التفكير الحوسبي: العالم عبارة عن كومبيوتر
يعود تاريخ مصطلح "الحاسب" أي بمعنى من يحسب، إلى أوائل القرن السابع عشر وكانت أول آلات الحوسبة الإلكترونية تسمّى الحواسب الآلية لتمييزها عن الحواسب البشرية.
-
التفكير الحوسبي: أجهزتنا وأدواتنا تقريباً عبارة عن أجهزة كومبيوتر
التكنولوجيا جزء من حضارتنا. يتحدّث الناس أحياناً عن الصراع بين البشر ويمكنك رؤية ذلك في الكثير من روايات الخيال العلمي. لكنّ الآلات التي يبتكرها البشر ليست غزواً من المريخ، نحن نبتكر هذه الأدوات لتوسيع نطاق إمكاناتنا وقدراتنا.
(راي كريسوايل: "مخترع جهاز قراءة لفاقدي البصر وأجهزة تخليق الأصوات الموسيقية،منح لقب مخترع عام 1988 وفاز بتسع جوائز فخرية").
مقدّمة:
لكي تصبح البيانات قابلة للمعالجة، يجب تمثيلها كإشارات في الآلة أو كاهتزازات قابلة للقياس في بنية وسائط التخزين، لا توجد معلومات من دون تمثيل، إذ يجب تمثيل العمليات الحسابية مثل الجمع والضرب والطرح كقواعد لنقل الإشارات.
جميع أجهزتنا وأدواتنا تقريباً عبارة عن أجهزة كومبيوتر: من الهواتف، والأجهزة اللوحية، وأجهزة سطح المكتب، صفحات الويب، وساعات اليد،وأجهزة الملاحة، والترمومترات، والأجهزة الطبية،وساعات الحائط، وأجهزة التلفزيون، وأجهزة تشغيل أقراص الفيديو (DVD)، وشبكات الواي فاي. وخدماتنا أيضاً هي عبارة عن برامج: متاجر الكتب،البنوك، وسائل النقل، حجوزات الفنادق، صناعة الأفلام والترفيه. عمليات البحث في غوغل، كلّها تقريباً تديرها أجهزة كومبيوتر غير مرئية عبر شبكة عالمية غير مرئية تسمّى "السّحابة الإلكترونية". لقد أثمرت أجهزة الكومبيوتر عن فوائد عظيمة. منها إمكانية الوصول إلى المعلومات، التنمية الاقتصادية،تحسين قطاع الصحة، وفي الوقت نفسه جلبت بعض المخاوف، منها فقدان الوظائف، العولمة، انتهاك الخصوصية والمراقبة.
وبالنتيجة يبدو أنّ كلّ شيء يمكن رقمنته وأجهزة الكومبيوتر تخزّن المعلومات وتحوّلها في مكان آخر. كيف لنا أن نفكّر في كلّ هذا؟ ما الذي نحتاج إلى فهمه حول أجهزة الكومبيوتر؟ ماذا يجب علينا أن نفعله لجعل الكومبيوتر يعمل في خدمتنا؟ كيف تشكّل أجهزة الكومبيوتر الطريقة التي نرى بها العالم؟ ما الجديد الذي نراه؟ ما دور البرمجة؟ ما الأشياء التي لا تتقنها أجهزة الكومبيوتر؟
تعتبر الخوارزميات هي الخطوات التنفيذية التي تحدّد كيفيّة قيام الكومبيوتر بالمهمة، وعلى الرّغم من أنّ البشر يمكنهم تنفيذ الخوارزميات، فإنهم لا يستطيعون القيام بذلك بسرعة الآلة نفسها، إذ يمكن لأجهزة الكومبيوتر الحديثة القيام بتريليون خطوة في الوقت الذي يستغرقه الإنسان ليقوم بخطوة واحدة،ويكمن السرّ ببساطة بأنّ هناك آلة تُنفّذ أعداداً ضخمة من عمليات الحوسبة البسيطة جدّاً بسرعة هائلة، والبرامج هي الوسيلة ذلك. الخوارزميات المشفّرة بلغات محدّدة الغرض تترجم إلى تعليمات آلة تتحكّم في الكومبيوتر. يجنح التفكير الحوسبي اليوم نحو تعلّم كيفية عمل العالم، كذلك ينظر العديد من علماء الأحياء والفيزياء والكيمياء وعلماء آخرين إلى موضوعاتهم البحثية من خلال عدسة الحوسبة.
