حكي البلاد
حكايات كثيرة تبدو في ظاهرها عائلية أو محلية تتحول أمام الميكروفون لكنها تتحول إلى وثيقة اجتماعية، ندخل إلى البيوت والدواوين، ثم ننتقل إلى قصة المجزرة والانتشال والجنازة، وما تركته سنوات الانتظار تحت الركام في الذاكرة الفلسطينية.
-
يوسف فارس
نادراً ما يجد الفلسطيني "بودكاست" أو برنامجاً صحافياً مرئياً يتحدث باسمه، بوضوح وانسيابية من دون تكلّف أو حتى أدلجة أو تدليس، بل استضافة أطياف وأفكار وأهداف مختلفة تتمثل في شخصيات ذات أبعاد عميقة للحالة الوطنية الفلسطينية.
قبل أشهر عدة، انطلق من مدينة غزة، ومن بين الركام وتحت أسقف البيوت المتهالكة، برنامج بودكاست بعنوان "حكي البلاد" للزميل الصحافي، يوسف فارس، صاحب الصوت الرخيم والبلاغة اللغوية والصحافية البارزة، ليجمعنا مع نخب فلسطينية، ذات تأثير حقيقي في الميدان، خصوصاً إبان حرب الإبادة التي ما زال يتعرض لها شعبنا الفلسطيني في الضفة والقطاع.
هنا يُستَضاف رجل الاقتصاد الذي يحلّل البيئة التجارية والاقتصادية وظروف الواقع المرير وسياسة التجويع وتجار الحروب و"القالطين" والمبادرين ورجال الأعمال الذين استغلوا حاجة الناس لتكبر كروشهم، والتجار الذين باعوا أنفسهم للاحتلال كي يصبحوا هم صوته وعصاه الغليظة في مواجهة الجوعى، متجاهلين أن التاريخ لا ينسى، وهناك تُستضاف فتاة جرى اعتقالها، تتحدث عن جهاز فحص الكذب، وكيف يمكن للمرأة الفلسطينية العادية أن تكون ضحية سياسة أكبر من عمرها، تواجه المحققين ببراءتها التي تظهر في الكاميرا بشكل واضح؛ وهنا تُستضاف شخصية جدلية، كان لها موقفها النضالي وتاريخها الكبير، لكنها تراجعت مؤخراً عن فكرة المقاومة المسلحة وباتت تملك رؤية مغايرة تماماً لتاريخها، في محاولة لفهم السلوك الفلسطيني، وقدرته على التعايش مع كل المتغيرات من دون المساس بفكرة النضال والمقاومة.
ولعل قيمة برنامج "حكي البلاد" لا تكمن فقط في أسماء الضيوف أو مكانتهم الاجتماعية أو الاعتبارية، بل في ذلك السؤال الذي يختبئ خلف كل حلقة: ما الذي حدث لنا؟ وكيف وصلنا إلى هذا المستنقع؟ ثم ماذا فعلت بنا الحرب كي نصير إلى ما نحن عليه الآن؟ وهل يمكننا أن نعيد توجيه البوصلة إلى مسارها الصحيح؟
ولعل هذه الأسئلة لا تأتي في البرنامج على هيئة محاكمة جاهزة كما يظن القارئ، أو على شكل إجابات معدّة سلفاً، أو أسئلة معلّبة ومقولبة ضمن إطار ورؤية معيّنين، وإنما تترك للضيف مساحة واسعة كي يحكي ويتحدث بأريحية، يختلف ويبرر، بل أحياناً يتورط في تفاصيل لم يكن الجمهور على اطّلاع بها، وهذه واحدة من أهم نقاط قوة البرنامج؛ فهو لا يتعامل مع ضيفه كعنوان، بل كحكاية لها راويها المقدس.
حكي غزة ينحو باتجاه البلاد، فغزة هي المكان الذي خرج منه البرنامج، ولكن البلاد هنا أوسع من الجغرافيا وأوسع من حدود القطاع الغزي المحاصر. إنها فلسطين بكل ما فيها من ذاكرة وانقسام وحرب ومقاومة وسياسة ومجتمع واقتصاد وأسئلة مؤجلة، بل ربما هي الوطن العربي الكبير الذي يعيش مع كل سؤال.
