القبيح والمزعج في الفن: إستتيقا المستفز في الفن المعاصر

الفنّ الذي يستدعي القبح لا يفعل ذلك مصادفة، لكن بوصفه استجابة حسية وفكرية لهذه الحالة. إنّه يعيد تنظيم الحسّ، ويخلق مسافة نقدية بين المتلقّي والعالم، من دون أن يمنحه طمأنينة زائفة.

يتقدّم هذا النص من سؤال يبدو يسيراً في ظاهره، غير أنّه يقود مباشرة إلى قلب إحدى أكثر إشكالات الفنّ المعاصر تعقيداً. بأيّ معنى يمكن لما يُدرك عادة بوصفه مزعجاً أو منفراً أو غير مرغوب فيه أن يتحوّل إلى قيمة إستتيقية ذات كثافة معرفية، قادرة على مساءلة الجميل والجمال اللذين سيطرا على تاريخ الفنّ نفسه ومزاحمتهما؟ 

هذا السؤال لا ينفتح على بعد شكلي محضّ، ولا يندرج ضمن منطق الاستفزاز السطحي، وإنما يؤسس لمسار تحليلي يكشف عن تحوّل عميق في بنية الحسّ الجمالي المعاصر، حيث أعيد ترتيب العلاقات بين الجمال والقبح، بين المتعة والنفور، وبين الرضا والقلق، ضمن أفق مفاهيمي جديد أعاد النظر في أسس التلقّي والتقويم معاً.

في سياق المعاصرة، لم يعد المزعج مجرّد قيمة سلبية أو عرضاً طارئاً، بل غدا لغة فنية قائمة بذاتها، تشتغل بوصفها أداة كشف وتحليل وبناء للوعي. إنّه مظهر من مظاهر إعادة تنظيم العلاقة بين الذات والعالم، بين الجسد والتاريخ، وبين المادة والمعنى. 

هذه اللغة تنشأ داخل تاريخ إستتيقي طويل، يمتد من التصوّرات الكلاسيكية للجمال بوصفه تناغماً وانسجاماً، إلى الحداثة التي أدخلت التصدّع والتوتر إلى قلب الشكل، وصولاً إلى النظريات النقدية المعاصرة التي جعلت من "الإستتيقية السلبية" (aesthetic negativity) أفقاً للتفكير في الفنّ والمجتمع. 

من الجمال إلى السلب: تحوّل الحسّ الإستتيقي في الفن المعاصر

  • الإيقاع صفر (أبراموفيتش)
    الإيقاع صفر (أبراموفيتش)

هذه الإستتيقا المعاصرة المتسمة بصيغة النفي تتحدّد في أنه "لا شيء يضرّ بالمعرفة النظرية للفنّ الحديث أكثر من اختزالها إلى ما تشترك فيه مع فترات أقدم"، كما يؤكّد تيودور أدورنو. وبالتالي فالفنّ يتجدّد من حيث أنه نفي/سلب، ويضيف صاحب "النظرية الجمالية" أنه: "إذا كان للفكر أن يكتسب علاقة بالفنّ بأيّ شكل من الأشكال، فيجب أن يكون ذلك على أساس أنّ شيئاً ما في الواقع، شيئاً ما وراء الحجاب الذي نسجته تفاعلات المؤسسات والاحتياجات الزائفة، يطالب موضوعياً بالفن، وأنه يطالب بفنّ يتحدّث عمّا يخفيه الحجاب". 

ذلك أنّ الفن هو كشف للحجاب، الذي في رؤيتنا هنا لا يتحقّق إلا عبر استفزاز الثابت وإزعاج النظر بالرؤية القصوة، وهذا الكشف لا ينبغي فهمه على أساس أنه تعرية وفضح، حيث إنّ "الخفاء يعدّ ضرورياً للجمال". 

ضمن هذا الامتداد، يظهر القبح لا بوصفه نقيضاً للجمال، إنما باعتباره إمكانية دلالية تحمل قدرة على الكشف، وتفتح المجال أمام قراءة الواقع في تشظّيه وعنفه وتناقضاته، ضمن انتقال جوهري إلى المستوى الإستتيقي المنفتح على كلّ التغيّرات والبدائل الفنية بعيداً من مسمّى "جميل" أو "جمال"، وهي مسمّيات بات يُنظر إليها أنها تقليدية تنبع عن فهم كلاسيكي للفنّ تعبيراً عن الخير والصالح. 

