رقصة الـ"أنا" على أنقاض الـ"نحن"

تُغذي منصات التواصل "الأنا" وتُضخمها، وتخلق أوهاماً بالتفرد والعظمة، بينما تترك الفرد في أعماقه وحيداً، غارقاً في مقارنات لا تنتهي، وعطشٍ لا يُروى للاعتراف الخارجي. إنها آلةٌ عظيمة لصنع العزلة في قلب الضجيج الظاهري للاتصال!

  • "ابن الإنسان"، رينيه ماغريت، 1964

في زحمة هذا العصر المتسارع، حيث تتدافع الصور وتتعالى الأصوات في فضاء افتراضي لا ينتهي، تطفو على سطح الوجود البشري ظاهرةٌ مقلقة: صعودٌ متعاظم للنزعة الفردية، وانحسارٌ مخيفٌ للقيم الجماعية التي ظلّت لقرونٍ حجر الزاوية في بناء المجتمعات الإنسانية. لقد تحوّل الفرد من خلية في جسد المجتمع الحي إلى جزيرة منعزلة تلهث وراء مرآتها، تسعى بكل جهدها إلى نحت تمثالها الخاص في فضاءٍ من التنافس والاستهلاك.

لم يعد "الخير المشترك" شعاراً يلهب الحماس، ولا "التضامن" قيمةً تُلهِم الفعل، بل حلَّ محلهما هوسٌ بالذات، وسباقٌ محمومٌ نحو تحقيق الرغبات الفردية، حتى لو كان الثمن هو تمزيق النسيج الأخلاقي المشترك. لقد أصبح "أنا" هو البطل الوحيد في سردية الحياة، وبات "النجاح" يُقاس بمقدار ما يجمعه الفرد من مكاسب مادية أو شهرة افتراضية، بمعزلٍ عن أثره في محيطه أو قيمته للمجموع.

ويأتي منطق الاستهلاك الجارف ليكون وقوداً لهذه النار. فهو لا يبيع سلعاً فحسب، بل يبيع هويات وأحلاماً وهمية. كأنه شيطان يوسوس في أذن كل فرد: "أنت مميز"، "استحق الأفضل"، "عش حياتك لنفسك". فيتحول الإنسان إلى مشروع استهلاكي متجدد، هدفه الأسمى إشباع اللحظة، متجاهلاً حاجات الجماعة وضرورات الاستدامة. وتتعزز هذه الرسالة عبر قيم السوق المتوحشة التي تحوّل كل شيء، حتى المشاعر والعلاقات، إلى سلعٍ قابلة للتقييم والمقايضة، فتتلاشى المعاني الإنسانية العميقة في بحر المعاملات التجارية.

ولا يقل خطراً دور بعض "مدرّبي الحياة" الجُدد، أولئك الذين يتخذون من منصات التواصل منابر لهم. فهم، تحت شعارات جذابة مثل "ركز على نفسك"، "لا تسمح لأحد أن يعيق تقدمك"، "أنت الكون"، يغذّون نزعة الأنانية ويقدّسون الفردية المفرطة. يحوّلون السعي نحو التميز الشخصي، وهو سامٍ في جوهره، إلى عبادة للذات، وقطعٍ للروابط التي تشد الإنسان إلى أخيه الإنسان. يصبح التميز مجرد قناع براق للنرجسية المتضخمة.

وتأتي وسائل التواصل الاجتماعي لتكون المسرح الأكبر لهذه المأساة. فهي تقدم لكل فرد منصةً ليكون نجمها الخاص، ومرآةً دائمة تعكس صورته مكبّرةً، مهما صغر شأنها. تتحول الحياة إلى "ستوري" يُروى، وإلى "لايكات" تُحصى، وإلى صورةٍ مصقولة تُعرض. تُغذي هذه المنصات "الأنا" وتُضخمها، وتخلق أوهاماً بالتفرد والعظمة، بينما تترك الفرد في أعماقه وحيداً، غارقاً في مقارنات لا تنتهي، وعطشٍ لا يُروى للاعتراف الخارجي. إنها آلةٌ عظيمة لصنع العزلة في قلب الضجيج الظاهري للاتصال!

النتيجة؟ مجتمعات تتحول إلى جزرٍ متفرقة. عزلة روحية قاتلة تخترق القلوب رغم اتصال الأجهزة. تفكك في الروابط الأسرية والاجتماعية، حيث تضعف أواصر الثقة والتعاون. وتتصاعد نزعات الصراع والتنافس غير الشريف، حيث يصبح الوصول إلى القمة، أياً كانت تلك القمة، هو الهدف الأوحد، حتى لو داست الأقدام على القيم الأخلاقية والإنسانية الجامعة. فــ "الغاية تبرر الوسيلة" في سباقٍ لا يرحم، والأخلاق تصبح ترفاً يُستغنى عنه في معركة البقاء الفردي.

هذا التحول ليس ترفاً فكرياً، إنه زلزال يهز أركان كينونتنا الاجتماعية. فالإنسان، بفطرته، كائنٌ اجتماعي يحتاج إلى "نحن" ليكتمل. صحيح أن الفردية المسؤولة والوعي بالذات ضروريان للنمو، لكن عندما تتحول إلى عبادة للذات وتقويض للروابط الجماعية، فإنها تصبح طريقاً إلى الفراغ والعدمية.

إن تحدي عصرنا ليس في إلغاء الفرد، إنما في إعادة التوازن. في بناء فردية واعية تدرك أن قيمتها الحقيقية تنبع من انتمائها الفاعل والمحب والمتضامن مع الجماعة الإنسانية الأوسع. قبل أن تصبح جزرنا المنعزلة أطلالاً على شاطئ إنسانية منسية.

اخترنا لك