رواية الجندي المجهول: حين تتحوّل الحكاية الشعبية إلى بطل روائي
-
رواية الجندي المجهول لمحمد عيسى المؤدب
ما هو الدور الذي يمكن أن يضطلع به الرمز التاريخي في بناء العمل السردي؟ وما هي العلاقة بين ما حدث في تونس وبين البنى النفسية للأبطال الذين أدّوا دور المرايا المتعاكسة لتصوير الصراع بين الدفاع عن الهوية الوطنية، وبين محاولة ردمها تحت أيديولوجيا ظلامية وأولغارشيا مالية متصدّعة منذ عام 2011.
تونس رمز ضد الهزائم
لا يمكن الحديث عن المدينة العتيقة في تونس من دون التطرّق إلى سوق السكاجين وقبر الجندي المجهول. هذا المعلم التاريخي الذي ينتصب وسط السوق ويثير رهبة المارة حتى تحوّل إلى أحجية شعبيىة. وتتمحور رواية محمد عيسى المؤدّب الصادرة عن دار ميسكلياني للنشر حول علاقة هذا القبر بطبيعة الشخصية التونسية وتصدّعاتها أمام الهجمات الخارجية، بدءاً من الغزو الإسباني في القرون الوسطى، والاستعمار الفرنسي، وصولاً إلى المجموعات الإرهابية التي حاولت احتلال الفضاء العمومي وفرض نمط تفكير غريب عن الفكر التونسي الأصيل المتسم بالتسامح.
سيرة المكان – سيرة الزمان
تمتد الأزمنة في الرواية قروناً عبر السرد التاريخي، كما تتوازى مع الزمن الداخلي للأبطال عبر تداعي تفاصيل دقيقة عن حيواتهم وانكساراتهم ومدى تشبّثهم بالحياة. استخدم الكاتب بيبليوغرافيا تاريخية موثّقة من دون أن يسقط في فخّ المعلومات العلمية، وإن كانت البحوث التاريخية تبقى منقوصة حول أسطورة ظلّت غير مستعدّة للكشف عن كلّ أسرارها، لكنها في المقابل تدفع بالجميع نحو استلهام صورة الفداء والتضحية. وقد ورد في الرواية "لقد أدرك الجميع أيامها أمام قبر الجندي المجهول أنّ الموت ليس فقداناً فحسب، بل هو امتحان لذاكرتنا. فالقبر لم يكن لحفظ الموتى، بل لحفظ الأحياء من جحود النسيان".
وفي مقابل رسم بورتريهات الأبطال وهم: ثامر عبد اللطيف ونائلة المليكي وأم الخير الأرملة، نجد صوراً لشخصيات عاشت حيوات سابقة تبرز عبر الحكي والإشارة إلى الأدوار التي أدّتها في التكثيف الدرامي لمصائر الأبطال.
هناك الشخصيات الأصيلة والتي تمثّل عالم الكتب والمخطوطات وترتبط بحب المدينة العتيقة وقشلة العطارين. المكتبة التي تعجّ بنفائس مكتوبة ومتوارثة عبر الهبات الشخصية أو الاقتناءات العمومية، وتتمتّع بحسّ إنساني وعاطفي عميق تجاه كلّ ما حولها. وتظهر الشخصيات المرضيّة التي لا تملك مقوّمات البقاء في مجتمع متجذّر، ولذلك فهي طارئة وتحمل سمات زوالها. شخصيات بتركيبة نفسية وذهنية مزيّفة، فنجد الآنسة سين التي استغلّت الدين لتسطو على أملاك وتشحذ نفوذاً عبر أذرع متشابكة المصالح، وشخصية نبيل الزوج السلفي الذي يحمل عجزه عن الحب وعن العطاء عبر انتهازية مفرطة يحيط به حزام من رجال الأعمال الفاسدين لينتهي به الأمر إلى الجنون بعد أن يفقد منزلته الاجتماعية وأمانه المالي.
تصف نائلة المليكي شخصيته بقولها بعد حديثها مع الطبيب النفسي، "..قال (الطبيب) إنّ شخصية نبيل هشّة، مضطربة، سهلة الاختراق والاحتواء. وقد انهار تماماً من جرّاء وضعه النفسي والاجتماعي الجديد. فهو فاقد للقوة والسلطة والأمان وهو ما جعله ينحو نحو العنف بشتى أنواعه. الخطر الأكبر أنه بات طيّعاً يأتمر بأوامر الفكر المتشدّد ومن غير المستبعد أن تحتضنه شبكات التسفير والجهاد ما دامت ستمنحه الأوهام بالسعادة مكانته ومركزه الاجتماعي".
