الفيزياء النظرية والفن التشكيلي: عندما يشترك العالِم والفنّان في الفضول
إن اللون والضوء، وعلاقة المساحة بالفراغ، وعناصر المكان والزمان، كلها تمنح العمل الهندسي ثقله ومعناه. فالهندسة في اللوحة ليست مجرد خطوط مغلقة، بل طريقة في بناء الرؤية.
-
"التكوين الثامن"، فاسيلي كاندينسكي، 1923
من الطبيعي أن نبحث عن منطقة مشتركة بين العالِم والفنان التشكيلي. فكلاهما ينطلق من الفضول، ومن الرغبة في فهم العالم، وإن اختلفا في المنهج والأداة واللغة. فالعالِم يختبر الفرضيات بالقياس والتجربة والمعادلة، أما الفنان فيختبر الوجود بالصورة واللون والحدس. ومع ذلك، يمكننا أن نرى في أساليب بعض الفنانين ما يشبه أسلوب العلم، لا بوصفه تطابقاً، بل بوصفه تقاطعاً في طريقة النظر والسؤال.
في هذا السياق، يمكن القول إن التجربة الفنية لا تعتمد على الإدراك البصري وحده، بل تتحرك بين 3 مستويات متداخلة: المدرك العقلي، والمدرك الحسي، والمدرك الحدسي.
هذه المستويات تجعل الفن قادراً على مقاربة أسئلة لا يكفي المنطق وحده للإحاطة بها. فالمنطق يمنحنا طريقاً واضحاً، أما الخيال فيفتح أمامنا احتمالات لا نهائية. ومن هنا تأتي أهمية العبارة المنسوبة إلى ألبرت أينشتاين: "المنطق سيأخذك من أ إلى ب، أما الخيال فسيأخذك إلى كل مكان".
إن المقاربة بين العلم والفن تنبع من اشتراكهما في التجريد، وفي قدرتهما على إثارة الدهشة والريبة والشغف. نحن جزء من الكون، ولسنا خارجَه، ولذلك فإن محاولة فهمه لا تنفصل عن موقعنا فيه، وعن أدوات إدراكنا له.
لقد غيّرت الفيزياء الحديثة مفهومنا للحقيقة، فلم تعد الحقيقة مقتصرة على ما نراه أو نلمسه، بل أصبحت تشمل ما تكشفه المعادلات، وما تشير إليه التجارب، وما يتجاوز الإدراك الحسي المباشر.
وليس صدفة أن يهتم عدد من علماء الفيزياء بالفن، ولا سيما الفن التجريدي، ذلك الفن الخارج عن البديهيات والتيارات السائدة.
فقد عُرف عن نيلز بور، أحد مؤسسي فيزياء الكم، اهتمامه بالفن التكعيبي، كما ارتبط اسمه في بعض الدراسات بلوحات الفنان الفرنسي جان ميتزنغر. غير أن هذه العلاقة ينبغي أن تُفهم بحذر، لا باعتبارها دليلاً مباشراً على أن الفن أنتج نظرية علمية، بل باعتبارها مثالاً على قدرة الخيال البصري على إلهام التفكير العلمي وفتح طرق جديدة في النظر إلى الواقع.
وقد نُسب إلى بور قوله إن اللغة، عندما تتحدث عن عالم الذرة، تصبح قريبة من الشعر. وهذا القول يلخّص مأزق الفيزياء الحديثة أمام عالم لا تكفي اللغة اليومية لوصفه. فالذرة، والجسيم، والموجة، والفراغ، والزمن، ليست أشياء بسيطة كما تبدو في التصورات الأولى، بل ظواهر تحتاج إلى لغة مرنة، تجمع بين الدقة والخيال.
بهذه الرؤية، يشترك العالِم والفنان في الفضول والوعي، مع اختلاف واضح في الوسيلة. فالعالِم يصغي إلى الطبيعة عبر التجربة، والفنان يصغي إليها عبر الحس والحدس والذاكرة. وحين يقول الفنان الإسباني، خوان ميرو، إنه يترك للاوعي أن يحرك ريشته، يمكن قراءة ذلك كنوع من الإصغاء الداخلي، حيث لا يفرض الفنان على اللوحة معنى جاهزاً، بل يترك الشكل يتكوّن من تفاعل المادة والذاكرة والحدس.
وليس المهم هنا أن يفهم القارئ الفيزياء بمعناها التقني الصارم، بل أن يدرك ما تثيره الفيزياء فينا من أسئلة. لقد جعلتنا الفيزياء الحديثة نعيد التفكير في مفاهيم الحقيقة، والمادة، والفراغ، والزمن، والمكان، والثقوب السوداء. لم يعد الكون مسرحاً ثابتاً للأشياء، بل صار مجالاً للحركة والاحتمال والتحول. ومن هنا يصبح الفن، بخاصة الفن التجريدي والهندسي، قادراً على أن يوازي هذا التحول بلغة بصرية.
