الفن والإبادة بين الغرب والعرب
ماذا يحدث عندما يقرر الفنان أن يكون إنساناً حراً لا يحيد عن الحق، وليس مجرد كومبارس يؤدي دوراً كتب له؟ وكيف وصل الفنان العربي إلى هذا الغياب؟
-
(غزة)
أحداث كثيرة تتعلق بالشأن الثقافي والفني راودتني وأنا أفكر بكتابة مقال هذا الأسبوع، فتأثير قوة الكلمة، وموقف الغرب تجاه الإنسانية أمام صمت أولياء الدم، والكلفة المهنية لذلك، وصولاً إلى فيلم "نازا" ومساحات الرقابة على المسرح والسينما والكلمة، إلى كل ما يتعلق بموقف المؤسسات والفعاليات الفكرية والثقافية والفنية بكل تلك التغيرات التي أظهرت تأثير حرب الإبادة في غزة على الرأي العام العالمي تجاه كيان الاحتلال الإسرائيلي.
إذ لم تعد العلاقة بين الفن والقضية الفلسطينية مجرد حضور في أغنية أو في منشور على منصات التواصل الاجتماعي، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لموقع الفنان من العالم الذي يعيش فيه، تطرح التساؤلات التي تحلق دائماً معنا: هل يكتفي الفنان والممثل بأن يكون صانعاً للمشهد أو الأغنية، أم أن شهرته تضع على عاتقه مسؤولية جديدة عندما تقع جريمة حرب بهذا الحجم؟ وفي المقابل، ماذا يحدث للفنان عندما يتكلم؟ ماذا يحدث له عندما يصمت؟ وربما الأهم، من يملك حق تحديد الحدود التي يمتلكها الفنان؟
وهنا، كان لا بد من العودة مرة أخرى للحديث عن الفنان المصري، محمد سلام. ففي العالم العربي، ظهرت هذه الأسئلة مبكراً وبصورة شديدة الوضوح مع ذلك الممثل الذي اعتذر في تشرين الأول/أكتوبر عام 2023 عن المشاركة في مسرحية كوميدية ضمن "موسم الرياض"، قائلاً إنه لا يستطيع أن يسافر ليقدم عرضاً كوميدياً بينما يقتل إخوانه الفلسطينيون في غزة، وقد تحول انسحابه إلى واحد من أكثر المواقف إثارة للنقاش داخل الوسط الفني العربي.
ربما الأهم في قصة محمد سلام في حينه، أن الفن لم ينقسم فقط بين الفنان العربي والإنسان الفلسطيني، وإنما انقسم داخل الوسط الفني نفسه، ويومها كان بيومي فؤاد في الطرف الآخر من السجال، طاعناً الفلسطينيين في خاصرتهم، قبل أن يعود في كانون الثاني/يناير 2026 ويعتذر علناً للفنان محمد سلام بعد أكثر من عامين من القطيعة، في مراجعة متأخرة لموقف أثار جدلاً واضحاً، خذل الفلسطينيين 1000 مرة.
في المقابل، لم يكن الغرب بعيداً من السؤال نفسه، وربما تكون قضية ماكليمور أبرز مثال راهن؛ فبعد أن تحدث على المسرح في الولايات المتحدة مؤخراً عن فلسطين وغزة، مردداً عبارة: "فلسطين حرة"، خلال حفلاته مع إد شيران، إذ تم إيقاف جولته، وقال مسؤول تسويق الجولة إن عدداً من الملاعب لم تكن مستعدة لاستضافة الحفلات في حال شارك ماكليمور فيها. لذلك انسحب عدد من الفنانين المشاركين من الجولة تضامناً معه، قبل أن يتحدث إد شيران في فيلادلفيا عن مدينة غزة قبل أيام، واصفاً ما يحدث فيها بأنه "كارثي وغير مبرر"، مع تأكيده في الوقت نفسه إدانة "هجمات" السابع من أكتوبر، والسؤال الأهم هنا: أين المغني العربي؟ أين السينما والدراما العربية؟ أم أنها توقفت عند مسلسل "صحاب الأرض" فقط؟ ولماذا لا يشرع العربي في إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية من خلال الأفلام السينمائية والكرتونية وغيرها للأجيال القادمة كي تحفظ وجه عدوها جيداً؟
قصة ماكليمور ظهرت في السينما مع الممثلة ميليسا باريرا، التي تم طردها من تأدية إحدى شخصيات فيلم "سكريم أو الصرخة 5" بعد منشورات مؤيدة للفلسطينيين ومنتقدة لـ"دولة" الاحتلال. شركة "سباي جلاس" بررت قرارها باعتبار أن بعض المنشورات "معادية للسامية"، بينما أكدت باريرا رفضها لمعاداة السامية والإسلاموفوبيا في الوقت ذاته، وتمسكت بحقها في الحديث عن حقوق الإنسان.
