الجنوب آخر يوم (*)

أنت يتيمة الجبل والأوقات، يتيمة قلبك والسماء وحسنك.

إلى آمال خليل

***

يمكن للجنوب أن يكون آخر بلد

آخر وصية وربما آخر جرعة

آخر ليرة آخر دواء، وآخر يوم

يمكننا أن نصنع من كلمته

موّالاً أو إكليلاً وحتى دعاء

يمكننا أن نطلقها على أشجار دهرية

أو نجعل منها رسالة أو متحفاً

وحتى أكلة أو حلوى

الجنوب

لم نستطع أن نجعله في الوسط

أن نرفع جباله

التي بقيت تلالاً

أن نجعل حدوده حصينة

أن نبيعه تاريخاً أو أسطورة

لقد جاء من ذكرى واحدة

الأبد لم يحتج إلى أكثر منها

الأبد الذي تحقّق في يوم

يوم لا يزال شفقه

لا يزال فجره

لا يزال دمعه

طالعاً

القرى كلمات لا أصوات لها

كلمات لا تنفصل عن أعشابها

لا تنفصل عن مراعيها

حيث كلّ شيء يتحجّر في العراء الكبير

في التراب الذي يتكوّن كقلب بري

كقلب من غبار

كبداية ناقصة

القرى كلمات للوعر النائم

وربما أسماء لما يعتمل في داخله

حصى تتدوّر كالجُمَل والأسرار

يمكن لهذه الوجوه أن تكون لها رقة الحوافي

والتلال التي لم تكبر

هذا الجمال الذي لم ينظر إلى نفسه

لقد تعرّى دونما نسمة

تكامل في غيبة وانسلال

إذ تدخلين بكلّ هذا المطل

إلى العصر الفائق، إلى أول الساعة

حيث الوقت وحده سيّد

ولا نهاية للشمس

لم تنقصك الابتسامة

كانت اسماً على وجهك

اسماً آخر وبيتاً

أنت يتيمة الجبل والأوقات

يتيمة قلبك والسماء وحسنك

كانت أيضاً حليتك وآيتك

تمسين بها الخراب

وتستضيفين الركام

لقد وصلت طي نفسك

وصلت بهذا الشفق المعذّب

وأهديت يتمك للدار

التي بقيت تعدّ زفراتك

قبل أن تنغلق عليك

إلى حين بقيت بسمتك وحدها

ضوءاً من آخر بلد

جرعة واحدة

آخر يوم 
 
(*) هذه القصيدة نشرها الشاعر اللبناني، عباس بيضون، قبل أيام على صفحته على "فيسبوك"، وأهداها إلى الزميلة الشهيدة، آمال خليل. 

اخترنا لك