الرواية العظمى لميكانيك الكمّ

يتناول هذا الكتاب خمسة عشر فصلاً، يبدأ بمقدّمة تتحدّث عن لقاء العقول الكبرى حول علم ما دون الذرّة، تروي هذه الفصول تاريخ ميكانيك الكمّ الذي يعتبر من أعظم الثورات الفكرية التي شهدها الإنسان الواعي.

  • مراجعة كتاب: الرواية العظمى لميكانيك الكمّ
    مراجعة كتاب: الرواية العظمى لميكانيك الكمّ

"أريد أن أعرف كيف خلق الله هذا العالم. ولا يهمّني هذه الظاهرة أو تلك، أو طيف  هذا العنصر أو ذاك. أريد أن أعرف أفكاره وما تبقّى يبقى كلّه تفاصيل". ألبرت آينشتاين

إنها الإمبراطورية التي أخبرتنا عن التواضع المعرفي، وذكّرتنا بأنّ الواقع هو أعمق وأكثر تعقيداً ممّا نتصوّره بكثير، إنه نسيج من الاحتمالات، يبقى احتمال واحد فقط عند الرصد وينهار الباقي، إنها فلسفة رياضية لحركة عالم ما دون الذرة، ورؤية شاملة للكون. امتدّت نظرية الكمّ لمئة وستة وعشرين عاماً، ولأهميتها، أعلنت الأمم المتحدة، بقيادة اليونيسكو عام 2025 عاماً دولياً  لعلوم وتكنولوجيا الكمّ.

من دون عالم الكمّ الذي بدأ تاريخه الفعلي في نهاية القرن التاسع عشر، سيكون العالم الذي نحياه مختلفاً جداً، لذلك وافق الفيزيائيون خلال معظم القرن العشرين على أنّ ميكانيك الكمّ ينكر وجود واقع ما وراء ما يمكن أن تقيسه تجاربهم. أوصل هذا الوضع العالم الفيزيائي الأميركي ميوراي جيلمان إلى جائزة نوبل لوصفه ميكانيك الكمّ، "كتخصّص غامض ومثير للقلق حقاً لأيّ واحد منّا لا يفهمه، بل نعرف كيفيّة استخدامه". كيف يمكن أن يكون ميكانيك الكمّ دافعاً ومشكلاً للعالم الحديث بجعل كلّ شيء بالإمكان، بدءاً من الغسالات الآلية حتى الحروب النووية، مروراً بالحواسيب الكمومية والهواتف المحمولة.

عندما ننظر إلى صورة غلاف الرواية نرى تسعاً وعشرين عالماً، حازوا جميعهم على جوائز نوبل، تجمهروا من معظم بقاع العالم، وكلّ واحد منهم يميّز وطناً يفتخر هذا الوطن باسم عالمه. فـمدام كوري تعني بولونيا، وألبرت أينشتاين يعني ألمانيا، ونيلز بور يعني الدانمارك، ورونتجن يعني فرنسا، وفولفاونع باولي يعني فيينا، وبول ديراك يعني بريطانيا، وبولتزمان يعني النمسا، ولوي دوبروي فرنسا. 

لن نسأم من تعداد هؤلاء العظام، لكن ما يثير دهشتنا أكثر، هو أنّ هذا التجمّع الذي تمّ في عام 1927 ضمن المؤتمر الشهير الذي يعقد مرة كلّ ثلاث سنوات بدءاً من عام 1911 وحتى عام 2017، مؤتمر سولفاي الخامس الذي ناقش فقط موضوع الإلكترونات والفوتونات، إلى جانب الموضوعات الكبرى الأخرى التي ناقشها فلاسفة العلم على مدى سبعة وعشرين مؤتمراً، بدايةً من نظرية الكمّ للحقول، والمشكلات الأساسية في فيزياء الجسيمات، إلى خصائص نوى الذرّات، الفيزياء الفلكية والجاذبية، البنية الكمّية للمكان والزمان، فيزياء المادة الحيّة، تطوّر المجرّات، نظرية الإشعاع والكوانتا، المغناطيسية، الجسيمات الأولية، النظائر، الفيتامينات والهرمونات... إلخ. 

مؤتمر سلفاي العظيم عُقد برعاية الكيميائي والصناعي البلجيكي أرنست سولفاي  الذي جمع ثروة هائلة من استخدامه كميات كبيرة جدّاً من كربونات الصوديوم الناتجة من تفاعل كربونات الكالسيوم وكلور الصوديوم الذي سمّيت العملية الكيميائية باسمه، سخّرها جميعها للأعمال الخيرية، وكان المؤتمر أحد أهمّ منجزاته العملية العلمية.

يتناول الكتاب خمسة عشر فصلاً، يبدأ بمقدّمة تتحدّث عن لقاء العقول الكبرى حول علم ما دون الذرّة، تروي هذه الفصول تاريخ ميكانيك الكمّ الذي يعتبر من أعظم الثورات الفكرية التي شهدها الإنسان الواعي، والتي زعزعت أسس الفكر الفلسفي الذي يفترض انفصال العالم الموضوعي عن الملاحظة، رفض ميكانيك الكمّ الحتمية المطلقة، فالعالم الذي نعيشه تُجوهره العلائقية التي تثمر الوعي، ونحن الآن نستخدم تقنيات الكمّ لتخليق الضوء من الفراغ، ونستخدم الليزر الذي تغلغل في كلّ العلوم وأصبح أساسها أيضاً، كذلك الرقائق الإلكترونية، والتصوير بالرنين المغناطيسي، والحوسبة الكمّية والاتصالات. 

