الموارنة والشيعة... التلاقي والتصادم
تكمن أهمية كتاب "الموارنة والشيعة"بأنه يستند إلى أكثر من 207 مراجع ومصادر عربية وأجنبية تغطي كل المراحل التي تحركت خلالها كلتا الطائفتين اللتين تشكلان مكوّناً رئيساً في النسيج الوطني اللبناني، منذ ما يقارب 1600 عام.
-
الموارنة والشيعة... أسباب التلاقي والتصادم
يقدّم كتاب "الموارنة والشيعة في لبنان التلاقي التصادم" قراءة تاريخية – سياسية معمّقة لمسار العلاقة بين طائفتين لعبتا دورًا محوريًا في تشكّل لبنان، سواء بوصفهما فاعلين اجتماعيين وثقافيين، أم باعتبارهما ركيزتين أساسيتين في الصراع على الدولة والهوية والسلطة والأرض.
ينطلق الكتاب من فرضية أساسية مفادها أنّ العلاقة بين الموارنة والشيعة لا يمكن اختزالها في منطق العداء أو التحالف، بل هي علاقة متحوّلة، تحكمها السياقات التاريخية والاقتصادية والإقليمية أكثر مما تحكمها الانتماءات الدينية بذاتها.
يعود المؤلِّف إلى الجذور التاريخية لتموضع الطائفتين في جبل لبنان وجبل عامل والأطراف المحيطة بهما، كاشفًا عن تباينات في التجربة التاريخية لكلٍّ منهما، سواء على مستوى العلاقة مع السلطة المركزية الصليبية والمملوكية والعثمانية والانتداب الفرنسي، أم في موقعهما من البنية الاقتصادية والاجتماعية التقليدية. ويبيّن كيف أسهم هذا التفاوت في إنتاج رؤى مختلفة للدولة، وللمركز، ولمفهوم الحماية والتمثيل السياسي.
ويشرح بالتفاصيل التلاقي في مواجهة الأكثرية الإقليمية من خلال قاسم مشترك هو الخوف، والتصادم في التوجهات انطلاقاً من التنافس الاقطاعي على جباية الضرائب في المرحلة العثمانية، فتصادمت الطائفتان في نزاع يرتكز على مواجهة الضريبة العثمانية من خلال ملتزميها المحليين، أي إنّ الإقطاع، أساساً، هو فتيل الاشتعال العنيف بينهما.
ويلاحظ الكاتب أنّ القاسم المشترك للطائفتين، في المرحلتين المملوكية والعثمانية، أنّها تمكنّتا بقواهما الذاتية من مواجهة الضربات العسكرية القاسية، والخروج منها بنهضات ثقافية وعلمية بارزة، فاحتضن جبل لبنان بشقه الماروني نهضة علمية تميّزت بتعدد اللغات تأثراً بالمدرسة المارونية في روما وحركة الإرساليات، واتسع جبل عامل لمدارس فقهية حتى لُقب ب"جبل العلماء" الذي أفرز أدباً يُعرف بـ "الأدب العاملي"، وتتقاطع في الطائفتين النهضويتين بنية عسكرية موازية.
وأبرزُ نقطة في التلاقي التي يشير إليها الكاتب، هي التمثيل الشيعي في مجلس إدارة متصرفية جبل لبنان، باعتراف مارونيّ ودولي كطائفة جعفرية تتمايز عن المرجعيات السُنية، هذا التلاقي جاء بعد اتجاهات متعاكسة في مقاربة المعنيين والشهابيين ، فأيّد الموارنة هذين العهدين وعارضهما الشيعة بقوة، وحفلت المرحلتان بصدامات عنيفة بين الطائفتين خصوصاً في جبل لبنان، ويشير الكاتب، ببراهين تاريخية، إلى أنّ الموارنة استطاعوا بتحالفهم مع المعنيين والشهابيين، التمدّد من الشمال إلى الجنوب، فاكتسبوا مزيداً من الأرض، في حين تراجع التمدّد الشيعي من جبل لبنان وشماله إلى جبل عامل والبقاع - بعلبك.
مع الانتقال إلى مرحلة الانتداب الفرنسي، يسلّط كتاب "الموارنة والشيعة في لبنان التلاقي التصادم" الضوء على نشوء معادلات سياسية جديدة، حيث وجد الموارنة أنفسهم في قلب مشروع الدولة الناشئة، بينما بقي الشيعة على هامش الترتيبات السياسية والاقتصادية، ما راكم شعورًا تاريخيًا بالإقصاء وعدم التكافؤ. ويحلّل المؤلِّف كيف انعكست هذه المعادلة على بنية النظام اللبناني بعد الاستقلال، وعلى طبيعة التحالفات والاصطفافات التي حكمت الحياة السياسية لعقود.
ويخصّص كتاب "الموارنة والشيعة في لبنان التلاقي التصادم" حيّزًا وازنًا للحرب الأهلية اللبنانية، بوصفها لحظة مفصلية أعادت رسم العلاقة بين الموارنة والشيعة، لا فقط من خلال الصدام العسكري أو السياسي، بل عبر التحوّل في موازين القوى، وتغيّر موقع كلّ جماعة في المعادلة الداخلية والإقليمية. كما يتناول مرحلة ما بعد اتفاق الطائف، حيث انتقلت العلاقة من صدام مباشر إلى توتّر سياسي مزمن، تحكمه حسابات النفوذ، وسؤال الدولة، وسلاح المقاومة، ودور لبنان في الصراعات الإقليمية، خصوصاً الصراع العربي الإسرائيلي.
لا يكتفي الكتاب بسرد الوقائع، بل يسعى إلى تفكيك البُنى الذهنية والخطابات المتبادلة، التي راكمت الخوف وسوء الفهم بين الطرفين، سواء في الذاكرة الجماعية، أم في الأدبيات السياسية والإعلامية. وفي المقابل، يتوقّف عند لحظات التلاقي البارزة، التي أظهرت إمكان قيام شراكة وطنية قائمة على المصالح المشتركة، لا على منطق الغلبة أو الحماية المتبادلة.
في خلاصته، يقدّم كتاب "الموارنة والشيعة في لبنان التلاقي التصادم" طرحاً نقدياً يعتبر أنّ أزمة العلاقة بين الموارنة والشيعة هي في جوهرها انعكاس لأزمة الدولة اللبنانية نفسها: دولة غير قادرة على إنتاج عقد اجتماعي جامع، ولا على إدارة التنوّع خارج منطق الطوائف المتنافسة. ومن هنا، يفتح الكتاب أفقًا للنقاش حول إمكان إعادة بناء هذه العلاقة على أسس سياسية ومدنية جديدة، تتجاوز الإرث التاريخي الثقيل، من دون القفز فوقه أو إنكاره.
وفي خلاصةٍ تظهر من بين السطور، أنّ الصدام بين الموارنة والشيعة ليس قدراً تاريخياً، ولا التلاقي هو استثناء عابر، بل هما وجهان لمسار تاريخي يجمع الموارنة والشيعة في إطار لبناني بات "ثابتة" لدى جميع الطوائف، كدولة معترف بها دولياً، لكنّ مكوناتها لا تزال تتناحر من أجل النفوذ في السلطة أو التسلّط.