ثم بعد سنوات عاد الممثل ماثيو ليلارد في أيلول/سبتمبر 2026 ليعبّر عن ندمه على عدم الوقوف إلى جانبها حين حدث ذلك، فكم عدد الفنانين الذين سيبدون ندمهم عن عدم وقوفهم إلى جانب محمد سلام والقضية الفلسطينية لاحقاً؟
الممثلة سوزان ساراندون تقدم صورة أخرى للعقوبة المهنية، فقد أسقطتها وكالة "UTA" بداية حرب الإبادة في غزة عقب تصريحات مؤيدة للفلسطينيين، بينما قالت ساراندون في "مهرجان البندقية السينمائي الدولي" هذا الشهر إنها لا تزال تخسر أدواراً بسبب موقفها من فلسطين، وهذه الأخيرة تظل رواية الفنانة عن تجربتها المهنية، وليس إثباتاً مستقلاً بأن صناعة السينما كلها وضعتها على قائمة المنع؛ بمعنى أن العقوبة ليست دائماً إقالة معلنة، بل قد تكون باباً يتم إغلاقه من دون مبرر.
حتى مارك روفالو، بطلي المفضل الذي أستعير شخصيته في قصصي ونصوصي، المعروف عالمياً بشخصية هالك "Hulk" وجد نفسه وسط هذا النوع من الصراع عندما دخل في مواجهة علنية مع شركة "باراماونت" بعدما انتقد علاقات تجارية وسياسية مرتبطة بـ"دولة" الاحتلال وبالحرب على غزة، حيث اتهمته المؤسسة باستخدام قوالب معادية للسامية، بينما رفض روفالو الاتهام وقال إن انتقاد سياسات الحكومة أو المؤسسات ليس هجوماً على اليهود في العالم، ودافع عنه فنانون وأكاديميون يهود في رسالة جماعية، وهو ما نلاحظه اليوم من طرف الكثير من مناصري فلسطين من اليهود حول العالم.
ولعل هذا ما يأخذني إلى قضية أكثر وضوحاً في التغير الفكري لدى بعض مواطني "دولة" الاحتلال، ففي فيلم "نازا"، الذي أخرجه يوڤال أبراهام وراشيل زور، والذي تم عرضه عالمياً في مهرجان البندقية مؤخراً وفاز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة، حيث يعتمد العمل على مقابلات مع جنود وضباط استخبارات شاركوا في الإبادة، ويتناول أنظمة وقرارات أدت إلى استشهاد أعداد كبيرة من المدنيين الفلسطينيين في القطاع، حيث إن "دولة" الاحتلال و"جيشها" غير الأخلاقي يرفضان ما يورده الفيلم ويقولان إن هذه الرواية تشوّه طريقة اتخاذ القرارات العسكرية.
هنا يتجاوز النقاش حدود بلادنا المحتلة ليصل إلى جوهر معنى الفن نفسه، فالفنان لا يملك سلطة تغيير الواقع، لكنه يملك قدرة على جعل الواقع مرئياً، وقد تكون المشكلة في بعض الأحيان ليست في أن الفنان يقول شيئاً جديداً، وإنما في أنه يمنح الموجود صورة وصوتاً ووجهاً. باختصار، هذا ما فعله "نازا" عندما نقل شهادات من داخل المؤسسة العسكرية نفسها إلى شاشة السينما، وما فعله ماكليمور عندما نقل موقفه من حساباته على مواقع التواصل إلى المسرح، وهذا ما فعله محمد سلام عندما نقل موقفه من التضامن العاطفي إلى قرار مهني شخصي، من دون أن يهتم بالمجد الزائف.
دفع الأخير ثمن موقف شخصي من عرض فني، وخسر ماكليمور مكانه في جولة أميركية، وخسرت ميليسا باريرا دوراً سينمائياً، وخسرت سوزان ساراندون أدواراً كثيرة، وواجه مارك روفالو اتهامات ظالمة ومواجهة مؤسسية، بينما وجد يوڤال أبراهام وراشيل زور نفسيهما في مواجهة تهديدات سياسية وقانونية بسبب فيلم يكشف جانباً بسيطاً من الجرائم التي يرتكبها الاحتلال وما يزال في قطاع غزة.
هذه الحالات غير المتطابقة لا يمكن وضعها في خانة واحدة، لكنها تشترك في سؤال واحد: ماذا يحدث عندما يقرر الفنان أن يكون إنساناً حراً لا يحيد عن الحق، وليس مجرد كومبارس يؤدي دوراً كتب له؟ وأخيراً: كيف وصل الفنان العربي إلى هذا الغياب؟ وما هو دور الأنظمة الشمولية في كيّ وعي المؤسسة الفنية والثقافية كي تنشغل عن العدو الحقيقي بأعداء مفترضين؟ ثم كيف يمكن التخلص من هذا التكلس والعودة إلى دور الفن الطليعي؟