ولعل اللافت في البرنامج هو أن يوسف فارس يجعل غزة تتحدث عن نفسها، لا أن يتحدث عنها الآخرون من خارجها، وهذه النقطة مهمة جداً في زمن أصبحت فيه غزة مادة إعلامية عالمية، لكنها قاصرة عن الدخول في عمق الجرح كي يسمع الإنسان صوت الألم. حكايات أهلها التي لم تكن مجرد أرقام، رغم ضرورتها، لكنها لا تكفي وحدها، لأننا بشر ولسنا أرقاماً؛ فخلف كل رقم إنسان، وخلف الإنسان عائلة، وخلف العائلة حيّ ومدينة وذاكرة وحكاية، لا يمكننا نسيانها بأي حال.
وهنا يأتي بودكاست "حكي البلاد" ليعيد الإنسان إلى قلب القصة، وهذا ما دفعني بكل شغف إلى تسليط الضوء على البرنامج الفلسطيني الصرف.
في إحدى الحلقات الأخرى مثلاً، يستعيد صحافي تجربته في الانتقال من مذيع إلى مراسل، يتحدث عن تجربة صحافيي شمال غزة خلال الحرب، أولئك الذين عشت معهم كل ظروف الإبادة حتى خروجي من القطاع، وفي حلقة أخرى، يدخل البرنامج إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية والتي سبقت الإشارة إليها بداية المقال، ألا وهي الاقتصاد الغزي الذي تغيرت طبقاته وقواعده خلال الحرب، من المصانع والزراعة والتجارة إلى اقتصاد الندرة والاحتكار وصعود أثرياء جدد.
في حلقة أخرى، يحضر رئيس بلدية غزة، لا باعتباره مسؤولاً محلياً فقط، بل كإنسان له قلب، فقد 2 من أبنائه، عاش الحرب وهو يحمل في الوقت نفسه مسؤولية مدينة بأكملها، وهنا يتداخل العام بالخاص مع تلك الحلقة وكل حلقة؛ والسياسي بالإنساني الذي يرشح مع صوت الضيوف، وتصبح غزة مدينة لها وجه وذاكرة وأبناء فقدتهم بكل أسى، وهنا أتذكر يوم استشهد رشدي ابن رئيس البلدية، صديقي الذي قرر العودة بداية الحرب ليوثق المأساة، فكان هو أحد أوجاعها رحمه الله.
حكايات كثيرة تبدو في ظاهرها عائلية أو محلية تتحول أمام الميكروفون لكنها تتحول إلى وثيقة اجتماعية، ندخل إلى البيوت والدواوين، ثم ننتقل إلى قصة المجزرة والانتشال والجنازة، وما تركته سنوات الانتظار تحت الركام في الذاكرة الفلسطينية، وهذا تحديداً ما يجعل البرنامج مختلفاً في هذه النقطة أيضاً.
ومن المهم تسليط الضوء عليه ليظل وثيقة فلسطينية صرفة أمام عالم منشغل بمتطلبات حياته على حساب المستقبل الذي سيصيبهم شيء من وجعه، بسبب الصمت والقبول بقتل شعب أعزل.
ختاماً، فإنني ورغم كل القهر والوجع، أكتب هذا المقال لأسجل لنفسي ورفاقي من الكتاب والمثقفين والصحافيين حول العالم، أن هذا البودكاست يجمع فسيفساء غزة، بدءاً من الطبيب والاقتصادي والصحافي والمسؤول والأسير والمرأة والمختار والناجي والإنسان العادي ليكون أرشيفاً شفهياً لمرحلة مريرة من تاريخ شعبنا العظيم، أدعوكم لمتابعته، فهو الأكثر جرأة ووضوحاً في شرح طبيعة المجتمع الغزي وكيف يفكر أهله وأصحابه.