ثلاثية إيران المقدسة: التاريخ والهوية والقوة
يُظهر التحليل البنيوي أن معايير القومية الفارسية المستمدة من الهوية المشتركة العابرة للدولة، في وضعها الراهن، أصبحت مهمة في تشكيل السلوك الإيراني، تماماً كما تؤكد الواقعية أهمية توزيع القوة المادية.
لم يكن العدوان الذي شُنّ، ويُشنّ، على إيران مجرد حدث عسكري أو صراع جيوسياسي، بل يمكن قراءته من منظور الاختبار الفلسفي العميق لمفاهيم العقل والأخلاق والمسؤولية والمعنى. ولهذا بدت إيران، في صورتها المعاصرة، حصيلة تفاعل معقد بين الذاكرة والسلطة والمجتمع والمكان.
كشفت إيران، في معركة وجودها الثقافي، أن الثقافة لا تحدد فقط ما نأكله أو نلبسه، بل تحدد أيضاً "الأولوية السياسية"، أي القضايا التي تستحق أن نُقتل من أجلها. وتقدم الثقافة إطاراً نفسياً لتفسير نوايا "الآخر". فالسياسة مستحيلة، في الواقع، من دون ثقافة، والثقافات تختلف، بطبيعة الحال، حسب الزمان والمكان.
ولم يخطئ الباحث، لوسيان باي، في معالجته لمفهوم الثقافة، الذي يصفه بأنه "مراوغ، إنما لا مناص منه". فالثقافة تقف على الخط الفاصل بين العالم المادي وعالم الوعي الذاتي الهوياتي.
ويشير هذا الطرح إلى فكرة مذهلة حول "سحر السلطة"، إذ يؤكد أن الفوارق البيولوجية والذهنية بين البشر، حتى بين القادة وعامة الناس، هي فوارق طفيفة جداً. فمن أين تأتي هيبة القادة إذاً؟ إنها تنبع من الخيال البشري المشترك الذي تزرعه الثقافة. فمنذ الطفولة، ينمي الناس خيالات حول أفعال السلطة "السحرية"، ويغلفون رموزها بكلية القدرة. فالسياسة تتكون دائماً من تركيبة من القيم والسلطة، وكلتاهما تتضمنان الخيال الذي تشكله الثقافة.
التاريخ سجل حياة
لا يمكن فصل حاضر إيران عن ماضيها الطويل. فهي تحمل في وعيها السياسي والثقافي آثار إمبراطوريات متعاقبة، من فارس القديمة إلى الدولة الساسانية، ثم التحولات الكبرى التي أعقبت الفتح الإسلامي، وما تلاه من تشكلات سياسية في العصور الصفوية والقاجارية والبهلوية.
هذا الإرث التاريخي لا يظل حبيس الكتب أو المخيال القومي، بل يظهر في نظرة الدولة إلى نفسها، وفي طموحها الإقليمي، وفي الطريقة التي تتعامل بها مع محيطها والعالم.
ويشير الكاتب والمترجم الإيراني، حميد رضا مهاجراني، إلى أن تركيبة إيران السياسية المعقدة تجعلها محور اهتمام العالم، حيث تندمج السلطة الدينية مع السلطة السياسية، وتؤثر التوترات الإقليمية والدولية في قراراتها الداخلية. وهذه الملاحظة تلخص جانباً من المسألة الإيرانية: بلد غني بالتنوع، لكنه محكوم ببنية شديدة التعقيد، تجعل السياسة فيه انعكاساً لصراع مستمر بين عناصر متعددة، لا لعامل منفرد.
غير أن فهم إيران لا يكتمل من دون النظر إلى الهوية بوصفها عنصراً مؤسساً في تكوين الدولة والمجتمع معاً. فإيران تضم تنوعاً إثنياً ومذهبياً واضحاً، يشمل الفرس والأذريين والكرد والعرب والبلوش، إلى جانب أقليات دينية ومذهبية متعددة. وقد منحها هذا التنوع ثراءً ثقافياً لا يخطئه الناظر، وكشف أن التاريخ والهوية شكلا خلفية واقعية لفهم إيران؛ فهي نتاج تفاعل دائم بين هذين العنصرين، إلى جانب الطريقة التي تدير بها الدولة هذا التفاعل بالقوة لإثبات حقها في الحياة.
الهوية... الماضي الثقيل
كيف يمكن لإيران أن تحافظ على هويتها في عالم يتغير بإيقاع شديد التسارع؟
إن فهم التاريخ الإيراني لا يمكن أن يمر عبر تفسير أحادي، بل عبر النظر إليه بوصفه مجتمعاً تشكله "طبقات" متراكبة من الذاكرة والموقع والسلطة والهوية. وربما كان هذا هو سر صعوبة الهوية الفارسية وجاذبيتها معاً: دولة تستمر في البحث عن توازن بين ماضيها الثقيل، وموقعها المرهق، وهويتها المتعددة، وطموحها السياسي الذي لم يجد بعد صيغة مستقرة للتصالح مع العالم. فالتاريخ وحده لا يكفي لتوضيح قلق الهوية.
