بخصوص عمل المحرّر الأدبي وانشغالاته الجانبية
هل يحقّ للمحرّر الأدبي أن يعيد تشكيل النص مشوّهاً أسلوب صاحبه؟ وهل الحذف ضرورة جمالية تنقذ السرد من الحشو؟
فجأة، اقتحم المحرّر الأدبي نصوص الآخرين، لا كضيف عابر، كما هو متوقّع، بقدر ما هو صاحب بيت. يزيح الأريكة جانباً، ويمسح الغبش عن مرآة الحمّام، ويسقي النبتة الذابلة عند إفريز النافذة، ويصنع شاياً، ويجلس وراء الكمبيوتر بالبيجاما، ويحذف جملة هنا، ويصحّح عبارة هناك، من دون أن يرمش له جفن؛ فهو مخوّل بزعزعة طمأنينة النصّ وتحويل النيّئ إلى مطبوخ، وفقاً لصلاحياته ونزواته البلاغية، فيما يندحر المؤلف الأصلي نحو الزاوية، كرهينة مكبّلة بحبال متينة، ريثما تنتهي هذه الحفلة التنكّرية.
وإذا بسلحفاة الحكي تتكشّف عن غزالة ترمح في برية السرد، كأولى علامات الرشاقة المفتقدة، من وجهة نظر المحرّر.
لا فائدة، إذاً، من احتجاجات المؤلف تجاه العبث بنصّه، بعد أن وافق على شروط دار النشر وملاحظات المحرّر بمكنسته الضخمة لتنقية هواء الغرفة.
لا يمكننا تجاهل أهمية المحرّر الأدبي بوصفه عيناً ثانية للمؤلف، شرط ألا يصيب صاحب النص بالعمى التام. فنظرية "المقص" والشفرة الحادة قد تفسد العملية بأكملها، ثم إن الجثة لن يفيدها الكفن المعطّر.
في هذا المقام، ربما علينا أن نستحضر صورة من صالون الحلاقة، وماكينة الحلّاق وهي تجزّ الحشائش الضارة من حقل المخيّلة.
هكذا ازداد حضور المحرّر الأدبي العربي كصاحب سطوة على النصّ، وتالياً، إدراج اسمه في حيثيات الصفحة الثانية من الكتاب، كنوع من إضفاء شرعية دامغة لوجوده في صناعة الوليمة وتذوّق طعم الحساء. أليس هو مَن عمل على هندسة الإيقاع، ودوزنة الآلات الوترية، وتدوين النوتة في شكلها النهائي؟
سلطة المحرّر ونزواته
-
ميلان كونديرا
سيصمت المؤلف مُرغَماً، وهو يرى الحقل الذي بذره وقد تحوّل، بحراثة أخرى، إلى حقل آخر لا يشبه الأرض الأولى للمخيّلة. ولكن مهلاً، أين الأسلوب الشخصي؟
ذلك أنّ سلطة المحرّر تتيح له صهر كلّ الأساليب في بوتقة واحدة، من دون أن يراعي خصائص كل نصّ على حدة، وإذا بالروايات التي عمل على تشذيبها تتناسل كجنود بزيّ موحّد في حقل رمي.
والحال، لن يكترث المحرّر بما قاله كارل ماركس يوماً عن ضرورة "الانشغال بالأسلوب"، فحتى كتاب "رأس المال" يحتاج إلى لمسة أسلوبية تخفّف نسبة الصداع في الرأس.
الاسترسال المفرط في الكتابة يقع في باب الحشو والاستطرادات المجانية التي لا تحمل أفعالاً أو انعطافاً في عمل الشخصيات، بقدر ما ترهقها بما لا تحتاج إليه؛ ذلك أنّ قوة السرد تتمثّل في الاختزال والكثافة.
لا ننكر أهمية وجود المحرّر في تحسين نوع التربة وصقل الحجارة الناتئة، شرط أن يقف عند حدود الخريطة، وألّا يتوغّل في عمق تضاريس النصّ.
في المقابل، على المؤلف ألّا ينظر إلى نصّه بقدسيّة مطلقة؛ فالاعتناء بعلامات الترقيم والأخطاء اللغوية ضرورة أكيدة في تجاوز الهفوات. وهنا يبرز شخص مهم آخر في ورشة تزييت عجلات النصّ، هو المدقّق اللغوي، ذلك الذي يضطرّ، أمام فداحة الأخطاء لدى بعض الروائيين الطارئين، إلى تصحيح أخطاء عبارات الإهداء!
