الدولة الرقمية: تأسيس البنية التحتية للحكم الرشيد في لبنان

من بين هذه النماذج يقدم كتاب الدولة الرقمية إستونيا التي تتصدر قائمة البلدان التي بات يُشهد لها عالمياً كواحدة من أكثر الدول تطوراً في مجال الدولة الرقمية، والسرعة التي تم بها هذا التحوّل كي تجعل من البيانات رافعة لبناء دولة من نوع جديد.

  • الدولة الرقمية: تأسيس البنية التحتية للحكم الرشيد في لبنان  ومحاولة إعادة البناء على قاعدة البيانات
    الدولة الرقمية: تأسيس البنية التحتية للحكم الرشيد في لبنان ومحاولة إعادة البناء على قاعدة البيانات

"الدولة الرقمية" كتاب تكتشف من خلاله كيف يمكن للبيانات أن تعيد بناء الدولة من جذورها وتُطلق مساراً جديداً للحكم الرشيد. "الدولة الرقمية" كتاب يقدّم رؤية سيادية للتحوّل الرقمي في لبنان ويربط بين الشفافية والكفاءة والسيادة المعلوماتية. هو كتاب لكل مسؤول ومواطن وخبير تقني يؤمن بأن الإصلاح يبدأ من المعرفة وينطلق عبر منصة الدولة الشاملة.

في هذا الكتاب، يطرح المؤلف "أدونيس القوال" سؤالاً جذرياً: هل يمكن أن نعيد تأسيس الدولة اللبنانية على قاعدة رقمية سيادية؟ وهل يمكن أن ننطلق من أبسط نقطة: هي البيانات؟ نعم، لا يوجد مشروع دولة قابل للاستمرار دون منصة معلومات مركزية تكون المرجعية العليا للبيانات والهوية الرقمية الموحدة ومن هنا نبدأ.

كتاب الدولة الرقمية تأسيس البنية التحتية للحكم الرشيد في لبنان، للمؤلف أدونيس القوال صادر عن دار الفارابي 2025 بيروت لبنان. 

 لماذا هذا الكتاب الآن؟

لأن الأزمة اللبنانية ليست مالية أو سياسية فحسب، إنها أزمة مؤسسات عميقة تعاني الغياب الكامل للتخطيط والمتابعة، ولا يمكن تخيّل حلّ جذري لها دون بنية تحتية رقمية حديثة تضمن رؤية متكاملة لكل ما يجري داخل مؤسسات الدولة وتُعيد ربط المواطن بهذه الدولة على قاعدة الحقوق والشفافية والمساءلة. يعتبر المؤلف أن أهمية كتاب الدولة الرقمية لأن الوقت لم يعد في مصلحتنا، ولم يعد التحول الرقمي ترفاً ولا خياراً إضافياً. إنه شرط أساسي لنهضة الدولة أو الدوران في الفراغ نفسه وتنتج الفشل نفسه بالوسائل نفسها. بمعنى آخر تصبح الدولة كائناً أعمى يتخذ قراراته في العتمة ويُبقي المواطن في العتمة معه. هذه ليست مبالغة. إنها حقيقة يومية في لبنان، لا تتحدث الإدارات مع بعضها بعضاً؛ كل مؤسسة تعمل كما لو أنها كيان مستقل، والبيانات إن وُجدت مشتّتة ومكرّرة وغير محدّثة  وغير موثّقة وغير قابلة للاستخدام التحليلي.

