الجمهورية الإسلامية الإيرانية الثبات والمرونة في إدارة التحديات

يشكل هذا الكتاب قيمة إضافية للمكتبة الفكرية ولكل من يريد أن يطلع على مراحل التطورات والمتغيرات في إيران التي أدت إلى قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي غيرت وجه إيران وأرست حضوراً فاعلاً مؤثراً لها على الصعيدين الإقليمي والدولي.

  • الجمهورية الإسلامية الإيرانية الثبات والمرونة في إدارة التحديات نصف قرن من المواجهة
    الجمهورية الإسلامية الإيرانية الثبات والمرونة في إدارة التحديات نصف قرن من المواجهة

كتاب "الجمهورية الإسلامية الإيرانية الثبات والمرونة في إدارة التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية" للدكتورة مريم قاسم رضا، تسلط فيه الضوء على مرحلة مهمة من تاريخ إيران الحديث والممتدة من عهد القاجار مروراً بالنظام البهلوي وحتى سقوطه على يد الثورة الإسلامية عام 1979، وقيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية ونظامها حتى عقده الرابع. تناولت الدكتورة مريم قاسم رضا بموضوعية وأمانة تاريخية الأحداث وتأثيرها في الأوضاع السياسية، والاجتماعية، والفكرية، والمعيشية، والحياتية للشعب الإيراني، وبروز حراك وطني تفاعل مع المتغيرات السياسية والفكرية التي شهدتها أوروبا في القرن التاسع عشر والحركة الدستورية في السلطنة العثمانية، وكان من نتائج هذا التفاعل ظهور تيارات فكرية عقائدية إيرانية في ما بعد (ليبرالية، وقومية، ودينية، وشيوعية). بدأ الحراك الشعبي الواسع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر ضد الاستعمار وامتيازاته المذلة، مطالباً بوضع دستور للبلاد، والتحرر من هيمنة الدول الكبرى، وضرورة القيام بالإصلاحات، وكانت أول انتفاضة ضد الامتيازات هي التي عرفت بثورة التنباك التي قادها رجل الدين محمد حسن الشيرازي عام 1891، والتي أدت إلى إلغاء امتياز منحه الشاه لشركة بريطانية لمدة خمسين سنة.

كتاب "الجمهورية الإسلامية الإيرانية الثبات والمرونة في إدارة التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية"، للدكتورة مريم قاسم رضا، صادر عن دار الولاء للطباعة والنشر، الطبعة الثانية، بيروت.

مكانة المرشد وصناعة القرار

تناولت الدكتورة مريم قاسم رضا بإسهاب مؤسسات النظام الإسلامي الجديد من جوانبه الدستورية، والسياسية المحلية، والإقليمية، والدولية، والفكرية، والإسلامية، والمؤسساتية كافة، وأيضاً مكانة مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية وصلاحياته في الجمهورية الإسلامية الإيرانية وثوابت إيران المبدئية حيالها. كما تطرقت إلى البرنامج النووي الإيراني السلمي الذي يلقي بظلاله على الساحة المحلية والإقليمية والدولية من جوانبه المختلفة: التاريخية، والسياسية، والدبلوماسية، والدولية، وما أحاط بالبرنامج النووي من مواقف دولية سلبية والتي أدت إلى فرض عقوبات على إيران، وردود فعل إيرانية على هذه العقوبات وتأثيرها على الاقتصاد الإيراني. كذلك تناقش المؤلفة رحلة توقيع الاتفاق النووي عام 2015 بين إيران والمجموعة (5+1) كونها محطة تاريخية لكن "صادمة" لجهة التفاوض والتوافق مع الولايات المتحدة الأميركية على الرغم من سنوات القطيعة والعداء السياسي.

