المدرسة النمساوية في الاقتصاد
القيمة ليست سمة موضوعية كامنة في الأشياء، بل هي كامنة في عقل المشتري، فالشيء نفسه تتباين قيمته في نظر مختلف الأشخاص، والناس هنا مثل المتاجرين بالأسهم، يعتقد أحدهم بأنّ هذا هو الوقت المناسب للشراء، بينما يرى الآخر أنّ هذا هو الوقت المناسب للبيع.
-
المدرسة النمساوية في الاقتصاد
إنّ ثروة أيّ أمة تقاس بقدرتها الإنتاجية وحجم تجارتها، لا بكمية الذهب والفضة في خزائنها.
الفيلسوف الاقتصادي الاسكتلندي آدم سميث – ثروة الأمم 1776 –
ترجع أصول المدرسة النمساوية إلى جامعة فيينا: إذ بدأت مع نشر كتاب "مبادئ علم الاقتصاد" لكارل منجر، انتقد الكتاب الأفكار الاقتصادية السائدة وقتها في العالم المتحدّث بالألمانية: التي تسمّى المدرسة التاريخية بقيادة فلهلم روشر، وتبنّت هذه المدرسة وجهة النظر القائلة بأنّ علم الاقتصاد يشبه التاريخ، أي أنه يتعامل مع أحداث متفرّدة يستحيل تكرراها على النحو ذاته أبداً. وعلى هذا كان من المستحيل إرساء قوانين عامّة للاقتصاد كقوانين الفيزياء مثلما افترض اقتصاديو المدرسة الكلاسيكية في إنكلترا.
لقد اثار منهج كارل منجر خلافاً كبيراً حول ماهية العلوم الاجتماعية ومن بينها علم الاقتصاد، عرف باسم "النزاع المنهجي". وأطلق على منجر ورفاقه في جامعة فيينا: يوجين فون، بوهم بافريك، وفريدريك فايزر اسم المدرسة النمساوية. ويمثّل كلّ من منجر وبوهم بافريك وفايزر "الموجة الأولى" للمدرسة النمساوية، أما الموجة الثانية فكانت بقيادة لودفيج فون ميزس وفريدريك هايك اللذين تعاونا معاً في الثلاثينيات على تفسير دورات الاقتصاد: أي فترات الانتعاش والكساد الدورية التي تبدو ملمحاً مستديماً للعالم التجاري. وقد نادَيا بأنّ هذه الدورات تنبع من إدخال الائتمان المصرفي، فالاقتراض الرخيص يشجّع روّاد الأعمال على الاستثمار أكثر من عملية الإنتاج، ويشجّع المستهلكين من جهة أخرى على شراء المزيد من البضائع من المتاجر، لكن عند زوال المحفّزات الائتمانية يجد روّاد الأعمال أنهم ينتجون من الأشياء غير المرغوبة أكثر مما هو ضروري، ويتعثّر العمل ويتحتّم على الاستثمارات المفرطة في طموحها أن تزول. وبناء على طروحات فريديك هايك فقد فاز بجائزة نوبل عام 1975 عن عمله الذي أجراه في الثلاثينيات عن دورات الاقتصاد، وهذا قد أثار قدراً من الاهتمام في العالم بأفكار المدرسة النمساوية.
يعلّمنا نهج المدرسة النمساوية الكثير عن كيفية إقدام البشر على خياراتهم أو كيف "يقتصدون" بلغة الخبراء، وهذا ببساطة جوهر علم الاقتصاد، ومن هنا جاءت الحاجة إلى تقديم أفكار المدرسة ببساطة وبطرق مختلفة. تجدر بنا الإشارة إلى أنّ أغلب النمساويين ليبراليون بالمعنى الأوروبي لا بالمعنى الأميركي، فهم يؤمنون بأنه اذا كان الناس أحراراً في التصرّف كما يختارون ومقيّدين بحرية الآخرين بالتصرّف على النحو عينه فسيكون المجتمع إجمالاً ذاتي التنظيم، وفي مثل هذا المجتمع يقلّ القسر لحدّه الأدنى، لأنّ المنازعات يجب أن تحلّ بالتراضي، بينما يصل التعاون النافع إلى حدّه الأقصى من خلال التبادل الحرّ للملكيات الخاصة والعمل.
التبعات السّياسية للمنهج النمساوي
تؤكّد النظرة النمساوية أهمية الاختلافات والتنوّع في التقدّم البشري، على سبيل المثال: اختلاف البشر في تقديرهم لقيمة الأشياء هو ما يسبّب تحديداً دخولهم في عمليات التبادل من أجل المنفعة بين الطرفين، وأنّ سلوكهم الاجتماعي النفعي المتبادل ليس إرادة جمعية لبشر اتفقوا على كلّ شيء بل هو اتفاق متبادل بين أشخاص "غير متفقين".
يؤمن النمساويون بأننا سوف نحصل على حلول أكثر وأفضل وأكثر إبداعاً إذا تمّت الاستعانة بالخيال واليقظة والمعرفة المتخصصة للأفراد العديدين المرتبطين بالمهمة، وفي علم الاقتصاد يتحدّد هذا من خلال عملية المنافسة، التي تمنح روّاد الأعمال المختلفين حافز السعي وراء طرق جديدة أفضل لتعزيز القيمة المقدّمة للمستهلكين. وبالمنطق نفسه يمكن أن تحلّ مشكلاتنا السياسية والاجتماعية على أفضل نحو إذا منحنا الأفراد أكبر قدر من الحرية الممكنة للخروج بعدد متنوّع من الاستجابات الخلاّقة بدلاً من أن نأمل في أن يفي نهج جمعي وحيد بهذه المهمة.
