امرأة في لجّة العاصفة في رواية "حائط الفضيحة" لـ "ليزا خضر"

ليزا خضر شاعرة وكاتبة في رصيدها ثلاثة دواوين هي: "لا أثر لرأسي الأول - كأني أنا - حبر الكمان" وروايتان: "طفح أنثوي" و"حائط الفضيحة". 

  • امرأة في لجّة العاصفة

في رواية
    امرأة في لجّة العاصفة في رواية "حائط الفضيحة" لـ "ليزا خضر"

منذ البداية تعلن السورية ليزا خضر أن موضوع المرأة هو قضيتها الأساسية التي تتمحور حولها روايتها "حائط الفضيحة" الرواية الفائزة بجائزة كتارا لعام 2024 عن الروايات غير المنشورة، وخاصة منذ استهلالها النص بالإهداء كعتبة نصية:

"إلى كل امرأةٍ...

تُجمع عشب البحر

 لتطعم العاصفة 

إلى كل امرأةٍ...

تستغرق في الحب وتبقى شجاعة

إليِك...

أنت قوية"

وبأسلوبها الرشيق تتنقل خضر بين زمني الطفولة والشباب لتعرّفنا على عالمها الطفولي في القرية لتتنقل إلى عالم الكبار في المدينة وتحكي عن مقاربتها وصراعها غير المباشر مع عالم الفساد، كما تتابع ما بدأته في نصها الأول " طفح أنثوي" بلغتها الشاعرية المرمزة، وهي في نصها "حائط الفضيحة" تؤسس لمواقف منتقاة ضد العالم الذكوري الذي يتطاول على الجسد والوقت والعقل باسم الحب، وخاصة عندما تتآمر المرأة على نفسها في رغبة أن تغيب في لجّة الأحلام وفي عالمها المنسوج في الخيال لعشق صافٍ متوهج، وهي تؤكد كيف تظلم المرأة ذاتها ورغباتها باستلاب كامل في مجتمعنا الشرقي كي ترضي الآخر.. وليته يرضى.

عالم المرأة الكاتبة 

من خلال عملها، عمل الساردة كصحافية تلج إلى عالم المرأة الكاتبة وتساؤلاتها عمّا تكتب المرأة الكاتبة؟

 وماهي المواضيع التي تتجنّبها؟ 

ودور تاء التأنيث وصداها على الكتابة لتنتقل للسؤال الوجودي الأهم ماذا تريد من الحياة؛ وماذا بعد كل هذا القلق وماذا عنها؟ وماذا بعد إظهار أمجاد الآخرين عبر الحوارات الصحافية التي تستغل فيها طاقتها الكامنة لتطرق أبواب أهم من تحدث في القضية النسوية من فيرجينيا وولف وكتابها "غرفة تخص المرء نفسه " إلى سيمون دو بفوار بقولها الشهير لا تولد الأنثى امرأة ولكنها تصبح كذلك" لتعرض الخصوصية المنتهكة لنماذج اختارتها من محيطها، إذ يتناوب السرد بين يومياتها في الكتابة والصحافة، وبين علاقاتها الاجتماعية وصراعها في المكتب مع زملاء العمل، ومن جانب آخر حياتها الشخصية خارج العمل عبر تقنية الاستباق والاسترجاع، إذ تتذكر صديقتها "ميرنا الصبية" المأخوذة بترف العاصمة وبالهدايا وسطوة المال على الفتيات، وهي ابنة الأرياف لتنتهي إلى فشل بزواجها الذي أعمى بصيرتها من وسيم الرجل اللاهي والعابث، بتوظيف العبارات المسكوكة لصالح الفكرة مثل "أطعم يا وسيم الفم، تستحِ العين"  وهاهي تعود لتذكر بداية تعارفها على فريق العمل في المكتب أمل وحسام، حسام الذي تبدّت دواخله ومعاناته والتهميش الذي كان يعيشه وقلقه على أم مكافحة يكاد يفقدها. 

