بين تراجع القراءة وتباهي الأرقام

القراءة تتجاوز كونها قائمة انتظار في رفوف الذاكرة، أو جردة أسماء نعلقها في سيرة حياتنا كالأوسمة. القراءة فعل استبطان، وهندسة للروح، وإعادة بناء للحدائق الداخلية حجراً حجراً، أو إطفاء لحرائقها على نحو ما.

  • (كارل شبيتزفيغ، 1850)
    (كارل شبيتزفيغ، 1850)

تشير المؤشرات العالمية، بلا مواربة، إلى تراجع مطرد في منسوب القراءة. الورق يتراجع، والشاشات تزحف، والوقت المتاح للتأمل أصبح سلعة نادرة في زحام الحياة. لكن المفارقة الأكثر إثارة للدهشة، في هذا المشهد المتضائل، هي بروز فئة من النخب تتباهى بعدد المجلدات التي التهمتها، وكأنها تعلن فوزاً في ماراثون ثقافي، حيث يتوقف التكريم على سرعة اجتياز خط النهاية الرقمي.

قد تحمل هذه المباهاة، في بعض لحظاتها، نية طيبة ورغبة مشروعة في مد جسور الفضول نحو الآخرين، وإغرائهم بدخول عالم النور. بيد أنها، حين تنقلب غاية في ذاتها، تسقط في فخ الكم الأعمى، وتُحوّل القراءة إلى سلعة فاخرة تُوزن بالعدادات، وتنأى بها عن كونها فعلاً وجودياً يُقاس بزلزلة الروح.

وهنا تبرز الحاجة إلى تذكير أولي، يستعير عبارة الفيلسوف، فرانسيس بيكون، التي تميز بين درجات التلقي: فبعض الكتب تُذاق، وبعضها يُبتلع، والقليل منها فقط يُمضغ ويهضم. فالمسألة تتجاوز عدد ما ابتلعناه، إلى مقدار ما تحول من ذلك إلى خلايا في وعينا، وإلى نبض في سلوكنا. وما يمر عبر المعدة الثقافية من دون هضم، يخرج كما دخل، ولا يترك في النفس أثراً يذكر.

جوهر القراءة الأعمق يكمن في الحفر لا في العدّ. إنها حفريات بطيئة تتركها الكلمات في طبقات الروح، كالماء الجاري الذي يشق مجرى جديداً في صخرتك الداخلية، وإن لم تشعر به إلا بعد حين. الكتاب الجيد ليس مجرد مرآة تنظر فيها إلى وجهك. بل جرحٌ جميل. جرح يفتح في جدار يقينك نافذة على ما لم تكن تراه، ويكسر مراياك المريحة لتعيد بناءها على نحو مختلف.

على سبيل المثال، ومن تجربة شخصية، رواية "صحراء التتار" (The Tartar Steppe) للكاتب الإيطالي دينو بوتزاتي، (ترجمة معن مصطفى الحسون/دار آفاق). وهي العمل الأكثر شهرة في أدب الانتظار الوجودي. تدور أحداثها حول الضابط الشاب "جيوفاني دروغو" الذي يُرسل إلى قلعة نائية في الصحراء، فينتظر طوال حياته هجوماً للعدو لا يأتي أبداً.

تتحول سنوات عمره إلى انتظار خالٍ من الحدث، مما يجعلها تأملاً عميقاً في معنى الزمن والوجود والأمل الزائف.

هذه الرواية عمّقت فهمي للعلاقة بالزمن وبالانتظار، خصوصاً وأن تيمة الانتظار تشغلني منذ وقت طويل، تناولتها في قصيدة لي بعنوان "أنتظر أحداً ينتظر أحداً آخر"، نشرتها في كتاب "يعرفكِ مايكل أنجلو".

هذه الحفريات هي التي تصنع الوعي النقدي الحقيقي. إنها تمنحك أدوات تفكيك الخطابات الجاهزة، وتجعلك أقل انقياداً للسرديات المسيطرة، وأكثر قدرة على تلمس الخيوط الخفية التي تربط الأحداث ببعضها، والمصالح بالخطابات.

لكن الوعي النقدي، في أسمى مراتبه، يتجاوز حدود التحليل العقلي ليتعداه إلى حالة من التيقظ الوجودي. في هذه المرحلة المتقدمة من التلقي، تحدث نقلة نوعية. هناك لحظة فارقة في القراءة العميقة، حين يصير الحياد موقفاً مستحيلاً، وحين تتحول الكلمة المقروءة عن الحرية إلى جرح نازف في الضمير، وحين يصير الحديث عن الظلم استفزازاً للجوارح لا للعقل فقط. فالقراءة التي تشحذ الروح تخرجك من برجك العاجي، وتنزل بك إلى أرض المواقف، حيث تتبلور رؤيتك من قضايا العدالة والمساواة، ليس لأنك حفظت عنها فصولاً، بل لأنها صارت جزءاً من نسيجك اليومي، واختباراً يومياً في كل تعامل مع الآخر ومع سلطة تعسفية، صغيرة كانت أم كبيرة.

ما القراءة إذاً؟ هي تتجاوز كونها قائمة انتظار في رفوف الذاكرة، أو جردة أسماء نعلقها في سيرة حياتنا كالأوسمة. القراءة فعل استبطان، وهندسة للروح، وإعادة بناء للحدائق الداخلية حجراً حجراً، أو إطفاء لحرائقها على نحو ما.

إنها حوار متواصل بين ما نعرفه وما نجهله عن ذواتنا، وبين ما نعتقده وما يجب أن نشك فيه. إنها الطريقة الوحيدة التي يمكن بها للمرء أن يعيش مرات عدة، لا مرة واحدة، بشرط أن يدفع ثمن كل حياة إضافية بجرأة تغيير موقفه، لا بحفظ تفاصيلها فقط.

في خضم الإحصاءات المقلقة عن تراجع القراءة، وفي خضم هذا اللهاث العددي لمن يقرأون، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً، السؤال الذي لا يليق بنا أن نمر عليه مروراً عابراً: "أي موقف في حياتي تغيرت زاويته بعد أن طويت ذلك الكتاب؟ وأي جزء من كياني أعيد تشكيله على منواله؟". فإن غاب الجواب، كنا مجرد عابرين في مملكة الحبر، أرقاماً نُحصي أرقاماً. أما إن وجدنا أنفسنا قد تهشّمنا ثم تَشكّلنا من جديد، وإذا ما تأكدنا أن الكتاب قد ترك فينا ندبة لا تلتئم، فهنيئاً لنا. فنحن لم نعد قرّاءً فحسب، بل صرنا نحن أيضاً نصوصاً مفتوحة، يعيد كُتّاب الحياة كتابتنا بين السطور، بمداد من نور وحبر.

اخترنا لك