الفنّ الإنساني VS الآلة الباردة

لينتج الذكاء الاصطناعي ملايين القصائد المتقنة. لكن قصيدة واحدة تنبض بألم إنسان حقيقي وتشاؤمه وأمله، ستظل الشاهدة على أن الفن ضرورة لا غنى عنها.

  • "Ai-Da" أول روبوت يبيع عملاً فنياً في مزاد علني في "سوذبيز" عام 2024

تتضاعف الحاجة إلى الفن والأدب الأصيلين في الأوقات الصعبة، لا كترفٍ ثقافي، بل كضرورة وجودية؛ فالفن الحقيقي ليس زينة للحياة الهانئة الهادئة، بل هو المعبِّر الأول والأصدق عن آلام المضطهدين والمظلومين، والمترجِم الأبلغ لشجونهم وآمالهم. إنه سلاح الوعي الذي يفضح الزيف، ويحفر في الذاكرة الجمعية، ويطلق العنان للخيال الثوري الجامح. في لحظات الخطر والظلم، يصبح الفن والأدب حصن الروح الإنسانية، وعامليْن أساسيين في رفع مستوى الوعي الفردي والجماعي، دافعاً نحو الحرية والخلاص والعدالة.

ولكن هذه الضرورة الإنسانية المتأصلة للفن – كصوت للمقهورين ووقود للحرية – تواجه اليوم اختباراً غير مسبوق؛ فبينما تبلغ الحاجة إلى التعبير ذروتها، تظهر آلات تدّعي القدرة على خلق "فن" بمعزل عن التجربة الإنسانية. هذا يطرح سؤالاً مصيرياً: هل يصمد الفن في دوره كحصن للوعي ووسيلة للخلاص في عصرٍ قد تصبح فيه الإبداعات مجرد مُخرجات لخوارزميات؟

ما جدوى الفن تحت هدير الطائرات؟

غالباً ما يُطرح سؤالٌ يُظنُّ أنه حاسم: ما جدوى الشعر والموسيقى والرواية حينما تهدر الطائرات ويدوي قصف المدافع؟ ويغيب عن بال السائل أن أعظم الإبداعات الإنسانية ولدت من رحم المآسي. وهنا بالذات نلتقي بالتحدي الجديد: إذا كان الفن يولد من المعاناة، فماذا يعني أن تصنعه آلة لم تعانِ؟ "الجنون" الفني في جوهره فعل مقاومة، وشهادة على الحياة. إنه الصوت الذي يرفض أن يتحول إلى مجرد بيانات تُغذي خوارزمية.

وهكذا نصل إلى لب التناقض المعاصر. فالفن الذي كان حصناً منيعاً للإنسانية في مواجهة آلة الدمار التقليدية، يُواجه اليوم آلةً جديدةً تَعِد بأن تصنع الفن بدلاً منا. تخيل أن عذوبة ألحان أغنيات فيروز، أو حرقة قصائد محمود درويش، يمكن اختزالها إلى أنماط إحصائية وبيانات رقمية. إنه تحدٍّ للجوهر الذي جعل الفن ضرورياً منذ البداية: كونه شهادة شخصية غير قابلة للاختزال. 

لقد أصبح الفنان في هذا المنظور "مشغلاً" لآلة، ما يهدد بفصل الإبداع عن سياقه الإنساني الحيوي. إنه "جنون" جديد من نوعه: جنون الكفاءة والإنتاجية والكم الهائل، حيث لم نعد نسأل: "ما المعاناة التي عاشها الفنان حتى يولد هذا العمل؟" بل نسأل: "ما البرمجيات التي أدخلها للحصول على هذه النتيجة؟".

مقاومة الرداءة أم سلعة استهلاكية؟

يظل السؤال عن جدوى الفن قائماً حتى حين نؤكد دوره التهذيبي. نعم، استُخدم الفن أحياناً لتمجيد الطغاة، لكن ذلك الاستثناء يثبت القاعدة: أن الفن في جوهره تعبير عن الإنسانية في أسمى تجلياتها. ولئن كنا ضد التوظيف السلطوي للفن؛ فالسؤال اليوم يصبح: أليس الذكاء الاصطناعي شكلاً جديداً من "التوظيف" للفن، لكن هذه المرة من قبل منطق السوق والكفاءة التقنية المجردة؟ عندما تصبح كل الصور "جميلة" وفق معايير إحصائية، نفقد معيار التمييز بين الجمال العميق الزاخر بالمعنى، والجاذبية السطحية الفارغة. هذا هو التهديد الحقيقي للجنون الإنساني الأصيل – ذلك الجنون الذي يحوّل المأساة إلى ملحمة شعرية، والفقر إلى أغنية كفاح، والثورة إلى أيقونة بصرية تخترق الزمن.

