ديكتاتورية "الجمال" في زمن "الفلاتر": هل اختفى القبيح؟

كيف تفرض "الفلاتر" وخوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي نموذجاً موحداً للجمال يمحو فرادة الوجوه وآثار الزمن والتجربة؟

فتح الفن الحديث والمعاصر، منذ أكثر من قرن، باباً واسعاً أمام "القبح"، ومنحه مكانة إستتيقية ضمن ما يصطلح عليه بـ"إستطيقا القبيح". 

ولم يكن القبح غائباً تماماً عن الفنون السابقة، لكنه اكتسب مع الحداثة استقلالاً ومركزية أكبر، بعد أن كان يظهر غالباً داخل سياقات دينية أو أخلاقية أو سردية.

هكذا صار المنجز البصري يستوعب التشوه والتصدع والاهتراء بوصفها ذرائع لتأمل العالم وإدراكه. واختارت تجارب فنية الانزياح عن التصورات التي جعلت الانسجام والتناسب في قلب القيمة الفنية، واقترحت أعمالاً تستفز النظر شكلياً أو مفاهيمياً، لا لأن جمالية العمل لم تعد مهمة، بل لأن الموضوع أو المفهوم قد يتجاوزان العمل الذي يغدو حاملاً مادياً لهما.

في المقابل، تعمل المنصات الرقمية على محو القبيح من الحقل البصري اليومي عبر "الفلاتر" وتقنيات التجميل الرقمي وخوارزميات تحسين الصورة، حتى تتقارب الوجوه وتتشابه الأجساد في نمط واحد يتكرر على الشاشات. 

يكشف هذا التناقض عن معركة حول من يعرّف الوجه الإنساني، ومن يقرر ما يستحق أن يُرى أو يُخفى. وتتحول الصورة إلى سؤال يمسّ علاقة الإنسان بجسده وزمنه وحقيقته: هل يظل الجمال قيمة تكتشف في تنوع الوجوه واختلافها، أم يصير قالباً واحداً تصب فيه الملامح حتى تفقد فرادتها؟

القبح شهادة على الحقيقة

يحمل تاريخ الفن، منذ منعطف الحداثة مع شارل بودلير، اعترافاً متزايداً بأن الجمال وحده لا يكفي لتفسير التجربة الإنسانية. فقد أظهر بودلير في "أزهار الشر" إمكان توليد الجمال من الشر والتحلل والهامش، وفتح بذلك أفقاً أمام فنانين وجدوا في القبح مادة خصبة للتعبير عن الألم والانحطاط والحرب.

أما فرانسيسكو دي غويا فصوّر عنف الحرب في لوحتي "الثاني من مايو" و"الثالث من مايو"، وفي سلسلة حفريات "كوارث الحرب"، ثم دفع رؤيته القاتمة إلى مدى آخر في "اللوحات السوداء" التي تناولت الخوف والعنف والجنون والموت.

وكذلك إيغون شيلي الذي رسم أجساداً هزيلة وملتوية، ببشرة شاحبة وألوان توحي بالمرض والتحلل، بينما وظّف عدد من فناني التعبيرية الألمانية، التي نشأت قبل الحرب العالمية الأولى، تشويه الشكل والخطوط الحادة لنقل صدمة الحرب وآثارها.

لا يعني الدفاع عن القبح تمجيد التشوه أو رفض الجمال، بل حماية حق الصورة في الاختلاف، وحق الإنسان في الظهور حاملاً آثار عمره وتجربته، بعيداً عن مقياس رقمي موحد يطالبه بأن يكون نسخة قابلة للإعجاب.  

ثم في القرن الــ 20 حيث حوّل فرانسيس بيكون الوجه إلى كتلة من اللحم والصراخ، بينما رسم لوسيان فرويد، في مسار موازٍ، الجسد بثقله وترهله وتجاعيده، رافضاً التجميل الأكاديمي.

ويتقاطع هذا المسار مع الأساس النظري الذي قدمته جوليا كريستيفا في كتاب "قوى الرعب"، حين صاغت مفهوم "المنبوذ" أو الـAbject، لا "المدنس" بالمعنى المقابل للمقدس، لتفسير الانجذاب والنفور مما يهدد الحدود بين الذات والموضوع، والحي والميت، والنظيف والملوث. 

ومن تصورها يمكن القول إن الصورة المربكة تعيد إلى الوعي ما يحاول المجتمع إخفاءه، مثل الموت والمرض والشيخوخة.

ونجد لدى فريدريك نيتشه في كتاب "أفول الأصنام"، تصوراً يرى أن القبيح يضعف الإنسان ويذكره بالتحلل والخطر والعجز، وأن الحكم على الجميل والقبيح يتصل بحالة الجسد وقواه الحيوية أكثر من اتصاله بمعيار أخلاقي ثابت. 

وعلى هذا الأساس تريد أجساد موقع "إنستغرام" أن تبدو "أجمل"، لا بقصد تجميل العالم، بل سعياً إلى العدد الأكبر من الإعجابات، في ثقافة الاستجابة الفورية أو "الواو" التي ينتقدها بيونغ تشول هان.

تنتقل عقيدة النعومة إلى الوجوه عبر تطبيقات تمحو المسام والتجاعيد والندوب وعدم التناظر، فتنتج وجهاً أملس بلا تاريخ، يشبه وجوهاً كثيرة خضعت للمعالجة نفسها. وتساهم الخوارزميات بذلك في فرض معيار جمعي يمحو خصوصية الملامح الثقافية والشخصية.

