الحج في التراث الإنساني.. هل وُجدت ثقافته قبل النبي إبراهيم؟

هل الحج ظاهرة إسلامية خالصة، أم أنه جزء من تراث إنساني أقدم عرفته الديانات والحضارات الكبرى؟

إذا كان الحج في معناه الواسع، أي الرحلة الدينية إلى مكان مقدس أو المشاركة في طقس جماعي تعبدي، فإن ثقافة الحج أقدم من الإسلام، وحاضرة في ديانات وحضارات كثيرة. 

أما الحج الإسلامي بصيغته المعروفة اليوم، فهو شعيرة إسلامية ذات معنى عقدي خاص، مرتبطة بالرواية الإبراهيمية وبما قرره الإسلام من مناسك وأركان.

ذلك أن الحج، بمعناه العام، هو رحلة دينية إلى مكان مقدس، وقد عرفته الديانات الكبرى والحضارات القديمة بأشكال متعددة.

في هذا الإطار يقول الكاتب المصري، عباس محمود العقاد، في كتابه "الإسلام والحضارة الإنسانية"، إن "الحج فريضة قديمة في الديانات، ولم يوجد قط إلا في ديانة كبيرة، لأنه يستلزم انتشار الديانة عبر أماكن متعددة كما يستلزم قِدمها وانتظام العمل بها في الأزمنة المتعاقبة". 

وأضاف أن "أشهر الديانات القديمة التي وُجدت فيها فريضة الحج اثنتان: ديانة البراهمة في آسيا الشرقية، وديانة بني إسرائيل في آسيا الغربية".

والمقصود بديانة البراهمة، وفق التصنيف الجغرافي، هو التراث الديني الهندوسي/البراهمي في شبه القارة الهندية وجنوب آسيا. 

ويشير العقاد في كتابه، في سياق سجالي مع بعض المبشرين والمستشرقين، إلى أنهم يأخذون على الإسلام طقس رمي الجمرات، وينسون أن شعائر أخرى في تراث ديني قديم تضمنت رموزاً وطقوساً مرتبطة بفكرة الشر أو التطهير.

يكشف الحج عن حاجة إنسانية عميقة إلى السفر نحو المقدس، والبحث عن التطهر، والانتماء إلى جماعة أوسع. ومن هنا تبدو ثقافة الحج أقدم من حدود الأديان اللاحقة، لكنها اتخذت في كل دين شكلاً خاصاً، ومعنى عقدياً وروحياً مختلفاً.

ويحج أصحاب مذاهب وديانات عديدة إلى مناطق كثيرة من العالم ليمارسوا شعائر مختلفة. وهذا يعني أن الحج، بوصفه رحلة دينية إلى مكان مقدس أو طقساً جماعياً تعبدياً، لم يكن حكراً على الإسلام، مع ضرورة التمييز بين الحج كفريضة إسلامية محددة، وبين الزيارات الدينية أو المواسم الروحية في الديانات الأخرى.

زيارة الأربعين

تشترك مذاهب الإسلام كلها في اشتمالها على فريضة الحج إلى مكة، وهو ركن من أركان الإسلام لمن استطاع إليه سبيلاً. لكن توجد وجهات زيارة دينية أخرى تخص بعض المذاهب، ومن أبرزها زيارة الأربعين عند الشيعة، إذ يتوجه ملايين الزوار إلى ضريح الإمام الحسين في مدينة كربلاء في العراق سنوياً. 

وتُعد زيارة الأربعين من أكبر التجمعات الدينية السنوية في العالم، وقد تجاوز عدد زوارها في بعض السنوات 20 مليون شخص، لكنها ليست مساوية للحج إلى مكة من حيث الحكم الشرعي، لأن الحج إلى مكة فريضة إسلامية، أما الأربعين فهي زيارة دينية ذات مكانة كبرى عند الشيعة.

ووفق تقديرات إعلامية مختلفة، شارك ملايين الشيعة في طقوس الزيارة إلى كربلاء خلال السنوات الماضية، حزناً على الإمام الحسين الذي استشهد في كربلاء عام 680 ميلادية. 