إن خلق رؤية ذهنية جديدة للعالم، أو تكوين مفهوم بصري من خلال اللوحة، هو من أخطر ما يمكن أن يغامر به الفنان. فالعالم المعاصر يقوم على النظريات والفرضيات والأفكار الدقيقة، وعلى احتمالات محسوبة بلغة الرياضيات. لذلك لا يكفي أن يستعير الفنان مفردات العلم، بل يجب أن يحولها إلى تجربة تشكيلية قادرة على إنتاج معنى بصري مستقل.
من هنا تأتي أهمية التجارب الفنية التي تشتغل على الهندسة والضوء والفراغ والكتلة، لا بوصفها زخارف شكلية، بل بوصفها عناصر تفكير. فالفنان، حين يضع أشكاله ضمن لعبة بصرية هندسية، يفتح اللوحة على سؤال أعمق: كيف نرى؟ وكيف نقيس كثافة الرؤية؟ وكيف تتحول المساحة والضوء والخط إلى طريقة لفهم العالم؟
في هذا الإطار يمكن قراءة تجربة الفنانة السورية، سلوى الصغير، صاحبة الخلفية في الفيزياء والرياضيات، من خلال مشروعها المعروف بـ "الأعشاش الهندسية". فهذا المشروع لا يقوم على الزخرفة الهندسية وحدها، بل يسعى إلى بناء علاقة بين الشكل والفراغ، وبين البعد المرئي والبعد المتخيل، وبين النظام والفوضى.
غير أن هذه التجربة لا يمكن عزلها عن تاريخ طويل من التفاعل بين الهندسة والفن. فقد سبقتها المدرسة التكعيبية إلى اعتماد الأشكال الهندسية في بدايات القرن الــ 20، حين عمل الفنانون على تفكيك المنظور الواحد، وإعادة بناء الأشياء من زوايا متعددة.
وكان بول سيزان قد مهّد لهذا التحول حين تعامل مع الطبيعة من خلال الكتل والأشكال الأساسية، قبل أن يطوّر بابلو بيكاسو وجورج براك هذا المسار إلى لغة تكعيبية قائمة على المكعبات والمخروطات والأسطوانات وتعدد وجهات النظر.
وفي العالم العربي، لا يمكن تجاهل تجربة الفنان العراقي الراحل، محمود صبري، منظّر "واقعية الكم". فقد حاول صبري أن يؤسس علاقة بين الفن والعلم، وأن يجعل اللوحة مجالاً لتفكير بصري في المادة والحركة واللون. لم تكن تجربته مجرد استعمال للأشكال الهندسية، بل كانت محاولة لربط الرؤية الفنية بالمنهج العلمي، وبفكرة أن الواقع ليس كتلة جامدة، بل شبكة من العلاقات والتحولات.
لقد تجاوز محمود صبري، في مشروعه، حدود المحاكاة التقليدية للطبيعة. فهو لم يتعامل مع الشكل الهندسي كزينة، بل كوسيلة للكشف عن البنية العميقة للمادة. ومن خلال النقاط والخطوط والمثلثات والمربعات والدوائر، حاول أن يمنح اللوحة إيقاعاً داخلياً يتقاطع فيه الحس البصري مع التفكير العقلي.
بهذا المعنى، لا تبدو تجربة سلوى الصغير منفصلة عن هذه المسارات، بل يمكن النظر إليها كجزء من بحث تشكيلي أوسع عن العلاقة بين الرياضيات والفيزياء والفن. فمشروع "الأعشاش الهندسية" يقوم على تنظيم بصري يحاور فكرة البعد، والحركة، والفراغ، كما يحاول أن يمنح الشكل الهندسي طاقة تعبيرية تتجاوز المعادلة الجامدة.
إن اللون والضوء، وعلاقة المساحة بالفراغ، وعناصر المكان والزمان، كلها تمنح العمل الهندسي ثقله ومعناه. فالهندسة في اللوحة ليست مجرد خطوط مغلقة، بل طريقة في بناء الرؤية. وكلما تعمق الفنان في فهم المادة التي يعمل عليها، صار قادراً على تحويل الشكل إلى سؤال، واللون إلى طاقة، والفراغ إلى معنى.
لذلك تبدو العلاقة بين الفيزياء النظرية والفن التشكيلي علاقة خصبة، لا لأنها تجعل الفنان عالماً أو العالِم فناناً، بل لأنها تكشف أن كليهما يبحث عن المجهول. فالعالِم يسأل الكون عبر المعادلة، والفنان يسأله عبر الصورة. وبين المعادلة والصورة، وبين المختبر والمرسم، تقيم الدهشة جسراً عميقاً لا ينقطع.