الفن التشكيلي عنوان الصمود والمقاومة

الفنان الذي يعرف دوره وأهمية نضاله الآن، فإنه لا يجب أن يقوم باختزال المأساة بالدم والشهادة، بل أيضاً بتقديم صورة للانبعاث من الرماد والصمود والتحدي والبسالة في وجه آلة همجية صنعت لأجل تدمير الكيان والإنسان الفلسطيني. 

قرأت خبراً حول معرض "أنامل فلسطين" الذي تم عقده في مدينة بيت لحم مؤخراً، حيث تم جمع الكثير من الأعمال الفنية لأكثر من 120 فناناً فلسطينياً، بما فيهم مبدعو قطاع غزة، للمشاركة في معرض يسعى لتسليط الضوء على الفن في فلسطين قبل وأثناء حرب الإبادة. 

وقد عادت بي الذكرى إلى "محترف شبابيك" و"غاليري التقاء"، والكثير من المعارض الفنية التي كانت تعقد في "المركز الثقافي الفرنسي" وغيره من المؤسسات التي تعنى بالفن. حيث كنت صديقاً دائماً لفناني قطاع غزة، أكتب لهم ديباجة معظم كتالوجات المنح الإنتاجية والاقامات الفنية وغيرها. 

وفي هذا المضمار، أتذكر "محترف شبابيك"، الذي كان يديره أصدقائي المقربين، الفنان شريف سرحان، وباسل المقوسي، وماجد شلا، حيث كنت إبان وجودي في القطاع خلال الإبادة، أتوجه كل يوم إلى مستشفى الشفاء لشراء مستلزمات النزوح، بالإضافة إلى مقابلة الأصدقاء من الصحفيين والأطباء، وخلال الطريق أتوقف عدة دقائق لتأمل المحترَف، الذي كان ملاصقاً للمستشفى من الجهة الشمالية الغربية، وذات مرة اكتشفت أن بعض العوائل نزحت في المكان الذي نزح أصحابه إلى الجنوب، وقد قاموا بإغلاق الشبابيك التي تكسر زجاجها باللوحات الفنية، والتي ربما ظل على رسمها وتلوينها أصحابها شهوراً طويلة، حيث ذهبت يومها إلى هناك وطرقت الباب، فخرج لي عدد من الأشخاص الغرباء، سألتهم عن سبب تواجدهم في المكان من دون إذن، وماذا فعلوا باللوحات وكيف حصلوا على مفاتيح البناية؟

قالوا إنه لا مكان لديهم كي يذهبوا إليه، وإنهم الأولى بالجلوس في المكان؛ لأن هناك نساء حوامل معهم، وهم بحاجة لخصوصية تختلف عن الآخرين، ولأنني لا أمتلك وسيلة للتواصل مع شريف أو أي من الأصدقاء الآخرين، لم أتدخل وإنما طلبت منهم الاحتفاظ باللوحات فقط وعدم التعرض لها بأي حال، واستأمنتهم على المكان ثم انصرفت، ثم بعد عدة أيام، قام الاحتلال باجتياح مستشفى الشفاء وتدمير المنطقة المحاذية للمستشفى بالكامل، بما فيها "محترف شبابيك"، الذي صار أثراً بعد عين، ولا أعرف ماذا جرى مع تلك العوائل التي أشك أنها نجت من الموت.

المهم أنني كعادتي رجعت لزيارة المستشفى المدمر، حتى صرت أمر على المكان، ولكن هذه المرة على أطلاله وليس على البناء الذي احتضن الشبان اليافعين الذين تم صقل مهاراتهم وبناء قدراتهم وتوفير العديد من الدورات التدريبية والمنح والفرص لهم قبيل الحرب، لكي يكونوا امتداداً لفتحي غبن، وسليمان منصور، وكامل المغني، وإسماعيل شموط وغيرهم، وقد تم استهداف العديد منهم وقتلوا في سبيل وطن غارق في الألم. 