في هذا السياق، تشكل الفنون الراقية النابعة من الأعماق حصناً مزدوجاً: ضد طغيان الرداءة التقنية، وضد استهلاك الفن وتحويله إلى سلعة بلا روح. وهذا يعيدنا إلى الجذر الذي أشرنا إليه في المقدمة: فالفن كأداة للتحرر، يجب أن يتحرر أولاً من أن يصير مجرد منتج استهلاكي أو نتاجاً خوارزمياً. 

الفن الأصيل يرفض أن يُحتجز في سجن "المقبول" الجديد، سواء كان سياسياً أو تقنياً. وكما درس ميشيل فوكو علاقة السلطة بتصنيف "العقل" و"الجنون"، نجد اليوم سلطة جديدة تريد تصنيف الإبداع وفق معايير الكفاءة الرقمية، مقابل "جنون" إنساني يصر على حصانته الجوهرية المستمدة من التجربة الحية.

بين ضرورة الفن ولقمة العيش!

ولكن، كيف نوفق بين إلحاح الفن وواقع المجتمعات التي تكافح من أجل لقمة العيش، ومن أجل التحرر والعدالة والاستقلال؟ هنا يظهر بعد آخر للتحدي: ففي حين نحتاج الفن لرفع مستوى الوعي، فإن آلة الاستهلاك والتقنية قد تقدم "فناً سريعاً" كمسكّن، بدلاً من الفن الذي يوقظ، ويهزّ الضمير والوجدان.

الجواب ليس في تأجيل الفن، بل في فهمه كجزء عضوي من عملية البناء والتحرر. قد تكون جدارية يرسمها أطفال على حائط متهدم، هي التعبير الأقوى عن مقاومة تلقائية للنسيان، وهي بالضبط نوع التجربة التي لا يمكن للآلة استنساخها، لأنها نابعة من جرح حيّ وذاكرة شخصية. لقد أدركت حضارات عظيمة كالأندلس أن ازدهار الفنون يسير جنباً إلى جنب مع الازدهار الحضاري الشامل، فلم تبنِ القصور والمساجد الفاخرة فحسب، بل غذت الأرواح بالشعر والموسيقى التي لا تزال تشهد على عظمتها.

أهمية "الجنون" الإنساني في زمن الآلة 

نافلٌ إذاً أن الفن ليس مجرد تسلية جمالية، بل هو فعل مقاومة إنسانية. وهذه المقاومة ذاتها هي التي تتعرض اليوم لهجوم مزدوج: من قمع يريد إسكات الصوت، وتقنية تريد تفريغه من مضمونه. أمام تحديات الذكاء الاصطناعي والاستهلاك الجارف، تصبح المعركة أكثر تعقيداً ولكنها أيضاً أكثر إلحاحاً. لأن الدفاع عن "الجنون" الإبداعي الإنساني أصبح جزءاً من الدفاع عن ذاتيتنا وكرامتنا.

لينتج الذكاء الاصطناعي ملايين القصائد المتقنة. لكن قصيدة واحدة تنبض بألم إنسان حقيقي وتشاؤمه وأمله، ستظل الشاهدة على أن الفن ضرورة لا غنى عنها. إنها الضرورة نفسها التي تحدثنا عنها منذ البداية، لكنها اليوم تدعونا إلى وعي جديد: أن نتمسك بفننا الإنساني، لا لأنه جميل فحسب، بل لأنه أحد آخر الخنادق التي تدافع عن معنى أن نكون بشراً، في زمن يريد تحويلنا إلى مستهلكين ومَصادر للبيانات. 

قديماً قالت العرب "الفنون جنون"، اليوم يبدو هذا الجنون ضرورة عقلية كي لا "تتشيء" إنسانيتنا في عالم تزداد هيمنة الآلة عليه يوماً تلو آخر؛ آلة لا همّ لصانعيها سوى المال والسلطة المطلقة. وهذا الجنون هو بصمتنا الأخيرة في عالم يتجه نحو البرودة القاتلة. لأن أمة بلا فن أصيل هي أمة بلا ذاكرة جميلة، وبلا روح، وبلا مستقبل.

اخترنا لك