العبث بالأسلوب
-
إبراهيم أصلان
المحرّر الأدبي، بشكل ما، هو طبيب تغذية أكثر منه جرّاحاً بمنشار حادّ في غرفة التشريح. مهمته حذف الفائض، لا العبث بالأسلوب، وتالياً، العمل على التخلّص من الدهون والكوليسترول الضار و"البدانة الروائية"، لا تغيير مصائر الشخصيات.
لدى ميلان كونديرا نصيحة ذهبية في هذا السياق: "لا تتحدّد الرؤية الجمالية فقط فيما كتبه المؤلف، بل في ما حذفه أيضاً". فالحذف مهنة مقدّسة في مواجهة الحشو.
تذكر الروائية حنان الشيخ أن محرّر إحدى رواياتها المترجمة حذف شخصية ثانوية في الرواية، وجد أنها لا تضيف شيئاً في مجرى السرد، وبدلاً من أن تحتج على هذا التدخّل (السافر؟)، وجدت أنّ روايتها صارت أكثر رشاقة. وفي المسلك نفسه، صدرت الطبعة الألمانية من خماسية "مدن الملح" لعبد الرحمن منيف بمجلّد واحد لا أكثر.
المحرّر الأدبي، بشكل ما، هو طبيب تغذية أكثر منه جرّاحاً بمنشار حادّ في غرفة التشريح. مهمته حذف الفائض، لا العبث بالأسلوب، وتالياً، العمل على التخلّص من الدهون والكوليسترول الضار و"البدانة الروائية"، لا تغيير مصائر الشخصيات.
في رواية عربية تجري وقائعها في العصر المملوكي، يرسل الوالي حاجباً لإحضار تاجر من سوق العطّارين "على جناح السرعة"، لكنّ الروائي سيستهلك 35 صفحة من القطع المتوسط في الوصف، ولم يصل التاجر إلى قصر الوالي بعد! لا نعلم ما هو المصير الذي كان ينتظر ذلك التاجر إلى اليوم، أما الوالي فنظن أنه "استشاط غضباً" على التاجر والحاجب والروائي معاً. هذا الاسترسال المفرط في الكتابة يقع في باب الحشو والاستطرادات المجانية التي لا تحمل أفعالاً أو انعطافاً في عمل الشخصيات، بقدر ما ترهقها بما لا تحتاج إليه؛ ذلك أنّ قوة السرد تتمثّل في الاختزال والكثافة.
فن قفز الصفحات
-
ليو تولستوي
من جهته، كان سومرست موم قد أنجز قائمة بأفضل 10 روايات عالمية لمصلحة إحدى دور النشر اللندنية، وقد كتب في مقدّمته تعليقاً على محتوى هذه الروايات بقوله: "سيجد القارئ العاقل أكبر قسط من المتعة في قراءة هذه الروايات، لو تعلّم فنّ قفز الصفحات".
وهو ما قام به سومرست موم بنفسه، وذلك بحذف بعض الأجزاء التي رأى أنه لا ضرورة لها من "الحرب والسلم" لليو تولستوي، و"الأحمر والأسود" لبلزاك، و"مدام بوفاري" لفلوبير، و"كبرياء وهوى" لجين أوستن، و"موبي ديك" لهرمان ملفل، و"الإخوة كارامازوف" لفيودور دوستويفسكي. اضطرّ الأخير إلى الحشو تحت وطأة تسديد ديونه، لا لضرورات سردية، إذ كان عليه أن يخضع لشروط الناشرين، بتوقيع عقود مجحفة لكتابة فصول جديدة من روايته "المقامر".
لا ننكر أهمية وجود المحرّر في تحسين نوع التربة وصقل الحجارة الناتئة، شرط أن يقف عند حدود الخريطة، وألّا يتوغّل في عمق تضاريس النصّ. في المقابل، على المؤلف ألّا ينظر إلى نصّه بقدسية مطلقة؛ فالاعتناء بعلامات الترقيم وتصويب الأخطاء اللغوية ضرورة أكيدة في تجاوز الهفوات.
من ضفة ثانية، لا يمكننا تجاهل أهمية المحرّر الأدبي بوصفه عيناً ثانية للمؤلف، شرط ألّا يصيب صاحب النص بالعمى التام. فنظرية "المقص" والشفرة الحادة قد تفسد العملية بأكملها، ثم إن الجثة لن يفيدها الكفن المعطّر.
أيها الروائيون، احذفوا تصحوا؛ فالحذف هو الطريق السالك نحو جمالية النصّ ومتعة القارئ، بمحرّر أو من دونه. ولنتذكّر، على الدوام، أنّ جبرا إبراهيم جبرا، ومحمد زفزاف، وإبراهيم أصلان، عاشوا وكتبوا قبل ولادة المحرّر الأدبي بأعوام طويلة.