المبادئ الرئيسة للاقتصاد النمساوي
أولاً: علم الاقتصاد معنيّ بالأفراد، وسبب ذلك أنّ علم الاقتصاد معني بالخيارات، فليس بوسعنا امتلاك كلّ شيء، لذا علينا أن نختار الأشياء الأكثر أهمّية لنا. ثانياً: علم الاقتصاد معنيّ بالكيفية التي يختار فيها الناس ما يفضّلونه ويقدّرونه وما يريدونه وما يعتقدونه بشأن العالم. ثالثاً: كلّ شيء في علم الاقتصاد يستند على القيم الإنسانية. رابعاً: المنافسة عملية اكتشاف، والأسواق ليست مثالية، وعدم المثالية هذه هي من تحرّك الأسواق، وهي تنجح لأنّ الناس في السوق يحدّدون الفرص الجديدة للمتاجرة، فربما يجدون طريقة أرخص لتصنيع سلعة ما أو قطاع ما من الخدمات لا يقدّمه أحد فيمكنهم ملء هذه الفجوات من تحقيق الربح من خلال وضع الموارد في أكثر المواضع احتياجاً لها، وسحبها من أقلّ المواضع قيمة. فكلما عظمت الحاجة التي يلبّيها روّاد الأعمال كلما عظم الربح الذي يجاملون فيه. رابعاً: الملكية الخاصة ضرورية. خامساً: الإنتاج عملية موازنة صعبة. سادساً: التضخّم مضرٌّ للغاية. سابعاً: التدخّل الحكومي مضرّ في جميع الأحوال.
ينادي النمساويون مجدّداً بأنّ الأسواق، وليست الحكومات، هي التي ستحلّ المشكلات الاقتصادية، ويؤمنون بأنّ الأسواق يمكنها حماية الموارد القيّمة والاقتصاد فيها - كموارد الطاقة ومناطق صيد الأسماك والمجاري المائية والحيوانات النادرة والهواء النظيف والمتنزّهات والغابات – بينما تؤدّي الملكية العامّة دائماً إلى الإفراط في استخدامها وإهدارها وتدميرها، إنهّم يريدون "التوسّع" في دور الأسواق لا محاولة السيطرة عليها.
ومن بحث أهمية القيم نتطرّق إلى عنوان فرعي: القيمة في العقول لا في الأشياء.
يقول المؤلف: يسبّب مفهوم القيمة بلبلة لدى البشر، وقد استمر هذا آلاف السنين، فهذا افتراض شائع بأنّ القيمة هي شيء تملك السلع المختلفة مقادير مختلفة منه، أي أنهّا سمة قابلة للقياس كالحجم أو الوزن، لكنّ القيمة ليست سمة موضوعية كامنة في الأشياء، بل هي كامنة في عقل المشتري، فالشيء نفسه تتباين قيمته في نظر مختلف الأشخاص، والناس هنا مثل المتاجرين بالأسهم، يعتقد أحدهم بأنّ هذا هو الوقت المناسب للشراء، بينما يرى الآخر أنّ هذا هو الوقت المناسب للبيع. وأنّ القيمة التي نسبغها على شيء ما هي مسألة تقدير شخصي: أمر عاطفي، وهي تعكس النفع الذي نؤمن بأنّ شيئاً ما سيجلبه إلينا، وهذا يعتمد على حالتنا البدنية والنفسية: فقد نولي قيمة كبيرة للمعطف الدافئ خلال العاصفة الثلجية، لكننا لن نفعل هذا لو كنّا في الصحراء، إلى جانب أنّ الأمر يعتمد على استنارة معتقداتنا: فكثير منا نولي شيئاً ما قيمة كبيرة، ثم نشعر بالإحباط فور اقتنائه. على الرّغم من أنّ علم الاقتصاد يضرب بجذوره في القيم البشرية، فإنه ليس فرعاً من فروع علم النفس، فهو لا يهتم بـ "سبب" تقدير الناس للأشياء، لماذا يشربون الكحوليات مثلاً، بل هو يهتم فقط بالنتائج التي تحدثها هذه القيم على ما يختارونه في السوق، مقدار المشروبات التي يرغبون فيها بمختلف الأسعار.
اعتبرت من وجهة نظري أنّ هذا الكتاب مهمٌّ ومريح بعض الشيء، وأشير إلى أنه يكتنف مواضيع شائقة تحكي تاريخ المدرسة النمساوية وتأسيسها، المبادئ الرئيسية للاقتصاد النمساوي، ويتناول بحث لماذا لا يعرف الاقتصاديون ما يفعلونه، وما هي أهمية القيم، والتنسيق عبر الأسواق، المنافسة وريادة الأعمال، الوقت والإنتاج ورأس المال والفائدة، الدورة الاقتصادية، مشكلة النقود، الأسعار والتكاليف والربح، عيوب الاشتراكية، الليبرالية، انتقادات النهج النمساوي، وأهمية المدرسة النمساوية في العصر الحالي، وأخيراً يختم المؤلف بفصل عن تراجم موجزة.