"وكيف تدير الجمهورية الإسلامية الإيرانية التحديات وتصنع القرارات؟" هو السؤال الإشكالي لهذا الكتاب الذي يخرج بالإجابة عن الطور المتعارف في العلوم السياسية والعلاقات الدولية حصراً، ويفتح ساحة البحث والتحليل الاجتماعي السياسي في قراءة (مئة عام) تقريباً من تاريخ إيران ما قبل الثورة، وأربعة عقود من تجربة الحكم الجمهوري الإسلامي استناداً إلى الهوية الإيرانية ذات السيادة الشعبية الدينية. ويؤسس الكتاب لتفسير عملية صناعة القرار في الجمهورية الإسلامية الإيرانية بناءً على الأبعاد الثقافية، والسياسية، والاقتصادية للمجتمع الإيراني. وبعد مضي أربعة عقود على قيام الثورة ومناهضة السياسة الأميركية، جلست إيران مع "الشيطان الأكبر" للتفاوض، وتم إبرام اتفاق حول برنامج إيران النووي في 14 تموز/ يوليو من عام 2015.

دوافع وأسباب توقيع الاتفاقية النووية

ترى المؤلفة أن الاتفاق من أهم إنجازات الرئيس المعتدل حسن روحاني وحكومته المحسوبة على التيار الإصلاحي بعد سنوات من المفاوضات مع القوى العظمى، علماً أن إيران لم تتخل عن حقها في امتلاك التقنية النووية للأغراض السلمية؛ الحق المشفوع بفتوى القائد في تحريم تصنيع أسلحة نووية. ورغم ذلك، تحرص الدكتورة مريم قاسم رضا على الإجابة عن إشكالية مركزية تتمحور حول دوافع وأسباب قرار النظام الجمهوري الإسلامي بتوقيع اتفاقية نووية، والمفاوضات حول برنامج إيران النووي مع الولايات المتحدة الأميركية على الرغم من قطيعة سياسية دامت 36 سنة وتوصيف إيران نظام الأخيرة بـ "الاستكباري"، وتأتي هذه الإجابة ضمن حقل علم الاجتماع السياسي وليس في إطار العلاقات الدولية، معتبرة أن تاريخ إيران يُقرأ في زهاء قرن وثلاثة عقود تقريباً (1889-2019) من الزاوية السوسيولوجية، ويعمل على تشريح بنى النظام القانونية والدينية وتحديد دينامية البنى السياسية والاقتصادية الدافعة باتجاه قرار الاتفاق.

الرأسمال الأنطولوجي

يطرح كتاب "الجمهورية الإسلامية الإيرانية" مفهوم الرأسمال الأنطولوجي للتعبير عن "أحقية الوجود" أو رأس المال الرمزي الذي "يمتلكه النظام الجمهوري منذ ولادته، ويستمد كينونته من الخلفية المطلقة والمعيار الذي يستند إليه الفعل في الحكم على الوجود"، واجتماع عناصره داخل النظام: "الشعب، والقيادة الدينية والسياسية، ومبادئ الثورة". ويشكل الرأسمال الأنطولوجي رصيد النظام الذي يؤمن قوة دافعة ذاتية تمكنه من مواجهة التحديات والتهديدات الخارجية، وكلما زادت حدته اتخذ منحى التهديد الوجودي؛ يتفعل هذا الرأسمال ليحافظ على التوازن الداخلي (كما حصل خلال العدوان الأخير عام 2026)، وتؤدي زيادة الرأسمال إلى مزيد من قوة النظام واقتداره.

تاريخ النفوذ العلمائي

ويغطي الكتاب أحداثاً تاريخية بارزة على مدى حقبتين مهمتين: الحقبة الأولى الأعوام ما بين 1889 - 1979، ويحدد الحركات الاجتماعية السياسية التي أسهمت في تنامي النفوذ العلماني. كما يقوم بتصنيفها، وذلك بدءاً من تاريخ أول حراك عام 1889 مع الميرزا الشيرازي ضد السلطة الملكية القاجارية الحاكمة آنذاك حتى حركة حزيران 1963 (حركة خرداد)، الحركة الأخيرة من هذا النوع. وتكشف القراءة التحليلية السوسيولوجية لهذا التاريخ بأن الثورة الإسلامية في إيران بدأت إرهاصاتها مبكراً، وأنها حركة تغيير أصيلة ومتجذرة في المجتمع الإيراني، لها امتدادات ثقافية، وفكرية، وسياسية نضجت في كنف علماء الدين والحوزة.