وينحدر معظم هؤلاء من العراق وإيران ودول أخرى، فيما يقطع كثيرون مسافات طويلة مشياً لأداء الزيارة، ومنهم من ينطلق من مدن عراقية بعيدة أو من داخل إيران في رحلة قد تستغرق أياماً أو أسابيع.

حج اليهود

بحسب التوراة، فإن ذكور بني إسرائيل كانوا مأمورين بالذهاب إلى القدس 3 مرات سنوياً في أعياد دينية كبرى، هي الفصح، والأسابيع، والمظال. وكان هذا الطقس مرتبطاً بزمن ما يعرف بـ"الهيكل"، ثم تغيّرت طبيعته بعد تدمير الهيكل الثاني سنة 70 ميلادية، وأصبح التركيز في اليهودية لاحقاً على الذاكرة الدينية والصلوات والزيارات الرمزية.

ويزور اليهود من أنحاء مختلفة من العالم حائط البراق، أو ما يسميه اليهود "حائط المبكى". 

إذا قصدنا بالحج معناه الواسع، أي الرحلة الدينية إلى مكان مقدس أو المشاركة في طقس جماعي تعبدي، فإن ثقافة الحج أقدم من الإسلام، وحاضرة في ديانات وحضارات كثيرة.

لكن لليهود مزارات أخرى يتوجهون إليها بأعداد متفاوتة سنوياً، منها معبد الغريبة في جزيرة جربة التونسية، وهو من أهم المعابد اليهودية في شمال أفريقيا. 

حج البوذيين والهندوس

أما البوذيون، فيمارسون طقوس الزيارة الدينية إلى 4 مواقع مقدسة تتوزع بين النيبال والهند، وهي لومبيني، مسقط رأس بوذا في النيبال، وبود جايا، حيث يُعتقد أنه بلغ التنوير تحت شجرة التين المقدسة، وسارناث في الهند، حيث ألقى تعاليمه الأولى، وكوشيناغار في الهند، حيث ارتبط الموقع بوفاته أو دخوله "النيرفانا الأخيرة".

وهذه المواقع تُعرف عادة ضمن المسار البوذي المقدس أو الدائرة البوذية، وهي ليست فريضة إلزامية على كل بوذي مثل الحج في الإسلام، لكنها تحمل قيمة روحية ودينية كبيرة.

ولا يوجد وقت واحد محدد في السنة يجب أن يحج فيه البوذيون جميعاً، غير أن الزيارة قد ترتبط بمواسم روحية أو مناسبات دينية في بعض البلدان والتقاليد.

أما عن الطقوس، فيؤدي بعض البوذيين تأملات وصلوات وأناشيد، وقد يقطعون مسافات طويلة سيراً أو ضمن مجموعات، في رحلة تقوم على استحضار سيرة بوذا والتأمل في معاني الزهد والتنوير.

أما الهندوس فقد حققوا أرقاماً قياسية في بعض التجمعات الدينية الكبرى، خصوصاً في مهرجان كومبه ميلا في الهند. وكومبه ميلا من أكبر مواسم الحج والتجمع الديني في العالم.

ويتمحور كومبه ميلا بين 4 مواقع مقدسة في الهند وفق دورة تمتد 12 عاماً، مع تجمعات تقام كل 3 سنوات تقريباً في أحد المواقع، وتجمعات أكبر كل 6 أو 12 سنة، بينما تقام "ماها كومبه ميلا" في براياغراج في دورات أطول وأكثر خصوصية.

ويتجمع الهندوس في مناطق مختلفة من الهند بين كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير أو في مواسم أخرى بحسب الموقع والتقويم الديني.

في التاريخ، لم يكن الحج رحلة روحية فحسب، بل كان أيضاً ظاهرة اجتماعية وسياسية كبرى. فتجمّع أعداد كبيرة من البشر في مكان وزمان محددين منح السلطات فرصة لتنظيم المجال الديني، وإظهار قدرتها على حماية المقدسات وخدمة الحجاج، وربط الشرعية السياسية بخدمة الدين.