في هذا المنظور، يتخذ القبح معنى يتجاوز كونه غياباً للجمال أو فشلاً في تحقيقه. فعند تيودور أدورنو، يتأسس العمل الفني الصادق على ما أسماه "محتوى الحقيقة" [الصدق] (truth-content)، وهو توتر داخلي بين الشكل والمضمون، بين الحسّي والمفاهيمي، بين الفردي والاجتماعي. ومنه، تشكّل العناصر التي توصف عادة بالقبيحة أو المتنافرة داخل العمل الفني، علامات دالة على تناقضات تاريخية واجتماعية مكبوتة. 

ولا يقدّم الفن، عبر هذه السلبية، صورة مصالِحة مع الواقع، بل يعيد طرح الصراع في صيغ حسية غير منقّحة، تكسر وهم الانسجام وتفضح بنيات القهر والاغتراب. هكذا يتحوّل القبح إلى وظيفة معرفيّة، تسمح للفنّ بأن يكشف ما تعجز الخطابات الجمالية الملساء/الناعمة عن قوله. 

وهو أمر لا يتفق مع أطروحة المؤامرة البودريارية حول الفني الذي يرى فيه أنه "فقد الرغبة في الوهم [التحجّب من أجل الكشف]، مفضّلاً الارتقاء بكلّ شيء إلى مستوى الابتذال الجمالي، فأصبح بذلك متجاوزاً للإستتيقا". 

فالمزعج هنا والمستفزّ، كما القبيح، يلعب دور المقاوم للابتذال نفسه، تحت فعل "الدعوة" للنظر لما هو قائم عبر المرموز والدافع إلى التفكير عبر اختراق السائد والمعتاد.

القبح بوصفه معرفة: الإستتيقا السلبية وكشف المستور

  • "حفلة عشاء" عام 1979 لجودي شيكاغو

لكنّ النظرية وحدها لا تكتفي؛ فما يجعل هذه الجدليّة حيّة هو العمل الفني ذاته، وفيه تتجسّد تحوّلات القبح والمزعج. وواحدة من أولى التجارب التي تثبت هذه القوة المعرفية للقبح هي ثلاثيّة "فرانسيس بيكون" (Francis Bacon)، "ثلاث دراسات للأشكال في قاعدة صلب (1944)"، في هذه اللوحات، الأجساد مشوّهة، متشنّجة، تبدو كأنها تئن تحت وطأة الألم أو الرؤى المروّعة. هذا التشويه ليس مجرّد خيار جمالي، إنه صرخة ومقاومة مستفزّة، أي أنه تذكير بأنّ التاريخ البشري يخلق وحوشه، وأنّ الجسد الإنساني ليس دائماً كِياناً جميلاً أو متناغماً، وإنما موقع صراع نفسي وتاريخي. 

عند بيكون، القبح هو سيرة الألم، وليس مجرّد نمط بصري خانق. أما الألوان الداكنة، والتشويش، والمساحات المفتوحة التي لا تستقرّ، كلّ ذلك يخلق انسجاماً داخل التنافر. إنه "جمال مضاد" والمستفز الذي يعكس الحالة المعاصرة للإنسان المتعرّض للخراب والعدمية، والذي يحيا في ألم داخلي وصراخ بدني، يقاوم بحياة رغم أنه يتمزّق داخلياً. 

هنا يكشف لنا بيكون، عبر طمس صباغي، عن الأسى الذاتي والمآسي الإنسانية المصلوبة في صليب الحياة، والمعلقة في مذبحة الاندفاع الإجباري للعيش والتعايش صمتاً مع ما نحمل من آلام ذاتية يصعب الكشف عنها أحياناً للآخرين. هنا تتحدّد قوة الاستفزاز والقبح، التي لا يستطيع التصوير "الجميل" المتقن والمحاكي للواقع التعبير عنها تعبيراً كاشفاً.

يلتقي هذا البعد الكاشف مع تصوّر "جورج باتاي" (Georges Bataille)، حيث يصبح المزعج والقبيح فضاء للاختراق (transgression)، أي لتجاوز الأعراف والقيم السائدة عبر ما سماه الإنفاق أو التبديد (expenditure)، حيث "ينتقد باتاي، هذا الفيلسوف والسريالي الفرنسي، الأطر النفعية، مُجادلاً بأنّ أفعال الإفراط، كالشعائر والفن والتضحية، تكشف حقائق وجودية أعمق حول الحرية والرغبة الإنسانية".