الأمر الذي دعاني أن أشرع بتعريب هذا الكتاب حقيقة، هو مواظبة الجمعية الكونية السورية العريقة منذ زمن ليس بقريب على تقديم شتى وأحدث المعارف العلمية عبر محاضراتها السنوية بإشراف رئيسها المهندس المرموق فايز فوق العادة، الذي يشترط في تقديم أيّ علم فيها أن يكون باللغة الأمّ مباشرة أي لغة العلم وباحثيه، وأن يكون الموضوع حديثاً. 

من على هذا المنبر قدّم  أكثر من ستين دورة علمية تتعلّق بالحوسبة الكمية، والعلوم الكونية الأخرى. وما زال إلى الآن يقدّم الدورات المجانية لجميع من يرغب الاستزادة. كان لي الشرف أن حضرت إحدى الدورات التي أجراها وكانت مدّتها ما يقارب السنة. كان الأستاذ فايز يشرح معادلات الكمّ، وكأنه هو من وضع المعادلة الرياضية، أي أنه شغوفُ بشرحها وإيصالها للحضور. 

من جانبي كنت أستصعب حقاً هذا العالم ما دون الذرّي وكيف هي صيرورته، وألوم نفسي بعد كلّ محاضرة، لماذا هذا التعثّر الذي يكللني. فقرّرت أن اقرأ عن هذه المواضيع أكثر وأحاول فهم ما يتيسّر لي، فالجهل معيب بالنسبة لي ويخجلني. فقرّرت أن أحمِلَ كتاباً عن الشبكة الإلكترونية باللغة الفرنسية، ويحمل العنوان "الرواية العظمى لفيزياء الكمّ"، وشرعت بترجمة فصوله، رغم معرفتي المتواضعة جدّاً باللغة الفرنسية، استغرق العمل عندي ثلاث سنوات، وعندما انتهيت منه عزمتُ أن أهديه إلى الجمعية الكونية السورية إكراماً وتقديراً عاليّين لما منحتني إياه هذه الجمعية العظيمة من إضاءات علمية على مستوى مهم وعالمي وحديث. 

آمل أن أكون موفّقة  بتقديمي لهذا العمل الكبير الذي يصنّف ضمن فكر الرواية العلمية. قد يعتبر هذا العمل متواضعاً، لكنه تاريخ حقيقي لجدليات العلماء مع بعضهم البعض حول مستقبل العلم الكمّي.

في الواقع لا يغيب عن بالنا قول قائل عندما يقرأ هذا العنوان الكبير للكتاب، ما أهمية فيزياء الكمّ هذه. نجيب بتواضع: إنّ أجهزة الليزر، والرقائق الإلكترونية والتصوير بالرنين المغناطيسي (MIR)، الحواسيب الكمومية العملاقة التي تعالج البيانات بسرعة هائلة تعجز عنها الحواسيب التقليدية، أنظمة التشفير الكمّي الآمنة التي توفّر الحماية المطلقة والسّرية البنكية والبيانات الحسّاسة، إضافة إلى الموبايلات الذكية والذكاء الاصطناعي والتلسكوبات العملاقة. 

ما أثارني وأنا اقرأ أحد الفصول قول للشاعر الإنكليزي الاكسندر بوب عن نيوتن 

"كانت الطبيعة وقوانينها مستورة بظلام الليل، فقال الله ليكن نيوتن! فأصبح كلّ شيء ضياء". عندما قرأ توماس يونغ  هذه العبارة التي حفرت على شاهدة قبر نيوتن قال: "على الرغم من أنني أبجّل وأقدّر نيوتن، إلّا أننّي في الوقت نفسه لست مضطراً إلى الاعتقاد بأنه كان معصوماً عن الخطأ، وهذا مع الأسف ليس من قبيل بهجتي أن ألاحظ أنه يمكن أن يخطئ، فإنّ سلطته ربما في بعض الأحيان قد أخّرت العلم".

كان أينشتاين يحبّ التفرّد، ولا يقبل أيّ نقد من زملائه، اعترف بهذا الشأن أحد أساتذته وهو هنريتش فيبر قائلاً "أنت فتى لامع، لكن لديك عيب خطير جداً وهو عدم تحمّلك لأيّ شيء نودّ أخبارك به مهما كان".

كان أينشتاين  يعمل في مكتب براءات الاختراع  لمدة 48 ساعة خلال الأسبوع، من الساعة الثامنة وحتى وقت الظهيرة، ويستأنف عمله في الثانية بعد الظهر. كان صديقه هانز مندهشاً من مقدرة أينشتاين على معالجة ملفات الاختراع التقنية الأكثر صعوبة، الذي صنّفه من بين المخترعين الكبار وذوي المستوى الرفيع، عمل على ترقيته إلى رتبة خبير تقني من الدرجة الثانية. وفي مقالته الخامسة التي أرسلها إلى مجلة "دير فيزيك" العالمية والحاملة لمعادلته الشهيرة، الطاقة تساوي مربّع الكتلة بسرعة الضوء واصفاً إياها بالوثبة الإبداعية قائلاً "إنها العاصفة التي اجتاحت روحي". 

في الحقيقة رغبت أن أقدّم غيضاً من فيض تلك الأقوال والمناقشات بين العلماء وعن العلماء نحو بعضهم البعض بروح راقية تدعونا إلى أن نقدّس العلم ونجلّ من يشتغل به. 

اخترنا لك