تعريف التفكير الحوسبي:
هنالك عدة تعريفات، دمجها المؤلف في تعريف واحد،وهو الممارسات والمهارات العقلية من أجل: تصميم عمليات الحوسبة التي تجعل أجهزة الكومبيوتر تقوم بالمهام من أجلنا، شرح العالم وتفسيره على أنّه مجموعة معقّدة من العمليات المعلوماتية.
في الحقيقة، عمليات الحوسبة هي سلسلة معقّدة من العمليات الرقمية والمعالجات الرمزية، ومن أمثلة العمليات الحسابية الرقمية، العمليات الأساسية من جمع وطرح وضرب وقسمة والدوال المثلثية. ومن أمثلة المعالجات الرمزية المقارنة المنطقية للأرقام أو الرموز،واتخاذ قرارات بشأن التعليمات التي يجب تنفيذها بعد ذلك، أو استبدال سلسلة من الأحرف والأرقام بأخرى، ويمكن إجراء عمليات حوسبة مذهلة عند ترتيب تريليونات من هذه العمليات البسيطة، مثال التنبؤ بحالة طقس الغد، أو تحديد مكان الحفر بحثاً عن النفط، أو تصميم أجنحة طائرة ذات دفع كافٍ للطيران، أو إيجاد الأماكن التي من المرجّح أن يزورها شخص ما أو استدعاء سيارة.
ظهور التفكير الحوسبي على مدار الألفية
قبل عصر الكومبيوتر الحديث كانت هناك مهنة يمتهنها خبراء مدرّبون على إجراء العمليات الحسابية المعقّدة وهم في هيئة فرق، كان يطلق عليهم الحواسب. لم يكن هؤلاء هم أول من فعلوا ذلك بأيّ حال من الأحوال، إذ يعود تاريخ مصطلح "الحاسب" أي بمعنى من يحسب، إلى أوائل القرن السابع عشر وكانت أول آلات الحوسبة الإلكترونية تسمّى الحواسب الآلية لتمييزها عن الحواسب البشرية.
سجّلت الأشكال البدائية من التفكير الحوسبي في الفترة ما بين 1600-1800 قبل الميلاد بين البابليين،الذين كتبوا خطوات عامة لحلّ المسائل الرياضية. تتميّز هذه الخطوات التي تتبع القواعد بميزات نطلق عليها اليوم بمفهومنا المعاصر أشكالاً من التفكير الحوسبي. وبالمثل، فإنّ المهندسين المصريين الذين بنوا الأهرام بدءاً من نحو 2700 قبل الميلاد كانوا يعرفون الكثير عن الهندسة، وكانوا قادرين على حساب أبعاد الحجارة وزواياها لكلّ جزء من الهرم،وقوة الحبال والرافعات والبكرات المستخدمة لتحريك الحجارة إلى مكانها. إذاً فالحوسبة ممارسة بشرية قديمة.
على مرّ الزمن منذ العصور القديمة سعى علماء الرياضيات إلى صياغة خطوات تنفيذية لعمليات حسابية تزداد تعقيداً شيئاً فشيئاً. وتتجاوز حساب المعاملات التجارية وهندسة الإنشاءات إلى حساب المثلّثات والتوقّعات الفلكية والملاحة الفلكية وحلّ المعادلات الجبرية، وصولاً في النهاية إلى الحوسبة باستخدام حساب التفاضل والتكامل لنيوتن ولايبتنز. ومن خلال الخطوات التنفيذية للحوسبة،أتاح علماء الرياضيات خبرتهم لغير الخبراء الذين كان عليهم ببساطة اتباع تعليمات إجراء العمليات الحسابية البسيطة بالترتيب الصحيح. تسمّى فئة خاصة من هذه التعليمات اليوم "خوارزمية" وهومفهوم أساسي في الحوسبة الحديثة.
يرجع الأصل في مصطلح خوارزمية إلى العالم الفارسي محمد بن موسى الخوارزمي الذي ناقش،نحو عام 800م كيفية صياغة الخطوات الرياضية وأعطى مثالاً على ذلك إيجاد القاسم المشترك الأكبر لمجموعة من الأعداد. ونحن البشر، لدينا ميل إلى أتمتة الخطوات الروتينية، لذلك طبّقنا هذا على خطوات الحوسبة، إذ سعى المخترعون إلى ابتكار آلات تقوم بأتمتة عمليات الحساب بهدف تحقيق سرعة أكبر وأخطاء أقلّ.