الاستفزاز كفعل فنّي: الجسد والسلطة والاختراق
 

  • أندريس سيرانو
    أندريس سيرانو

في هذا السياق، يحتضن الفنّ ما هو محظور أو غير نظيف أو فائض عن النظام الإنتاجي، لا بهدف الصدمة الأخلاقية، لكن من أجل زعزعة الاقتصاد الرمزي - أو ما يسميه "الاقتصاد التقييدي" - الذي يحكم الذوق والمعنى. 

فالقبح عند باتاي يحمل طاقة تحرّرية، لأنه يعيد توزيع الحدود بين المقبول والمرفوض، ويفتح تجربة حسية تضع المتلقّي أمام مناطق لا ألفة فيها، حيث الوعي يُستثار خارج منطق الاستهلاك والترويض.

من هذا المنطلق، تتضح تجربة الأميركي أندريس سيرانو (Andres Serrano)، المستفزة والتي تعود لعام 1987. حيث عمد لتقديم ما يشبه الصليب مغموراً في سائل مكوّن من بول الفنان نفسه، والمشهد يثير الاشمئزاز والدهشة في آن. 

لكنه ليس استفزازاً بلا معنى، ذلك أنّ سيرانو يعيد طرح علاقة المقدّس بالدنيوي، والعلاقة بين الدين والسلطة، وقيمة الرموز حين تُركّب على مادة عضوية متحللة أو ملوّثة. الإزعاج الذي تثيره الصورة يدفع المتلقّي للنظر إلى ما يعنيه أن يظلّ صليب مُكرّم وسط مادة تولّد النفور. إنه سؤال عن القداسة في عصر يقلّب المادة وينزع إلى استهلاكها وإهانتها: ماذا يتبقّى من المعنى عندما تختلط الرموز بالسائل العضوي؟ كيف تعيد الصورة طرح موضوع الإيمان في ظلّ مجتمع يصبح فيه الجسد والدين صناعة؟

أما عند أمبرتو إيكو، فيُقرأ القبح بوصفه مفهوماً تاريخياً وثقافياً متحوّلاً، يتغيّر بتغيّر الأزمنة والسياقات. والقبح في هذا المعنى اختيار فني واعٍ، لا مصادفة شكلية، يُستخدم لإعادة التفكير في الجسد، والهامش، والنفايات، وكلّ ما تمّ إقصاؤه من قبل الذوق البرجوازي المهيمن. الفنّ المعاصر يستثمر هذا التحوّل، ويجعل من القبح فضاء تأويلياً غنياً، قادراً على تفكيك المعايير المستقرة وإعادة تركيبها. وهو ما يتّضح في الأداء الجسدي لدى مارينا أبراموفيتش (Marina Abramović) في عرضها الأدائي (البيرفورمانس) "إيقاع 0" -Rhythm 0 (1974)-. 

هناك، وضعت الفنانة 72 أداة على طاولة - بعضها لطيف وبعضها جارح وحادّ - وسمحت للجمهور بأن يختار كيف يتعامل معها: هل يلامسونها، يؤذونها، يجرّحونها، يغلقون أفواههم أمام الألم؟ 

المشهد قاسٍ ومزعج، لكنّ مهمته لا تقتصر على الصدمة، بل على الكشف، أي عن كيف تتصرّف الجماعة أمام الجسد المستسلم؟ متى تتحوّل الحرية إلى عنف، ومتى يتبدّل الحضور إلى تآمر؟ أبراموفيتش لا تعرض جسدها هنا كرمز جميل أو أداء مسلٍّ؛ فهي تختبر عبره، بعده وسيطاً تفاعلياً في هذه الحال، الحدود بين المتلقّي والفن، بين الضحية والمراقب، بين الشفقة والقسوة. 

هذا الأداء يعيد إلى القبح - الإنساني تحديداً- بعده الاجتماعي والتحريضي: إنه ليس مجرّد شكل، وإنما فعل فكري، تجربة معرفية عن السلطة والزمن والتفاعل.

  • داميان هيرست مع أحد أعماله
    داميان هيرست مع أحد أعماله

يتحوّل هذا البعد بالتالي، إلى تجربة اجتماعية مباشرة في الأداء الجسدي، حيث يُوضع الجسد في مواجهة الجمهور داخل وضعيّات قصوى. الإزعاج الناتج عن هذه الأعمال لا ينتج عن الشكل وحده، بل عن انكشاف العلاقات السلطوية الكامنة داخل الجماعة. 