أما الحقبة الثانية فهي تغطي الفترة الممتدة من تاريخ بدء المفاوضات سنة 2002 حتى تاريخ انسحاب الولايات المتحدة الأميركية منه في عهد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأولى عام 2018. وتعكس حركة العلماء أو الانتفاضة بقيادة الإمام الخميني أبرز ملامح التحام الشعب الإيراني والقيادة الدينية في رفض التبعية والتخريب والتمسك بالسيادة والاستقلال، تلك الصورة التي تجلت بوضوح في الثورة الإسلامية الإيرانية.

خط الإمام والقضية الفلسطينية

تلاحظ المؤلفة أن طرح "خط الإمام" للقضية الفلسطينية كقضية محورية مركزية تجمع حولها كل المجتمعات الإسلامية في طريق بناء الوحدة الإسلامية في مواجهة "أعداء" الأمة، فأرسى الإمام الخميني بعد خمسة أشهر من انطلاق الثورة "يوم القدس العالمي" من كل عام كأبرز الخطوات العملية الجادة على طريق تحقيق تلك الوحدة؛ وذلك بسبب ما تمثله فلسطين، فالنظام كما يعبّر القائد خامنئي يؤمن بالقضية الفلسطينية ويجدها قضية استراتيجية وليست تكتيكاً يُتّبع على أساس مصلحة معينة، وهذا ما عملت عليه إيران من انطلاقة الثورة حتى الآن.

أقسام ومحاور الكتاب

جاء تقسيم كتاب "الجمهورية الإسلامية الإيرانية" إلى قسمين يتوزع كل منها إلى أربعة فصول؛ يتناول القسم الأول "الرأسمال الأنطولوجي في المجتمع الإيراني من النشأة إلى البناء" وعملية الكشف عن جذور الرأسمال الأنطولوجي في مجتمع ما قبل الثورة، حيث نمت ونضجت أفقياً داخل المجتمع حتى تقاطعت مع هياكل الثورة الإسلامية، وهذا المفهوم يشكل محور استجابة النظام الجمهوري للتحديات لاحقاً. ويتحدث الفصل الأول عن "إيران ما قبل الثورة والممهدات المجتمعية في نشأة الرأسمال الأنطولوجي"، بينما يستعرض الفصل الثاني "النفوذ العلمائي" وإرهاصات الرأسمال الأنطولوجي في مجتمع ما قبل الثورة، في حين يوضح الفصل الثالث "خط الإمام وبناء الرأسمال الأنطولوجي مع قيام النظام"، ويشرح الفصل الرابع "بناء الرأسمال الأنطولوجي في النظام الجمهوري الإسلامي".

ويتعرض القسم الثاني "الرأسمال الأنطولوجي وإدارة النظام للتحديات" لتأثير الرأسمال الأنطولوجي في كيفية إدارة النظام الجمهوري والتحديات السياسية التي واجهت مشروع الاتفاق، بينما يدرس الفصل الثاني "الاتفاق النووي في المشهد الاقتصادي الإيراني" التحديات الاقتصادية وتداعياتها لتحليل مدى تأثيرها على الدفع بقرار الاتفاق، ويشرح الفصل الثالث "الاتفاق النووي في مشهد حراك الشارع الإيراني" خاصة حراك 2009م وحراك 2018م لدراسة دلالات الحراكين وتأثيرهما في قرار الاتفاق، أما الفصل الرابع فيدرس "دور الرأسمال الأنطولوجي في إدارة الاتفاق النووي".

كتاب الدكتورة مريم قاسم رضا "الجمهورية الإسلامية الإيرانية الثبات والمرونة في إدارة التحديات"، يشكل قيمة إضافية للمكتبة الفكرية ولكل من يريد أن يطلع بإمعان على مراحل التطورات والمتغيرات في إيران التي أدت إلى قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي غيرت وجه إيران وأرست حضوراً فاعلاً مؤثراً لها على الصعيدين الإقليمي والدولي، حتى سعى العالم للتفاوض معها وأدارت العملية وتحدياتها في مسار من المرونة والثبات.

اخترنا لك