ذاكرة المكان والإبادة
الأدب هو الوثيقة والهوية اليوم، ليس لأنّ الفلسطيني يكتب أفضل من غيره، بل لأنّ الواقع يفرض عليه أسئلة أخلاقية يعيشها العالم كله.
-
(غزة)
لم أتخيّل للحظة أنني سأعيش إلى اليوم الذي سأحصل فيه على تجربة جديدة من الإبادة، حيث أغرق الآن في إبادة البُعد القسري عن الوطن، أعيش وجع الاغتراب داخل تفاصيل اللحظة، مصاباً بهوس التواصل مع الأقران والأهل والأصدقاء، للحصول على التفاصيل الصغيرة التي لا تهم أحداً.
كانوا يقولون دائماً إنّ الفواجع لا تقع على الأشخاص الذين يتعرّضون للمصائب فقط، وإنما على الأقران والأهل الذين يعيشون بعيداً عن الحدث، حيث إنّ كلّ جوارحهم ستظلّ معلّقة هناك، حيث الألم.
واليوم، كان لا بدّ للشاهد الذي عاش تفاصيل الإبادة في شمال غزة من أن ينتقل من مربّع الشهادة على الإبادة إلى الشهادة أمام العالم، وتصدير المعرفة، وليس تصدير الألم وحده، إذ قرّرت منذ اللحظة الأولى لوصولي إلى القارة العجوز أن أختبر ضمير الآخرين بعد هذه الإبادة التي تحدث كلّ لحظة على الهواء مباشرة. إلى أيّ حال وصل الإنسان الغربي مع هذا الجنون الذي يسحق أخاه الإنسان في غزة؟ وقد وجدت أثراً لدى أحد المشاركين، الذي قال لي عند الانتهاء من ندوة حاشدة في إيطاليا، باختصار: لم أكن أعرف.
هنا، كغيري من الأصدقاء الذين يعيشون في أوروبا منذ وقت طويل، قرّرت الانتقال من فكرة الحديث عن تدمير البيوت إلى الحديث عن تدمير الإنسان، فمهمّة الأدب اليوم ليست استدرار العطف فقط، بل إعادة الإنسان إلى صورته الحقيقية، محاولاً الزجّ بكلّ الوسائل الملموسة أمامي لتكون أداة لتسليط الضوء على مظلوميّتي كفلسطيني.
أحاول رسم المشاهد قبل نطق الحروف، أخبرهم بكلّ صدق كيف أنني، عندما أنتظر القطار، أتذكّر كيف كنا إبان الأحزمة النارية ننتظر الإسعاف لينقل الجرحى، من دون أن يأتي، فنضطرّ لنقل الجرحى والشهداء والأشلاء على وسائل بدائية، في ظلّ تدمير معظم وسائل المواصلات في شمال غزة.
أتحدّث عن المكتبات التي أجلس داخل كتبها كنصّ طارئ، وأتحدّث عن تدمير مكتبتي في مخيم الشاطئ، ثم أنتقل للحديث عن تدمير جميع المؤسسات التعليمية والثقافية والبحثية في كلّ ردهة من مدينتي، لعل كتاباً ينفجر كقنبلة في وجه بائع الصواريخ والبنادق إلى القتلة.
أستثمر الحضور كنماذج لبشر آخرين يشبهونهم جداً، يموتون الآن بينما ينام العالم، والأطفال يصرخون في وجهي لأتحرّك وأقاتل بالكلمات والحروف كلّ نواميس الكون. أتوقّف عن الكتابة بأسلوب الفانتازيا الذي اعتدته، ورمزية اللغة التي عشت معها أعواماً طويلة، بل مستخدماً أسلوب المباشرة والسرد التقريري، لأنّ القصص والحكايات التي نحملها من غزة تفوق الخيال.
في كلّ ندوة، أحاول خلط اللغة والذاكرة والعلاقات الاجتماعية بالدم، فهل يقدر الإنسان بعد ذلك على الفرح؟ ما هو شعور الإنسان حين يأكل وهو يعرف أنّ هناك من يتضوّر جوعاً؟ هل سيسعد بالحديث عن تخرّج صديقٍ أو رفيقٍ أو ابنٍ، بينما تُقصف الجامعات فوق رؤوس الطلبة في الشرق الأوسط؟ هل سيرى هؤلاء الدم ينساب من وجوه أبنائهم وبناتهم حين يتذكّرون ماذا فعلت صواريخ الأميركيين بمدرسة للأطفال في إيران؟ هل سيدركون معنى أن تصبح حدائق المدارس قبوراً للأطفال في شمال غزة؟ هل يمكنهم تخيّل أنّ الحديقة الوحيدة في مخيم الشاطئ باتت مقبرة، دُفنت فيها قدم أبي وأجساد جيراني والأصدقاء؟
هنا يتجلّى دور الأديب، ولعل هذا ما أشار إليه صديقي قبل قليل، إذ كانت وصيته لي أن أتحدّث بلغة الأدب، لأنّ النشطاء السياسيين كثر، لكنّ تأثيرهم لن يكون كتأثير الأديب، لأنّ لغة الأدب تدوم، ولا يستطيع أحد أن يلغي حضورها في أيّ زمان. فالنص ضرورة عالمية، حكاية تحملها الريح إلى كلّ الأزمان والعصور، لتبوح بانهيار القومية والعروبة والإنسانية، حيث يتفرّج الجميع على قتل الطفل واغتصاب الفتاة والأسير، وحرق البيوت على من فيها، من دون أي موقف رسمي حقيقي.
الأدب هو الوثيقة والهوية اليوم، ليس لأنّ الفلسطيني يكتب أفضل من غيره، بل لأنّ الواقع يفرض عليه أسئلة أخلاقية يعيشها العالم كلّه. لذلك، مطلوب من الأديب والإعلامي العربي أيضاً أن يتحدّثا بصوت مرتفع عن العدالة والحقيقة والشهادة؛ لأنّ الإنسان الفلسطيني واللبناني، وكذلك الفارسي، ليس رقماً.
مطلوب أن يكتب عن تخاذل الأنظمة وتواطؤ كثير منها مع الإمبريالية ضدّ الجين العربي الفلسطيني واللبناني والفارسي أيضاً؛ لأنّ هذه الوثائق ستظلّ كتباً مقدّسة للأجيال اللاحقة التي ستكتشف الحقيقة أمام تزوير التاريخ الذي يعمل عليه العسس وكتبة الحكّام وجلاوزتهم منذ عقود.
الأدب يجب أن يكون قنبلة تنفجر في وجه القواعد الأميركية بالمنطقة العربية، وفي وجه الجنود المدججين بالحقد، الذين يخرجون إلى بلاد العالم للترويح عن النفس، بعد اغتصاب المعتقلين في سجون الاحتلال، وحرق الأطفال، وانتهاك أنوثة النساء، وقتلهنّ بدم بارد.