كتاب الدولة الرقمية لا يقدّم حلولاً سحرية ولا يروّج أحلاماً رقمية منفصلة عن الواقع، بل يقدّم خارطة طريق تقنية – إدارية – قانونية نابعة من تجربة الإدارة اللبنانية ومقترنة بتجارب دول أخرى نحو تأسيس دولة قادرة على الرؤية وعلى التفاعل وعلى المحاسبة. هذا الكتاب من داخل الأزمة لا من خارجها، من داخل مؤسسات تعاني ومن داخل إدارة تعيش التآكل، ومن قلب مجتمع لا يثق بدولته، لكنه لا يريد مغادرتها. يؤكد المؤلف أن من يملك المعلومة يملك القرار،لكن ما تغيّر هو طبيعة هذه المعلومة. لقد أصبحت لحظية ومتشابكة وضخمة، وتطلب تحليلاً ذكياً، وهذا التحوّل جعل من حوكمة البيانات مسألة سيادية بامتياز، فإذا كانت السيادة في القرن الماضي تُقاس بالقدرة على حماية الحدود، فإنها اليوم تُقاس بالقدرة على امتلاك وإدارة  وتأمين البيانات الوطنية. لذلك حين نتحدث عن الدولة الرقمية، فنحن لا نتحدث عن تحديث شكلي أو بوابات إلكترونية سطحية؛ نحن نتحدث عن إعادة بناء دولة من أساسها المعرفي عن دولة تعرف نفسها لتستطيع أن تدير نفسها وعن كيان يرى ما يجري في داخله ويفهمه ويتحكم به.

تقرير المفوضية الأوروبية

يشير المؤلف في كتابه إلى أن الدول المتقدمة أخذت تدرك هذا التحوّل منذ أكثر من عقدين، ففي تقرير صادر عن المفوضية الأوروبية عام 2013 جرى تصنيف البيانات الرسمية باعتبارها "بنية تحتية استراتيجية"، وجرى التنبيه إلى أن تأخّر الدول في تطوير نظمها المعلوماتية سيجعلها عاجزة عن المنافسة وعن ضبط شؤونها الداخلية بشكل فعّال. إن التعامل مع البيانات كبنية تحتية يعني إدراجها في كل خطة وطنية وربطها بالموازنات وإخضاعها لرقابة مستقلة مع تخصيص الموارد البشرية والمالية لتطويرها، كما يعني وضع تشريعات واضحة تحدّد من يملك الحق في الوصول ومن يملك الحق في التعديل ومن يتحمّل المسؤولية في حال الإخفاء أو التلاعب أو الإهمال، إنه مشروع مؤسسي يحتاج إلى إرادة سياسية وتوافق وطني وقيادة إدارية تفهم معنى الدولة الحديثة وتملك الشجاعة لتجاوز الأساليب التقليدية التي أثبتت فشلها.

ظاهرة إستونيا

من بين هذه النماذج يقدم كتاب الدولة الرقمية إستونيا التي تتصدر قائمة البلدان التي بات يُشهد لها عالمياً كواحدة من أكثر الدول تطوراً في مجال الدولة الرقمية، والسرعة التي تم بها هذا التحوّل كي تجعل من البيانات رافعة لبناء دولة من نوع جديد، إذ تم إقرار مبدأ الهوية الرقمية الشاملة وربطت جميع الخدمات الحكومية – من الصحة إلى التعليم والضرائب والأمن – بمنصة واحدة تحمل اسم X-Road،  وهي منصة تكامل معلوماتي تتيح تبادل البيانات بين المؤسسات العامة بشكل لحظي وآمن. وقد ساعد هذا النظام على تقليص 97% من الإجراءات الورقية. يمكن للمواطن إنجاز كل معاملاته – من التصويت إلى تسجيل الشركة – عبر منصته الرقمية دون المرور بأي دائرة رسمية ودون أن يحتاج إلى تكرار إدخال أي معلومة قدمها سابقاً، لأن النظام الموحد يستدعيها تلقائياً.