ويُظهر التحليل البنيوي أن معايير القومية الفارسية المستمدة من الهوية المشتركة العابرة للدولة، في وضعها الراهن، أصبحت مهمة في تشكيل السلوك الإيراني، تماماً كما تؤكد الواقعية أهمية توزيع القوة المادية.
وقد أمسك التناقض بين المعيار العالمي للسيادة، الذي تكون فيه مصالح الدولة موضوعاً للسياسة الخارجية، والمعايير الإقليمية للهوية الفارسية، أو تلك التي تتوقع أن تتوافق هذه المصالح مع قيم مجتمع الهويات العابرة للدولة، بنخب صناعة السياسة الخارجية بين إدراك الدولة وإدراك الأمة.
وبالنسبة إلى الدول الأكثر طموحاً، أتاحت الهوية فوق الدولة فرصة لتأكيد القيادة الإقليمية من خلال دعم القضايا القومية الفارسية أو الإسلامية.
ويمكن تطبيق كل من التفسير الذي يؤكد أهمية الهوية الفارسية التاريخية، والتفسير الذي يركز على اهتمامات السلطة في العصر الحديث، بطريقتين: الأولى بوصفه أداة تحليلية لفهم المنطق الجديد للسياسات الإقليمية، والثانية بوصفه أداة لصنع السياسة الراهنة.
ولكن يبقى سؤالنا المشروع: كيف يمكن لإيران أن تمتلك هوية ثابتة في هذه الظروف؟
قد يبدو هذا سؤالاً فلسفياً عميقاً. فعندما تتحدث إيران عن هويتها في الماضي أو عن ذواتها المستقبلية، فإنها تتحدث عن ذلك بمعنى صارم؛ بمعنى أن الهوية الوحيدة التي يمكن التعويل عليها عبر الزمن هي الهوية المرنة.
أي إن العلاقة بين رمزية اللغة وماهية الفرد أو المجتمع وكينونة الواقع ليست انعكاساً ميكانيكياً للحقيقة الاجتماعية، وإنما هي حقيقة جديدة تسهم في إنتاج الظواهر القومية الفارسية الثقافية، ورسم خريطة الطريق في الذهن والواقع معاً.
ولكن، قبل كل شيء، يجب تطهير التاريخ من الزوايا المظلمة والمناطق الغامضة في هوية المجتمع.
القوة والقول الفصل
كيف واجهت إيران العدوان بعناصره المتعددة؟ لقد شكل الصراع بين إيران، من جهة، والتحالف الصهيوني- الأميركي، من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر في النظام الدولي المعاصر، لما ينطوي عليه من أبعاد عسكرية وتكنولوجية وسياسية وأيديولوجية وجيوستراتيجية عميقة ومتناقضة.
وفي ظل هذا الواقع، برز سؤال جوهري: من سينتصر في هذه المواجهة؟ وكيف؟ ولماذا؟
لا شك أن كفة الحسم، على المدى الاستراتيجي الطويل، تميل لصالح إيران، ليس بفعل القوة العسكرية التقليدية أو غير التقليدية فقط، بل نتيجة امتلاكها منظومة مركبة من عناصر القوة غير المتماثلة.
ورغم التفوق العسكري الواضح للولايات المتحدة، من حيث توازن القدرات الاستراتيجية الشاملة، وخصوصاً في مجالات القوة الجوية والتكنولوجيا العسكرية والأمنية، فإن هذا التفوق لم يترجم إلى نصر حاسم. فقد أظهرت التجارب الميدانية التاريخية، من فيتنام إلى أفغانستان والعراق، محدودية القوة الصلبة في تحقيق الأهداف الاستراتيجية، لا سيما أن الولايات المتحدة تواجه، في الوقت الحاضر، حالة من الاستنزاف متعددة الأبعاد، ولعل أبرزها تآكل الثقة الدولية في القيادة الأميركية.
وتشكل عناصر القوة الإيرانية الذاتية أساساً مهماً في المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة تحت سقف النار. وهذه المفاوضات ليست بلا منطق، بل إنها انعكاس لصراع أعمق على شكل النظام الإقليمي، وعلى موقع الشرق الأوسط في توازنات القوى العالمية.
وبين تحالف إسرائيلي هندي يتعزز، وتقاطع مصالح بين إيران وكل من الصين وروسيا وكوريا الشمالية، يبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة، تحكمها حسابات الردع بقدر ما تحكمها رهانات السياسة.
ويقف الشرق الأوسط، مرة أخرى، عند مفترق طرق، حيث تختلط الدبلوماسية بالتهديد، ويصبح التفاوض ذاته جزءاً من معادلة القوة التي تتقنها الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والتي تعتبرها القول الفصل في إثبات حقها في الحياة.
