"رحبانيات" تبهج قلوب الحاضرين اليائسة وتنير ظلمة العائلات البائسة

  • "رحبانيات" تبهج قلوب الحاضرين

إرث الراحل إلياس الرحباني الفني عريق بعراقة الحضارات، ومبني على تطور الإنسان الأنثروبولوجي على مرّ العصور، فالإنسان ينتقل تدريجياً من أسلوب معيشي في قمة البساطة، عبر استخدامه طرقاً وسبلاً ومهارات بسيطة ضمن جماعات صغيرة في القرى، إلى أسلوب متطور في غاية التعقيد، يضم الكثير من الرموز، وتطوراً لغوياً ومعرفياً في شتى الميادين داخل أنظمة اقتصادية وسياسية واجتماعية جديدة تتفتح زهور قواعدها وأصولها مع التطور الدماغي للإنسان، والاكتساح التكنولوجي لمنهجية الحياة، بالإضافة إلى التحولات العالمية والإقليمية.

قاعدة هذا الإرث هي الإنسان، فمهما يكن من تغيرات وتبدلات، ستبقى هناك قضايا لن تتبدل أبداً في المستنقع البشري، مثل التفاوت الاجتماعي، والطبقية، والجريمة، والعدل، والفقر، والعلاقات الاجتماعية، وتنظيم الأسرة والزواج، وصراع السلطة مع الشعب، والصراعات السياسية بين الدول. 

داخل هذه القاعدة، استخدم إلياس لغة رؤيوية، بسيطة التركيب، سهلة الحفظ، شديدة التأثير وقاسية في التعليم. أغنية "يا بو مرعي" خير مثال على تعلق الأجيال بها في جميع العصور، فهي تعرض مشكلة تحصل في كل زمان ومكان.

فكر إلياس الفني هو تجريدي بامتياز، مضمونه طبي للنفوس، ثقافة وتثقيف للعقول، مبهج للقلوب والمشاعر. لا ينعم الحاضرون بوجوده وما يبعثه من المسرة والمرح في المناسبات الجميلة والترفيهية والرسمية فقط، بل أثبت أنه الدواء في المناسبات الأشد تعاسة وبؤساً. يطلق العلم على الشيء الذي يبهج النفوس ويجلب الفرح والراحة في أقسى الظروف مصطلح "مثيرات المرونة النفسية" (Psychological Resilience Factors) أو "المحفزات الإيجابية الدقيقة" (Micro-moments of Positivity). المرونة النفسية (Resilience): وهي قدرة الإنسان على التكيف والتعافي من الصدمات والظروف القاسية، وتعمل هذه المبهجات كوقود يعزز هذه القدرة. كيمياء السعادة (Neurochemistry): تؤدي هذه المثيرات إلى تحفيز فوري للدماغ لإفراز ناقلات عصبية مثل الدوبامين (هرمون المكافأة والبهجة).

ليلة الأربعاء في 21 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، في كازينو لبنان، كانت الشاهد والمؤكد والمثني على قولنا أعلاه. ونسأل: هل اللبنانيون في حالة من الحبور والانشراح لحضور الحفلات؟ أو هل كان اللبنانيون يحضرون حفلات مميزة ويستمعون إلى أعمال ذات قيمة واستمرارية؟ طبعاً لا. 

لذلك أتوا إلى حفل كــ "فشة خلق" وهروب من "النجاسة" الفنية والأوضاع المتردية في شتى المجالات في الحياة. عمل إلياس الرحباني كان لمتعة الإنسان وإسعاده، فهو شخصياً لا يجد سعادته إلا برؤية الجميع سعداء، فالجهة المنظمة للحفل "Enfants de Lumiere"، والمعنية بأهدافها بإطعام وإيواء وتلبية حاجات العائلات المحتاجة، رأت بدورها الرجاء والأماني والأمل في خدمة الهدف باستقطاب غسان الرحباني وفرقته الموسيقية مع رانيا الحاج وجيلبير جلخ، "الفكر كان مبسوط، الجيبة مبسوطة، والبال كان مرتاح عند الكل". 

إن جمعية "Enfants de Lumiere" هي من هذا الوطن وتعلم بكل الصعوبات والمشقات التي يواجهها المواطنون، فالأسعار كانت مرضية، معقولة، منطقية ومقنعة. وهذه خطوة مشهود لها بالشفافية والالتزام والاستمرارية.

لم نر لحد الآن نسخة من "رحبانيات" كهذه النسخة، فالحضور كان في حالة اصطهاج كامل، وجنون في التفاعل، حيث أتى كل فرد حاملاً همومه وأوضاعه وتساؤلاته، شاكياً بها إلى إرث إلياس الرحباني، فمنهم من بكى، ومنهم من رقص، ومنهم من تأمل في بلد الأمل. 

بسمة كانت مفقودة، رسمتها "رحبانيات" على طول الحفل، فأنست المواطنين الخارج ومشاكلهم التي أتوا بها. حفل "Enfants de Lumiere" كان بلد الأحلام في مسرح كازينو لبنان.

أداء الفرقة في هذه النسخة لم يكن، كالمعهود، محترفاً وحسب، بل تخطى حدود الاحترافية والمقدرة لبناء تأثير غير محدود من الجمال والنضارة والارتياح والانشراح. أما رانيا الحاج فكانت في فضاء الفن وخيالية الأداء مع دفء سحر صوتها وجمال نبرته، أثره مغناطيسي أخذ الحاضرين إلى عالم جديد، إذ تقمصت القضية التي تخدمها ونفسية الناس لتقوم بما قامت به على المسرح. 

أما جيلبير جلخ، أو الفارس المتقمص، فأدى الأداء الخرافي بنقل جو الأغاني والأعمال بأصالتها الأساسية لفنانين آخرين. دائماً يقرأ الأجواء بفكره ويعطي بصوته أبعاداً درامية تجعل السامعين أكثر سمعاً، والمنطربين أكثر طرباً، والمتفاعلين أكثر تفاعلاً.

أخيراً، أبهجت "رحبانيات" قلوب الحاضرين اليائسة وأنارت ظلمة العائلات البائسة.

 

اخترنا لك