القبح هنا فعل تفاعلي، ناتج عن الاستفزاز (الفنانة/الجس/الوسيط الثابت بلا حراك)، يكشف حدود الأخلاق، والعنف الكامن في الحرية غير المؤطرة، والمُخزّن في الداخل البشري الذي لا يؤمن بالنخبوي أو العادي، ويحوّل العمل الفني إلى مختبر معرفي للسلوك الإنساني.

في سياق الاستفزاز وإثارة النظر نفسه، تتخذ أعمال كريس أوفيلي (Chris Ofili) بعداً نقدياً يتقاطع فيه القبح المادي مع الذاكرة الاستعمارية والهوية الثقافية. وذلك عبر إدماج مواد مستبعدة داخل تمثيلات دينية يعيد مساءلة التاريخ الغربي، وعلاقة الجسد الأسود بالمقدّس، والكيفيّة التي تمّ بها فرض معايير الجمال والروحانية. القبح هنا أداة لإحياء ذاكرة مهمّشة، واستعادة طبقات من المعنى طُمست تحت خطاب النقاء والانسجام.

أما في أعمال داميان هيرست (Damien Hirst)، فإنّ القبح يتخذ بعداً وجودياً مباشراً، حيث يُعرض الموت -حيوانات معروضة كاملة أو مجزّأة - بوصفه مادة مرئية محفوظة علمياً. المواجهة مع الجسد الميت داخل وسيط زجاجي تخلق توتراً بين الرغبة في الفهم والخوف من الفناء. هنا، يصبح القبح مدخلاً لتأمّل الزمن، والهشاشة، واستحالة استيعاب الموت داخل وعي حيّ. 

  • الرقة، أو طفل السكر الرائع (2014)
    الرقة، أو طفل السكر الرائع (2014)

في سياق آخر، تعيد جودي شيكاغو (Judy Chicago) كتابة التاريخ من خلال الجسد الأنثوي، مستخدمة أشكالاً تستدعي التشريح والذاكرة البيولوجية. القبح في هذه الأعمال لا يتجلّى في النفور المباشر والاستفزاز الواضح، إنما في كسر الصيغ الزخرفية التقليدية، وفرض حضور جسدي يحمل ذاكرة الإقصاء والتهميش. 

الجسد هنا يتحوّل إلى نصّ تاريخي، والقبح إلى وسيلة لاستعادة ما تمّ محوه. ويتمظهر ذلك في عملها المستفز "حفلة عشاء" عام 1979، والمكوّن من مائدة ضخمة تضمّ لوحات وقواعد تمثّل نساء من التاريخ، ليمثلن تجربة إستتيقية تتعدّى كونها ناعمة بالمعنى الأنثوي المكرّس اجتماعياً.

كما تبرز تجربة "كارا ووكر" (Kara Walker)، التي استخدمت في عملها "الرقة، أو طفل السكر الرائع عام 2014، سكّراً لتشكيل تمثال هائل (قريب من تمثال أبو الهول)، يشير إلى تاريخ العبودية والرقّ. بينما تبدو المواد حلوة ونظيفة من بعيد، لكنها تخبّئ في خلفيّتها نغمة مدمّرة، نغمة تاريخ مؤلم. المزعج في هذا العمل مزدوج: فالمادة - سكر- تبدو بريئة، لكن المعنى ثقيل؛ التمثال حلو، لكنه مرّ في دلالته. هذا التوظيف للمادة البسيطة والمألوفة ليحمل ذنب التاريخ هو تعبير قوي عن كيف يمكن للقبح الرمزي أن يعيد طرح الماضي بكثافة، وكيف تنبض الحساسية الجمالية بتاريخ العنف.

القبح والذاكرة والعنف التاريخي: من الفردي إلى السياسي

  • ثلاث دراسات للأشكال في قاعدة صلب (فرانسيس بيكون)
    ثلاث دراسات للأشكال في قاعدة صلب (فرانسيس بيكون)

يمكننا بناء على هذا التحليل أن نتسع لتشمل نماذجنا أعمالاً متعددة، منها تلك التي تتخذ جذورها التأصيلية من الفنّ الحديث نفسه، مثلما هي الحال مع أعمال "فرانسيسكو غويا" (Francisco de Goya)، التي تتحدّى التصوير الحديث عينه، للتبع مسلك استفزاز الذهن والعين معاً، خاصة في أعماله "البنتوراس نيغراس" (Pinturas negras) - أي اللوحات السوداء- ولوحة "ساتورن [كرونوس] يلتهم ابنه" التي تكشف عن الوحشية في الفنّ، والوحشية هنا ليست بالمعنى الذي أثارته التجربة الغربية في استحداث أساليب لونية تصويرية في أواخر القرن الـ19 وبداية الـ20، لكن من خلال إبراز العنف الطافح والفائض في العالم عبر استدعاء الأسطوري. 

