كيف تجسد قضية أكل لحوم البشر إبستين استباحة الجسد واستباحة الوطن؟

يفكك مقال اكل لحوم البشر ابستين بنية السلطة العالمية المتورطة في طقوس الاستغلال والهيمنة، مسلطاً الضوء على الشرعية الاستعمارية والثقافة المزدوجة.

  • جيفري إبستين ودونالد ترامب
    جيفري إبستين ودونالد ترامب

غصّت وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي في اليومين الماضيين بأخبار وصور اكِل لحوم البشر ابستين، لتتصدّر التأثير الإعلامي لهذه الفضيحة العالمية التي كشفت الوجه القبيح لشخصيات "قيادية" من مختلف أنحاء العالم كانت ترتاد جزيرة إبستين، مظهرين أنفسهم نخباً تقود "العالم المتحضّر" وتعطينا دروساً في القيم والتحضّر.

لكن على ما يبدو من تلك  الوثائق المفرج عنها لأسباب ليست بريئة، فإنّ طقوساً ظلاميّة تقام في غرف مترفة يرتادها مَن يقرّرون مصائر الشعوب بين كأس وقبلة محرّمة وجرّة قلم أو ضغطة زر. طقوس لا تكسر تابو الجسد الطفولي فحسب، بل تُعلن موت المقدّس برمّته. 

قضية اكِل لحوم البشر ابستين ليست حادثة منعزلة، بل استعارة كبرى ونافذة على الجوهر الأصلي لسلطةٍ عالميةٍ تختزل الكون إلى مزرعة خاصة على جزيرة إبستين، والإنسان إلى سلعة متاحة، والأخلاق إلى خطاب ظرفي. هنا، حيث يذوب الفارق بين غرفة القرار وجزيرة المتعة، يصير القمع السياسي والاستغلال الجنسي وجهين لعملة واحدة: سلطة تستملك الآخر.

كيف تجسد قضية أكل لحوم البشر إبستين استباحة الجسد واستباحة الوطن؟

يمكن تلخيص أوجه الاستلاب والاستباحة في قضية إبستينؤ كنسخة مصغرة من منطق الاستعمار عبر النقاط التالية:
• الجرائم على الجزيرة كنسخة مصغّرة من المنطق الذي يستبيح أراضي الشعوب.
• تجسيد الشراهة للمتعة والتحكّم والإفلات من العقاب كروحية للمشروع الاستعماري.
• اعتبار الضحية القاصرة "الآخر" المُستباح، على غرار تجريد الشعوب المستعمَرة من إنسانيتها.
• التوازي مع الانتهاكات المماثلة في فلسطين وغزة والعراق ولبنان.

هذا يتوافق مع التحليل الذي يرى في الجسد حقلاً أولياً للسلطة، حيث تُختبر تقنيات السيطرة قبل تعميمها على الجسد الاجتماعي. ما حدث على الجزيرة كان بروفة حميمة للفظاعة الجيوسياسية ذاتها: كلاهما ينبع من نزعة امتلاكيّة ترفض الاعتراف بقدسيّة ما ليس لها. إنه العنف الرمزي الذي يُمارس في صمت، ليتحوّل الفعل الفظيع من جريمة صارخة إلى "حادث فردي"، مما يفصل الفعل عن فاعليه ويقطع الصلة بين الاستغلال الجنسي في الظلّ ونهب الثروات في وضح النهار.

كيف تؤسس المال والسلطة في فضيحة إبستين ثقافة الإفلات والفساد الأخلاقي؟

يمكن استخلاص المحاور الأساسية لتحليل فانون للنفس الاستعمارية وتطورها المعاصر كما يلي:
• أبعاد الاستعمار وفق فانون: استيلاء على الأرض، غزو العقل، جثمة الجسد، وطمس الكرامة.
• تبرير العنف باسم "المهمة الحضارية" عبر فرض تفوّق القيم الاستعمارية.
• التحول المعاصر للعقلية الاستعمارية من الميدان العسكري إلى صالونات النفوذ.
• توظيف أدوات ناعمة وقاسية لاحتلال الضمير العالمي وتبرير الهيمنة.

هذا ما يفسّر التناقض الصارخ الذي تعيشه النخب، أو ما يمكن تسميته بالوعي المزدوج: فهي تُلقي خطابات حقوق الإنسان وتمارس أدواراً "حضارية"، بينما تشارك في طقوس سرية تقوم على الانتهاك المطلق. إنها وريثة الشرعية الاستعمارية التي كانت تبرّر النهب باسم الحضارة، وهي اليوم قد تبرّره باسم "المصلحة العليا" أو "الاستقرار" أو "الأمن القومي"، كما يردّد مثالٌ معاصر مثل دونالد ترامب. إنها عقلية المستعمِر المُحدث التي تؤمن بأنّ القوة تمنحها الشرعية لإعادة تشكيل العالم.