وفي براياغراج، المعروفة سابقاً باسم الله آباد، يكون الاغتسال عند ملتقى نهري الغانج ويامونا من أهم الطقوس. إذ يؤمن كثير من الهندوس بأن الاغتسال في المياه المقدسة يساعد على التطهر من الخطايا ونيل البركة الروحية.

ويبدأ طقس الاغتسال عادة رجال الدين الهندوس أو الرهبان، ثم يتبعهم الحجاج إلى النهر. 

وقد وصل عدد المشاركين في بعض الدورات الحديثة إلى عشرات الملايين، بل تحدثت تقارير عن مئات الملايين خلال مهرجان ماها كومبه في 2025.

حج المسيحيين

لا تفرض نصوص "العهد الجديد" الحج كفريضة دينية على المسيحيين بالمعنى الموجود في الإسلام، لكن تقليد زيارة الأماكن المقدسة تطور تاريخياً، خصوصًا إلى القدس وبيت لحم ونهر الأردن وروما.

وقد ازدهرت هذه الزيارات بصورة أوضح منذ القرن الرابع الميلادي، بعد رحلة القديسة هيلانة إلى الأراضي المقدسة، وبناء كنائس كبرى في القدس وبيت لحم في عهد الإمبراطور قسطنطين.

ويحج المسيحيون إلى أماكن عديدة مثل كنيسة المهد في بيت لحم، المرتبطة بميلاد السيد المسيح، وكنيسة القيامة في القدس، ونهر الأردن، حيث يرتبط المكان بعماد المسيح على يد يوحنا المعمدان.

أما زيارة نهر الأردن فتقام في مناسبات مرتبطة بعيد الغطاس أو عيد عماد الرب. كما يتجمع مئات الآلاف من المسيحيين الكاثوليك في الفاتيكان سنوياً للمشاركة في صلوات ومناسبات كبرى، خصوصاً في عيدي الميلاد والفصح.

حج الديانات القديمة

يقول الدكتور عطية القوصي، أستاذ ورئيس شعبة التاريخ الإسلامي السابق بكلية الآداب جامعة القاهرة، إن الملوك والأفراد كانوا يقطعون مسافات طويلة لتقديم القرابين وتجديد الولاء في حضارات بلاد الرافدين ومصر القديمة. 

أما قبل الإسلام، فقد كان للعرب موسم حج إلى الكعبة في مكة، وكانت الطقوس حينها هي الطواف حول الكعبة والتنقل بين أماكن مقدسة كالصفا والمروة وعرفة، وذلك في إطار طقوس وثنية مرتبطة بعبادة الأصنام. 

وقد أبقى الإسلام على بعض هذه الأماكن في طقوس الحج الحالية.

لم يكن الحج، بمعناه الإنساني العام، حكراً على دين بعينه. فقد عرفته اليهودية والمسيحية والبوذية والهندوسية، كما عرفته حضارات أقدم في مصر وبلاد الرافدين.

هكذا كانت شعيرة الحج عبر التاريخ من أبرز أدوات القوى السياسية لتكريس شرعيتها المركزية، بحسب الدكتور خالد حسين، أستاذ التاريخ الإسلامي ورئيس قسم التاريخ بكلية الآداب بجامعة عين شمس، إذ قال إن تجمع ملايين البشر في مكان وزمان واحد فرصة كبرى لفرض السيطرة الدينية والسياسية، وتحقيق شرعية دينية مركزية قائمة على حماية المقدسات وخدمة الحجاج.

وأضاف حسين في حديث مع "الميادين الثقافية" أن الحج تحول خلال حكم الأيوبيين مثلاً إلى "مؤسسة" تديرها الدولة، فقد سعى صلاح الدين الأيوبي لتأمين طرق الحج لتعزيز شرعيته في سياق صراعه مع الصليبيين، وأوضح أن شعائر الحج تحولت إلى عمل مؤسسي له "أمير" تعيّنه السلطات المركزية لضمان الولاء والأمن والنظام.

اخترنا لك