قد يكون هذا الاعتراف في إطار الحوار مع ثامر عبد اللطيف الصديق القديم لوالد نائلة وهو يحيى المليكي مرمّم المخطوطات. هناك تحليل لشخصية الجهادي الباحث عن التعويض عبر إسقاط الواقع على آخر أخروي قيامي. لا مجال فيه للمرأة إلا كضحية تابعة، وهو ما يتنافى مع شخصية المرأة في المجتمع التونسي كرمز للحرية وللدفاع عن العقلانية والانتصار للحب. ومن خلال هذه النقطة يكتشف القارئ العلاقة الخفية بين نهاية نائلة المأساوية وهي الذبح مع نهاية الصحافية نورة عبد اللطيف الابنة التي توفيت في ظروف قاهرة في منطقة البليدة بالجزائر عبر مطاردة من مجموعة إرهابية زمن ما سمّي العشرية السوداء. يقول ثامر عبد اللطيف الأب المكلوم في ابنته شهيدة البحث عن الحقيقة "كنت أعرف جيداً أنّ صوتها لم يعد يرتجّ سوى في خيالي، وأنّ الذاكرة تعيد تشكيل الحقيقة بطرق قد تضمن لنا قدراً أقلّ من الألم، لكنها لا تفتأ تعمّق جرحنا أكثر".
السفر عبر الأزمنة
بالموازاة مع رواية الحاضر نجد روايات متفرّقة حول نساء قاومن المستعمر الطامع في الاستيلاء عليهن، وكان الجندي المجهول في كلّ مرة يحاول أن ينتصر للخير وللعرض.. فنجد "حكاية الجندي الذي قاتل الإسبان مقطوع الرأس". يقول المؤلف على لسان أحد الرواة "..في مساء ذلك اليوم دفن أهالي الحاضرة شهيدهم خير الدين وقد انفجرت الحناجر تصدح باسمه، وظلّ الناس يلهجون بتفاصيل أيّام النكبة الثلاثة وبقصة قاسم.. قاتل أول إسباني بحاضرة تونس في واقعة شرف". ويسرد المؤلف "حكاية قلعة القصبة" التي شهدت معركة ضدّ الجنود الأتراك وانتهت بأن تخلّصت الحاضرة من كابوس الجنود، ودفن الشهيد بيد غادرة في المكان الذي سقط فيه. لا أحد يعلم من غدر به، أكان الجندي التركي أروخان؟ أم أحد الجواسيس المنتشرين في المدينة... تعاقبت الأعوام وتتالت الأحداث بعد تلك الأيام، ونسي الناس.. واعتادوا على تسمية القبر المشهور بالجندي المجهول.
ولم يتوقّف الناس عن صنع الحكايات إذ إنّ الرواية تتحدّث عن "للا قمر" وتصف الواقعة بأنها "حدثت في العام الأول لاستعمار الفرنسيس لبلادنا". إن كان القبر في كلّ مرة يحمل شخصية جديدة فهو لا يستجيب فنياً لحكاية أنه لأحد الموتى المنسيين ضمن مقبرة جماعية، وضع في السوق بعد أن محيت هذه الأخيرة أو نقل رفات من فارقوا الحياة إلى مكان أوسع.
وعلى غرار ما هو متوارث منذ قرون عمد المؤلف في نهاية الرواية إلى اتباع المسلك نفسه الذي صار عليه الرواة عبر التدوين الشعبي الذي يتشكّل بحسب الحاجة إلى إثراء الحكاية بشخصيات تتفق مع الزمن الحاضر. ذلك أنها تفتح باب الخيال مرة أخرى للأسطورة حيث يكتشف القارئ ضحية جديدة قرب قبر الجندي المجهول ولا يعرف كيف سينتصر لها الجندي المجهول.
فالحكاية الشعبية وظيفتها تشكيل قوة مضادة للروايات الرسمية وصنع صوت للفئات غير المرئية، وإبراز كيف كانت الطبقات الشعبية تتحدّى السلطة الغاشمة أو تعرقل عملها. وتتجاوز الإطار المكتوب إذ تعتمد على الذاكرة الشفهية لسدّ النقص الحاصل في الظواهر الخاضعة للتفاسير العقلانية على حساب الخيال والكتابة الأدبية.