الشبكة التي حمت إبستين ليست "شبكة شريرة" خارجة عن النظام، بل هي منتج طبيعي لنظام يقدّس التراتبية والامتياز، حيث تشكّل النخب السياسية والعسكرية والاقتصادية والإعلامية تحالفاً عضوياً يصبح فيه الحفاظ على مكانتهم هو القيمة العليا. في هذا السياق، كان إبستين وسيطاً للتلذّذ وضماناً للصمت؛ فجزيرته كانت مختبراً للولاء، حيث يُوثّق الانحراف ليكون رهناً للإشارة. إنه منطق المافيا في قصر القيصر: المشاركة في الجريمة تضمن الولاء.

ما هي أخلاقية المهيمن في شبكة إبستين؟ تحليل للشرعية الاستعمارية

تعتمد السلطة في إدارة فضيحة إبستين على مجموعة استراتيجيات لتحييد تأثيرها، منها:
• إطلاق الوثائق في توقيت محدّد للسيطرة على الحوار العام.
• تنقيح الأسماء وطمس هوية المتورطين.
• تحويل القضية إلى مادّة ترفيهية إعلامية تخفّف من وطأة السياق الأخلاقي.
• تفكيك النمط المنهجي وتحويله إلى حوادث فردية لتجنب المواجهة مع جوهر السلطة.

بهذا المعنى، فإنّ التواطؤ مع إبستين والتواطؤ مع إبادة غزة ينبعان من المنبع الأخلاقي نفسه: نزعة أداتية تجعل من "الآخر" – طفلةً كان أم شعباً – مجرّد وسيلة لغاية أو عقبة يجب إزالتها. إنها أخلاقيات السيد التي تعلو فيها القوة، حيث تصبح الأخلاق العامّة مجرّد أقنعة تلبس عند الحاجة. هذا ما يفسّر الصمت الدولي المطبق أو التواطؤ مع جرائم كبرى: فاليد التي لا ترتجف لانتهاك حرمة جسد طفل، هي العقلية نفسها التي لا ترتجف لانتهاك حرمة وطن بأكمله.

وبالتالي، فإنّ الزعيم المعاصر الذي يقود العالم اليوم بـ "رؤية استراتيجية" غالباً ما يكون هو من تربّى في أحضان هذه الثقافة، أو تورّط في شبكة مصالحها. عقليّته هي عقليّة المستعمِر المؤمن بأنّ القوة تمنحه الشرعيّة ليعيد تشكيل العالم كما يشاء، وأنّ المصالح العليا (التي يحدّدها هو) تعلو فوق كلّ اعتبار أخلاقي أو قانوني.

إنه وريث الشرعية الاستعمارية، الذي حوّل العالم إلى نظام "نواة وأطراف"، حيث تتركّز السلطة والثروة في المركز، بينما تُستنزف الأطراف وتُحكم عبر نخب محلية متواطئة. قضية إبستين، بهذا المعنى، ليست فضيحة أخلاقية فحسب، بل هي كشف عن البنية النفسية للحكم العالمي، بنية لم تتخلّص من سماتها الاستعمارية، بل فقط جدّدت أدواتها وأقنعتها.

كيف نواجه ابتذال النخب العالمية ونستعيد قدسية الإنسانية؟

فضيحة إبستين برهان ساطع بأنّ الشرّ الأعظم في عصرنا قد يكون ابتذالاً مخملياً للشرّ، يمارس من داخل القصور بين ضحكات فاجرة وشمبانيا فاخرة. إنه الانحطاط الذي يلبس ثياب الترفيه، والوحشية التي تتحدّث بلغة الأعمال.

مقاومة هذا العالم لا تكمن فقط في المطالبة بمحاكمة الأسماء، بل في تفكيك لاهوت الامتياز والشرعية الاستعمارية المتجدّدة التي تجعل من "النخبة" كائنات فوق القانون عصيّة على المساءلة والمحاسبة. إنها دعوة لإعادة اكتشاف اللغة المشتركة للإنسانية، حيث جسد الطفل في غزة والسودان ولبنان هو مقدّس كجسد الطفل على الجزيرة المشؤومة.

ربما تكون فضيحة اكِل لحوم البشر ابستين، رغم قبحها، نعمة معرفيّة وتذكيراً بفضيحة العالمية التي تكشف البنية النفسيّة للحكم العالمي المستوحى من الشرعية الاستعمارية. لعلها تنعش ذاكرة الغافلين بأنّ المعركة الحقيقية ضدّ نظام يحوّل العالم إلى جزيرة كبيرة حيث الجميع إما ضحية أو شريك صامت، ويضعنا أمام خيارين: حراس لقدسيّة الحياة، أو ضيوف على مأدبة أقنعنا فيها النخب العالمية بأن "القوة والهيمنة" تبرّران انتهاكات حقوق الإنسان بلا رادع.

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

اخترنا لك