وترنو بعين راصدة لتفاصيل كل منهم، وخاصة النساء اللواتي اختارتهن بعناية، فأمل تريد السلام لحياتها مع زوجها، تلك التي تتساهل مع الحياة، أما زميلتها بالسكن ليلى فهي تعيش بانتظار الحصول على زوج بسبب فرصها الضئيلة لمحدودية جمالها، ليلى التي رضخت لحكم الزواج رغم أنه لا يحقق لها سوى الظل الاجتماعي، وفي النهاية تنصاع لرأي المجتمع بالقبول برجل أرمل لديه أولاد يريدها خادمة له ولأولاده، من دون أن يمنحها شيئاً، ولكنها تحتاج للاستقرار لتفوز بالتعاسة وحدها فيما بعد، وهنا توظف الكاتبة العبارات المسكوكة كذلك للدلالة على العرف العام المتحكم في المجتمع على غرار "ظل رجل ولا ظل حائط"، ونموذج آخر" روز" زوجة زميلها في العمل التي تنتصر لكرامتها عند خيانة زوجها وتنفصل عنه متمردة على زواج غير مقنع ولا يلبّي احتياجاتها.

الشخصية المحورية بطلتها "لور" أنثى متمردة تتحدث عن نفسها بأنها امرأة كئيبة ينتابها الأرق دائماً، لكنها تصغي عميقاً إلى روحها بكل شفافية الخيبة التي تعيشها، وهي إلى ذلك لا تحفل بالمجتمع التقليدي وتقييداته وتعقيداته في محاولة النفاذ إلى عالم الخرافة الذي يسيطر على البسطاء، في استعراض مزار أبو طاقة في حسم الحقائق واعتباره ميزاناً للعدالة، ولا تقف عند ذلك.. فهي ترى الإله  قريباً من روحها وصنواً لجمال الكون، ترى بأن هندسة وروعة الألوان هي تجلّي الله فهو صورة الجمال برؤية عالية لصانع الكون الأول.

تُطعن المرأة في أخلاقها وشرفها دائماً إذا ما فكرت باستقلالها عن الحصن الأول للمجتمع وتقاليده المسوّرة، وهذا شأن الساردة مع أخيها، فمجرد قرارها بالاستقلال عن الأسرة اعتبره تعدياً على العرف والأخلاق، فهي بعد أن نضجت قررت أن تسمع وترى وتتكلم في أسلوب تحدٍ للخوف ذاته.

وفي إحساس البطلة العارم بالنصر كلما جنحت عن القطيع السائد تتلاعب الكاتبة على العبارات، مثل " القافلة تمشي في نومها " في تناص محوّر عن العبارة المشهورة "القافلة تمشي والكلاب تنبح"، في دلالة على قافلة حقوق المرأة التي تمشي نائمة، وهي تستهلك طاقتها في دورانها على الطرقات، تبحث عن مجهول يملأ فراغها الروحي، لتشير إلى حائط يكتب عليه البعض ما يخشى من قوله على الملأ؛ وكل من يريد أن يتخفف من ثقل سر يحاصره يدوّنه على ذلك الجدار الذي حفل بأسرار مكتوبة سمّوه "حائط الفضيحة"، والذي استعارت منه عنونة الرواية.

تصرّح ليزا خضر بأنه ليس بشاعر من لا يقع بغرام الماء رغم هاجس الموت والحجارة في جيبها، بتناص ثانٍ مع فرجينيا وولف وحادثة انتحارها كامرأة قلقة، وهي تتبع خيط الإحساس الحريري الذي أمسكت به في حوارها الكاشف لتخبطها الداخلي مع جمال الحبيب الذي عرّى أعماقها لتصل إلى انسجام عارم مع نقاء أعماقه بالتباين مع التشوه في وجهه الناجم عن حادثة في طفولته. 

ليزا خضر شاعرة وكاتبة في رصيدها ثلاثة دواوين هي: "لا أثر لرأسي الأول - كأني أنا - حبر الكمان" وروايتان: "طفح أنثوي" و"حائط الفضيحة". 

حائط الفضيحة رواية تستمد قوتها من معاصرتها لواقع المرأة الماضي والحديث عندما تسوّر الأحداث بالزلزال الذي حصل وتجعله إطاراً لحال النساء المستمر في معاناتهن واستلابهن.

اخترنا لك