ويؤكد أمبرتو إيكو في "تاريخ القبح" أن كل عصر يحدد قبحه وجماله، وأنهما يسيران جنباً إلى جنب. يحمل القبح في الفن وظيفة معرفية، لأنه يعيد للصورة سلطتها بوصفها شاهداً على تجربة حية. يصبح الوجه المتشقق، بهذا المعنى، أكثر قدرة على قول الحقيقة من الوجه الأملس، لأنه يحمل أثر الزمن والتجربة والانفعال، بينما يظل الوجه المصقول معلقاً خارج التاريخ.

النعومة الخوارزمية ومصادرة القبح

يقدم الفيلسوف الكوري الجنوبي، بيونغ تشول هان، في كتاب "خلاص الجمال" مفهوم "الأملس" بوصفه الصفة المهيمنة على الأشياء المعاصرة، من الجسد منزوع الشعر و"الآيفون" إلى منحوتات جيف كونز والوجه المصقول بالفلاتر.

والأملس سطح خال من الجرح والعمق وأثر الآخر، يمنح نفسه للعين بلا مقاومة، ويفقد قدرته على إنتاج التجربة الإستتيقية بمعناها العميق. 

ذلك أن الجمال الحقيقي يحتاج، وفق هان، إلى قدر من السلبية والمقاومة والغرابة، بينما تنتج النعومة متعة فورية قابلة للاستهلاك والنسيان.

يحمل القبح في الفن وظيفة معرفية، لأنه يعيد للصورة سلطتها بوصفها شاهداً على تجربة حية. يصبح الوجه المتشقق، بهذا المعنى، أكثر قدرة على قول الحقيقة من الوجه الأملس، لأنه يحمل أثر الزمن والتجربة والانفعال، بينما يظل الوجه المصقول معلقاً خارج التاريخ.

تنتقل هذه العقيدة إلى الوجوه عبر تطبيقات تمحو المسام والتجاعيد والندوب وعدم التناظر، فتنتج وجهاً أملس بلا تاريخ يشبه وجوهاً كثيرة خضعت للمعالجة نفسها. ويبلغ هذا التوحيد ذروته فيما يسمى أحياناً "وجه إنستغرام"، وهو نموذج متكرر يجمع بشرة شديدة النعومة وشفاهاً ممتلئة وأنفاً صغيراً ووجنتين بارزتين وعينين مسحوبتين. وتساهم الخوارزميات بذلك في فرض معيار جمعي يمحو خصوصية الملامح الثقافية والشخصية.

ظهر عام 2018 تعبير "تشوه سناب شات" لوصف ظاهرة لدى بعض المراجعين الذين يطلبون إجراءات تجميلية كي يشبهوا صورهم المفلترة. لكنه ليس تشخيصاً طبياً مستقلاً، بل وصف لظاهرة قد تتقاطع مع اضطراب تشوه صورة الجسد. فيغدو الجسد الحي مطالباً باللحاق بصورته المصنعة.

ولم تكن الصورة الفوتوغرافية يوماً خالية من الوساطة، لأنها تخضع لاختيار الإطار والعدسة والزاوية والتعريض والمعالجة، لكن التصوير الحاسوبي أضاف اليوم طبقات آلية أوسع من التحسين وإعادة البناء منذ لحظة الالتقاط. هكذا تصبح الصورة المعالجة هي المعيار الذي تقاس عليه الصورة الطبيعية، فتبدو الملامح الواقعية ناقصة حين تحتفظ بآثارها.

يكشف التناقض بين احتفاء الفن بالقبح وسعي المنصات الرقمية إلى محوه عن معركة حول من يعرّف الوجه الإنساني، ومن يقرر ما يستحق أن يُرى أو يُخفى. وتتحول الصورة إلى سؤال يمس علاقة الإنسان بجسده وزمنه وحقيقته: هل يظل الجمال قيمة تُكتشف في تنوع الوجوه واختلافها، أم يصير قالباً واحداً تُصب فيه الملامح حتى تفقد فرادتها؟ 

وقد تستمد الصورة قوتها من تفصيل عابر يوقظ الذاكرة، وهو ما يقترب من مفهوم "البنكتوم" لدى رولان بارت في كتاب "الغرفة المضيئة"، أي التفصيل العرضي الذي يخز المتلقي ويحمل أثراً شخصياً مرتبطاً بالزمن والغياب. 

هذا التفصيل هو نفسه ما تعمل "الفلاتر" على إزالته، فتترك سطحاً منسجماً بلا مفاجأة. وبذلك يخسر الحقل البصري التفرّد الذي تحمله الندوب والتجاعيد، والزمن الذي تسجله البشرة، والصدق الذي كانت الصورة تعد به.

القبح أداة نقدية

يستعيد الفن، في مواجهة هذا التعقيم الجارف، القبح أداة نقدية، لأنه يقاوم التوحيد والتسليع ويعيد للصورة قدرتها على المساءلة. ويعرض فنانون معاصرون أجساداً حقيقية بعلاماتها، أو يستخدمون التقنيات الرقمية لكشف آلياتها، سعياً إلى صورة تشبه أصحابها، لا خوارزمية تجميل واحدة.

لذلك لا يعني الدفاع عن القبح تمجيد التشوه أو رفض الجمال، بل حماية حق الصورة في الاختلاف، وحق الإنسان في الظهور حاملاً آثار عمره وتجربته، بعيداً عن مقياس رقمي موحد.

اخترنا لك