من التفاصيل البسيطة: كيف يُعرّف المواطن؟ وكيف تُحدّد هويته الرقمية؟ وهل الرقم الوطني الموحّد مستخدم في جميع الإدارات؟ الجواب: لا، إذ إن بعض الإدارات تستخدم رقم السجل وأخرى تعتمد على رقم بطاقة الهوية والبعض الآخر على رقم الهاتف، أو ملفات داخلية لا تمتّ بصلة لأي نظام وطني موحد. وما يبدو في ظاهره تفصيلاً إدارياً يُنتج في الواقع فصلاً قاسياً بين الإدارات يُصعّب الربط ويمنع التتبع ويُعوق الرقابة. ومع غياب هذا الترميز الموحد تصبح البيانات في لبنان مُجزأة وغير مترابطة ولا تُجمع في أي منصة مركزية كل وزارة أو مؤسسة تسير وفق نظامها المستقل وكأنها جزيرة معزولة عن محيطها.

ويلحظ المؤلف مراجعة حديثة لمنظمة ESCWA حول التحول الرقمي في المنطقة العربية، إذ  أشارت الدراسة إلى أن غياب خارطة توحيد معرفية في لبنان يُعتبر من أبرز العقبات أمام تفعيل الحكومة الرقمية رغم توافر الموارد التقنية والبشرية والتمويلية، وأوصت بإنشاء وحدة وطنية موحدة لإدارة البيانات، على أن تتمتع بالصلاحية القانونية لفرض المعيار الوطني الموحد على كل الإدارات، فيما لم يدخل لبنان بعد هذا العصر الرقمي، فعلى الرغم من صدور قانون الحق في الوصول إلى المعلومات عام 2017، فإن الثقافة الإدارية لم تتغير، ولا تزال الإدارات تُخفي أكثر مما تفصح، لكن هذا التغيير لا يُفرض من فوق، بل يُصنع عبر تفاعل منظم تُبنى فيه الثقة تدريجياً. من هنا يجب أن تُصمّم المساءلة الرقمية في لبنان كمسار مفتوح يبدأ بالبيانات ويعبر بالمشاركة وينتهي بالتعديل، وذلك من خلال عدة خطوات:

 خطوات للدولة الرقمية

الخطوة الأولى هي بناء واجهات رقمية تُظهر للمواطن بشكل لحظي أثر قرارات الدولة، ولا يكفي أن يُنشر المرسوم، بل يجب أن يُرفق بخريطة تنفيذية وموازنة مفصلة ومراحل إنجاز ومؤشرات أداء وأدوات تفاعل. بهذه الطريقة يُصبح القرار مرئياً وقابلاً للتفكيك.

أما الخطوة الثانية فهي إشراك المواطن في التقييم المؤسسي، أي أن تُخصّص مساحة ضمن كل مشروع أو خدمة عامة يُطلب فيها من المستخدم تقييم تجربته من حيث الكفاءة والوضوح والسرعة والعدالة والنتائج، وهذه التقييمات لا تُحفظ في ملفات داخلية، بل تُنشر وتُدرج ضمن تقارير الأداء، وتُستخدم في تعديل السياسات وتحسين الخدمات.

الخطوة الثالثة والأكثر أهمية هي أن تُخلق دوائر مؤسسية تتخصص في "إدارة العلاقة مع المواطن الرقمي"، فلا يمكن أن تنجح المساءلة الرقمية إن لم تتحول إلى وظيفة داخل الدولة لها موظفون وتدريب وميزانية. هؤلاء مكلّفون بتحليل الأنماط العامة والتفاعل ورفع التقارير للإدارات وتنسيق الاستجابة وتقديم مقترحات مبنية على بيانات المشاركة ضمن هيكل وظيفي يُعطي المواطن موقعاً داخل منظومة الأداء لا فقط على هامشها.

كتاب الدولة الرقمية ليس وثيقة تقنية، ولا مجرد دعوة إصلاحية. إنه محاولة لوضع خريطة واقعية لبناء دولة على أساس حديث وعادل وشفاف، دولة لا تكتفي بالكلام عن التغيير، بل تُعيد تصميم بنيتها على أساس معرفة دقيقة ومعلومة موثوقة وبيانات متاحة للجميع تنفذ حرفياً قانون الحق في الوصول إلى المعلوما

اخترنا لك