تُظهر لوحة غويا كرونوس [زحل] وهو يلتهم أحد أبنائه بعنف صادم يفوق ما أنجزه "بيير بول روبنز" (Pierre Paul Rubens) قبل قرنين، حيث تُستعاد الأسطورة الإغريقية في بعدها البربري الواقعي بعيداً عن أيّ تزيين جمالي. الجسد الملتهم لا يحيل إلى طفل، وإنما إلى شاب بالغ، وقد قرأ بعض النقّاد فيه ملامح جسد أنثوي، ما يفتح سؤال الدلالة الرمزية لهذا الاختيار القاسي. 

يرى "نايجل غليندينغ" (Nigel Glendinning) أنّ هذا التحريف يعكس توترات غويا الذاتية المرتبطة بالشيخوخة والمرض وخيباته العاطفية. الصمم الذي أصابه في منتصف عمره، إلى جانب صدمات الحروب النابليونية والاضطرابات الإسبانية، عمّق عزلته النفسية. أنجز غويا هذه اللوحة ضمن سلسلته السوداء مباشرة على جدران منزله، في فعل إبداعي حميمي. 

وبعد وفاته نُقلت إلى القماش وعُرضت في متحف البرادو، بينما ظل معناها مفتوحاً، مرسوماً من أجل غويا وحده، غير أنها تظل عامرة بقابلية التأويل في ظل ما تكتنزه من عنف واستفزاز، انعكس على تجارب معاصرة مثلما يتمظهر في أعمال فرنسيس بيكون.

يمكن القول إنّ الفنّ الذي يحتضن القبح والمزعج يشتغل كمقاومة رمزية لهذه الآليات، ويعيد توزيع الشرعية الإستتيقية خارج المعايير البرجوازية المهيمنة، وخارج دائرة الرؤية السائدة، فغويا كان يرسم لنفسه قبل أن يثير ما تركه ذائقة السائد ويحرّك ذهن المتلقّي للسؤال ضمن بعد يقارب الواقعي بالأسطوري، ولا ينفصل عن الحياتي. 

فالقبح يتحوّل إلى صوت لمن حُرموا من التمثيل، وإلى أداة سياسية لإعادة التفكير في السلطة الإستتيقية. ويبرز ذلك في تجربة "آي ويوي" (Ai Weiwei)، حيث يتحوّل الفائض المادي إلى علامة على علاقات السلطة والإنتاج الجماعي. القبح هنا يظهر بوصفه قبح الوفرة، وقبح الاستنساخ، ويعمل كأداة تحليل اجتماعي تفضح العلاقة بين الفرد والمنظومة.

ومن زاوية أوسع، يعكس هذا التوجّه أزمة الحداثة وما بعدها، أزمة العلاقة مع الجسد، والمادة، والتاريخ. إذ إنّ العالم المعاصر مثقل بالنفايات المادية والرمزية، والفجوات الاجتماعية، والذاكرة الجريحة. 

الفنّ الذي يستدعي القبح لا يفعل ذلك مصادفة، لكن بوصفه استجابة حسية وفكرية لهذه الحالة. إنّه يعيد تنظيم الحسّ، ويخلق مسافة نقدية بين المتلقّي والعالم، من دون أن يمنحه طمأنينة زائفة.

بهذا المعنى، يصبح القبح المزعج أداة تأويلية - نقدية، تفتح المعرفة بدلاً من أن تغلقها، وتستدعي ما جرى نسيانه أو إقصاؤه. تؤكّد الإستتيقية السلبية عند أدورنو هذا البعد، حيث يبقى التوتر مفتوحاً، ويظلّ المعنى في حالة تشكّل دائم. الفن لا يقدّم حلولاً، بل يخلق شروط التفكير.

ضمن هذا الأفق، يتضح أنّ القبح المزعج المستفز يشكّل شرطاً أساسياً لإمكانات الفنّ المعاصر بوصفه فضاء للوعي والنقد. عبره، يتحوّل الفن من ترف بصري إلى ممارسة معرفية ووجودية، تضع الإنسان أمام ما يتجنّب رؤيته، وتعيد صياغة الفن (جمالاً وقبحاً) بوصفه قدرة على مواجهة التمزّق والهشاشة والمعنى غير المكتمل.

اخترنا لك