هذا المعرض فتح كوة من الأسئلة التي لا تنتهي، مع موت اللوحة وفناء الصورة ومغادرة كثير من الفنانين إلى أصقاع سماوية وأرضية شتى، فيما بقي آخرون يصارعون الموت بأقلامهم وألوانهم، كما فعل الفنان باسل المقوسي، الذي ما يزال حتى لحظة كتابة هذا المقال، يقوم بعمل بطولي في تعليم الأطفال على الرسم، حيث شرع بهذا العمل البطولي من خلال توفير الأدوات والأوراق من جيبه الخاص، ثم قام بجمع الأطفال في خيمته للرسم والتعلم داخل أحد مخيمات النزوح، حيث أخبرني ذات مرة أنه يؤمن بدور الفن في صناعة جيل ناضج وقادر على مواجهة الأزمات من خلال الريشة واللوحة، وأن الفن التشكيلي أداة مهمة من أدوات النضال ضد الإبادة والتهميش، وهو مستمر على ذلك حتى صارت العديد من الجهات التعليمية والثقافية تتبنى تلك الجهود وترعاها، وقد كنت يومها قد هاتفته لأبلغه أنني وجدت بعض اللوحات تحت الأنقاض، وكانت تالفة ومهترئة وممزقة، فقال: بإمكانك الاحتفاظ بها حتى أعود، لذلك علقتها على باب المنزل الداخلي، لكي تظل تذكرني بأهمية ما نكتب ونرسم، وألا نستسلم للموت المجاني الذي يلاحقنا كل لحظة، فقد تم استهداف بيتي والمنطقة التي نسكنها لاحقاً، وغرقت لوحات باسل مرة أخرى في الخراب.  

  • "محترف شبابيك" بعد استهدافه

وإزاء ما يجرى اليوم من تدمير للبنية الفكرية والأدبية والفنية، فإن المطلوب من الجهات الرسمية وغير الرسمية والفنانين والأدباء بعدم الاستسلام تحت أي ظرف، بل إنقاذ ما تبقى من الذاكرة الفنية، وتوثيق الأعمال التي دمرت، أو حتى تلك التي أصابها التلف، لأنها ربما تكون ذات يوم شاهداً مهماً على جرائم جيش الاحتلال الذي عمد إلى استهداف كل مقومات الحياة في مدينة تأبى الهزيمة. 

وهنا يمكن توجيه رسالة واضحة إلى وزارة الثقافة الفلسطينية والوزرات العربية والمؤسسات التي تعنى بالفن: هل يمكن إعادة بناء الغاليريهات والمعارض الفنية الدائمة والمؤسسات الفنية والأكاديميات المختصة بالفنون والآداب؟ هل يمكنهم صناعة أرشيف وطني حقيقي للفن في غزة؟ وصيانة كرامة الفنانين والأدباء بتوفير سبل العيش الكريم مع تدمير البنية الثقافية بالكامل؟ 

أما في ما يتعلق بالفنان الذي يعرف دوره وأهمية نضاله الآن، فإنه لا يجب أن يقوم باختزال المأساة بالدم والشهادة، بل أيضاً بتقديم صورة للانبعاث من الرماد والصمود والتحدي والبسالة في وجه آلة همجية صنعت لأجل تدمير الكيان والإنسان الفلسطيني. 

أن يرسموا بسورياليتهم وترجيديتهم وتكعيبيتهم وواقعيتهم وكلاسيكيتهم صورة النصر في مواجهة المحو، والتحدي في مواجهة الغطرسة؟ والشموخ في مواجهة طائرة الـF16؟ 

وختاماً، سيأتي يوم تصبح فيه كل لوحة قصة، يسردها الآباء والأجداد لأحفادهم عن شعب عظيم ظل صامداً في وجه أعتى احتلال كولونيالي على هذه الأرض، حتى نال حريته وانتصر رغم سيل الدم. 

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

اخترنا لك