بين المثقفين والمؤثرين (2): من أفلاطون إلى الإنفلونسر!

معركة البقاء بين المؤثرين والمثقفين هي في جوهرها معركة الوعي الإنساني مع ذاته. إنها صراع بين الجزء الذي يرضى بالأوهام المريحة، والجزء الذي يتوق إلى الحقائق المقلقة.

إذا كان المشهد المعاصر يُظهر صراعاً بين "القوة" الرقمية للمؤثر و"العمق" الفكري للمثقف، فإن جذور هذه المعضلة تمتد إلى تاريخ الفلسفة نفسه. لقد تساءل أفلاطون في "جمهوريته" عن مكان الشاعر في المدينة الفاضلة، وها نحن اليوم نتساءل عن مكان المثقف في المدينة الرقمية الممتدة على مساحة الكوكب برمّته.

التحوّل الجوهري ليس في ظهور فاعلين جدد، بل في تغير معايير الشرعية الثقافية. فبينما كان المثقف التقليدي يستمد شرعيته من إلمامه بتراث معرفي وامتلاكه أدوات تحليل نقدي، يستمد المؤثر شرعيته من قدرته الخوارزمية على جذب الانتباه وتحويله إلى عملة رقمية، ومن كثرة متابعيه ومدى انتشاره.

وفقاً لكثير من النظريات الفلسفية، فإن شرعية أي خطاب تتوقف على قوة حجته الداخلية، لا على شعبية قائله. لكن المنصات الرقمية قلبت هذه المعادلة، فجعلت مقياس الانتشار هو البرهان الوحيد على القيمة. لقد تحوّلت الحقيقة من مسألة استدلالية إلى مسألة إحصائية، إذ يُعدّ صحيحاً ما يحصل على أكبر عدد من "الإعجابات" و"المشاركات".
 
اقتصاد الاهتمام أو آلة الإلهاء 
 
يكمن السر في صعود المؤثرين في التحوّل الرأسمالي من اقتصاد السلع إلى اقتصاد الاهتمام. وفقاً لعالم الاجتماع الفرنسي، بيار بورديو، تحوّل "رأس المال الثقافي" من معرفة متراكمة إلى "رأس مال رمزي" قابل للتحويل الفوري إلى مكاسب مادية. الخوارزميات لم تخلق هذه الظاهرة، بل عززتها إلى أقصى حد، إذ صممت لتعظيم وقت المشاهدة عبر محتوى يثير ردود فعل عاطفية سريعة، لا تأملية بطيئة.

في هذا الاقتصاد الجديد، تصبح التفاهة استراتيجية ناجحة. يشرح الفيلسوف الكوري الجنوبي، بيونغ - تشول هان في كتابه "مجتمع التعب" (أو "مجتمع الاحتراق النفسي" بحسب ترجمة بدر الدين مصطفى الصادرة عن منصة "معنى" بالتعاون مع دار الرافدين) كيف تحوّلنا من مجتمع انضباطي إلى مجتمع أداء، حيث يُطلب منا أن نكون "نشطين" و"منتجين" حتى في أوقات فراغنا. 

المؤثرون يقدمون أنفسهم كنماذج لهذا النشاط الدائم، إذ تُعرض حياتهم كمسرحية متواصلة من الإنجازات السطحية، بينما يبدو المثقف - بصمته التأملي وإنتاجه البطيء - وكأنه خارج لعبة العصر.
 
المثقف في مواجهة العاصفة الرقمية
 
لكن، هل يعني هذا أن المثقفين قد هُزموا؟ قد يبدو الأمر كذلك في المدى القصير، لكن ثمة مقاومة خفية تنمو في المناطق الهامشية للإنترنت. ففي زوايا "يوتيوب" و"سبوتيفاي" ومواقع "البودكاست" المتخصصة، يعود النموذج التنويري في ثوب جديد. هؤلاء لا يرفضون الوسيلة الرقمية، بل يختطفونها لخدمة أهدافها الأصلية: الحوار والنقاش والتفكير المشترك.

لقد فهم هؤلاء المثقفون الجدد درس أنطونيو غرامشي عن "المثقف العضوي" الذي ينغمس في واقع مجتمعه لا أن يعيش في برج عاجي. إنهم لا يخشون لغة العصر، بل يستعيرون أدواته ليقدموا مضامين تتصدى للتفاهة. يتجلى هذا في قنوات علمية عربية تشرح الفيزياء الكمومية بلغة بسيطة، أو مدونات نقدية تفكك الخطاب الإعلامي السائد، أو مبادرات رقمية تحوّل النصوص الفلسفية المعقدة إلى سلسلة رسوم متحركة جذابة.

ربما يكون الحل ليس في صراع وجودي بين المؤثر والمثقف، بل في إعادة تعريف الأدوار. فكما أن للجسد حاجته إلى الخبز، فإن له حاجته إلى الفن. والسؤال ليس: "من الأجدر بالبقاء؟"، بل: "كيف نضمن بقاء الإنسان المتكامل في زمن التجزئة؟"

المؤثر الحقيقي قد يكون ذلك الذي يدرك أن تأثيره مسؤولية، فيستخدم شعبيته لفتح أبواب المعرفة، لا لغلقها. والمثقف الحقيقي قد يكون ذلك الذي يتخلى عن غطرسة الاختصاص، فيتعلم فن التواصل مع جمهور أوسع من دون تبسيط مُخِل. إنها دعوة إلى تحالف غير متوقع: عمق المثقف وقوة المؤثر، فكر الفيلسوف وانتشار النجم.
 
إنها مسألة وعي
 
إن معركة البقاء بين المؤثرين والمثقفين هي في جوهرها معركة الوعي الإنساني مع ذاته. إنها صراع بين الجزء الذي يرضى بالأوهام المريحة، والجزء الذي يتوق إلى الحقائق المقلقة. إن أكبر خطر على الإنسان ليس ارتكاب الأخطاء: فهذا جزء من الطبيعة البشرية، بل الخطر الأكبر يكمن في التكيف مع الحياة على مستوى منخفض جداً من الوعي، وفقدان القابلية والشغف والسعي نحو مستوى مرتفع من الوعي والمعرفة واكتساب المهارات واكتشاف الثقافات الأخرى والمختلفة.

ويبقى السؤال الملحّ والجوهري هل نستسلم لـجاذبية السطح الذي يعدنا بقوة سريعة زائلة، أم نغوص في أعماق المعنى التي تتطلب صبراً ولكنها تمنحنا شرعية الوجود؟ 

الإجابة لن تأتي من المنصات ولا من الخوارزميات، بل من الاختيار اليومي لكل واحد منا: ماذا نتابع، ماذا نشارك، وماذا نقرر أن نكون في هذا المشهد الرقمي الواسع.

اخترنا لك