لم يتعامل مع النص كحكايات خرافية للأطفال، بل كبنية فلسفية واجتماعية عميقة. لم يكتفِ يكن برسم المشاهد التقليدية (كالسجادة السحرية أو المصباح)، بل ركز على الجانب الإنساني والدرامي، متمحوراً حول علاقة الرجل بالمرأة كصراع نفسي بين "شهريار" (الذي يمثل السلطة والقسوة والخوف) و"شهرزاد" (التي تمثل الذكاء، الخلاص، والفن)، واستخدم شخوصاً بأجساد تعبيرية، غالباً ما تبدو متعبة أو قلقة، ليعكس واقع الإنسان العربي المعاصر من خلال قناع الأسطورة.
وبينما يحفر هذا المعرض في طبقات الحكاية التراثية، فإن توقيته في قلب هذه الظروف الصعبة يُضفي على مشروعه إلحاحاً راهنياً. فـ"شهرزاد" هنا تتحول من شخصية أسطورية إلى استعارة ملحة للفن والحكمة في مواجهة آلة الاستبداد واليأس. إذا كان شهريار يجسد السلطة المُصابة بالرعب والعُزلة والتي لا ترى في الآخر سوى تهديدٍ يجب إبادته، فإن شهرزاد تُمثل ذكاء الحياة الذي يواجه السيف بالسرد، والموت بالحكاية، والخراب بالجمال.
والشرق اليوم، الذي يعاني من سلطات متعددة وأزمات مُزمنة وحروب طاحنة، هو في أمسّ الحاجة إلى "شهرزادات" جديدة. يحتاج إلى حكايات تُحكى له – عبر اللوحة والقصة والفيلم والفكر – لا لتخديره أو لتهريبه من واقعه، بل لإضاءة منافذ الخلاص الممكنة من داخل دهاليز أزمته.
معرض سعد يكن، بهذا المعنى، هو أكثر من مناسبة فنية؛ إنه دعوة إلى استعادة دور الفن الشهرزادي: أن يكون سلاحاً ناعماً لا يقتل، بل يُعيد تعريف الحياة ذاتها، وأن يرشدنا، من خلال جماله المُقلق وأسئلته العميقة، إلى طرق النجاة والتحرر.
ببصمته الفريدة يركز يكن على البعد الأنثروبولوجي للسلطة ودمج الوسيطين، مما يجعل معرضه اقتراحاً لقراءة النص ليس كتراث فولكلوري جميل فقط، بل كمرآة نقدية عاكسة للحظة الراهنة. يؤكد يكن أن وظيفة الفنان، في زمن الأزمات، تتشابه مع وظيفة شهرزاد: ليس تقديم الهرب من الواقع، بل صنع 'بساط سحري' من الألوان والأفكار نعبر فوقه نحو فهم أعمق لتناقضاتنا، عسى أن نجد في نهايته، ليس الخلاص السحري، بل بذرة الأمل الواعي.