في القرن السابع عشر صمّم باسكال آلة حسابيةبنفسه تقوم بالجمع والطرح، واخترع نابير اللوغاريتمات، وفي عام 1819 صمّم بابيدج آلة من التروس والأعمدة والعجلات يمكنها حساب جداول الأرقام الحسابية مثل اللوغاريتمات. وعلى الرغم من أنّ التفكير الحوسبي جديد نسبياً، إلّا أنّ أول ظهور نعرفه يرجع إلى عام 1980.
خلاصة:
*أدرجت المؤسسة الوطنية الأميركية للعلوم في دعوة للتمويل في عام 2007 للعديد من الناس، كانت هذه هي المرة الأولى التي يسمعون فيها آراء حول قيمة الحوسبة في التعليم، وبدا وقتها بأنّ التفكير الحوسبي اختراع جديد، وإنجاز يبشّر في التعليم من مرحلة رياض الأطفال حتى مرحلة التعليم الثانوي. ولكنّ الحقيقة هي أنّ البشر كانوا يمارسون التفكير الحوسبي منذ أكثر من 4500 عام. وقد رشّح للتعليم ما قبل الجامعي منذ ستينيات القرن العشرين.
تعتبر سرعة أجهزة الكومبيوتر هي المحرّك الرئيسي لثورة الحوسبة، فأجهزة الكومبيوتر أسرع من البشر بمليارات إلى تريليونات المرات، وعلى الرغم من أنّ البشر يمكنهم تنفيذ خطوات الحوسبة، فلن يتمكّنوا من تنفيذ معظم هذه العمليات الحوسبية في فترة حياتهم، ومع أنّ البشر يمكنهم تنفيذ الخوارزميات الخاصة ببعض مهام معالجة المعلومات، فإنّ ثورات عصر الكومبيوتر لا تدور حول ما يمكن للناس تنفيذه من الخوارزميات في فترة حياتهم، ولكنها تدور حول ما يمكن للكومبيوتر القيام به بالنيابة عنهم.
*التفكير الحوسبي المتقدّم يعتمد على المجال الذي نريد أن نعرف فيه كيف نجعل الكومبيوتر يقوم بمهمة ما نيابة عنا، فعلى سبيل المثال، إذا كان هناك مبرمِجاً خبيراً لا يعرف شيئاً عن فيزياء الكمّ، سيكون لديه القليل ليقدّمه إلى فريق من علماء الفيزياء الذين يعملون على كمبيوتر كمّي. وبالمثل فإنّ العمل مع خوارزميات الطبيعة المعقّدة في علم الأحياء يتطلّب فهماً كبيراً للعمليات البيولوجية، وكذلك تتطلّب النماذج الخوارزمية في الكيمياء دراية عميقة بالعمليات الكيميائية المناظرة، وهكذا فإنّ الكثير من التفكير الحوسبي المتقدّم محدّد بالسّياق ومرتبط ارتباطاً وثيقاً بمجال التطبيق.
*التفكير الحوسبي عزّز حدوث ثورة في العلوم،ووجد العلماء بأنّ التفكير الحوسبي في جميع المجالات هو أسلوب جديد لممارسة العلوم، مختلف كلياً عن الأساليب الكلاسيكية القائمة على النظرية والتجريب. وتوصّلوا إلى هذا الاكتشاف في ثمانينيات القرن العشرين عندما بدأوا في استخدام أجهزة الكومبيوتر الفائقة للتصدّي لــــ "التحدّيات الكبرى" وكان هذا تحوّلاً كبيراً في النموذج مهّد الطّريق أمام العديد من الاكتشافات العلمية الجديدة.
*التغيير هو جزء لا يتجزأ من التفكير الحوسبي: ففي كلّ عقد من التاريخ الحديث للحوسبة، كانت هناك إجابات مختلفة عن جوهر التفكير الحوسبي،فالتقدّم في الحوسبة يحافظ على التفكير الحوسبي في حالة تغيّر مستمر، ويجب أن نعتبر عدم وجود تعريف ثابت، دليلاً على حيوية المجال بدلاً من أن نعتبره فشلاً من جانبنا في فهم حقيقة أبدية.
*نماذج حوسبية جديدة، التعاون بين الإنسان والكومبيوتر، القفزات التكنولوجية، فرضية بأنّ العالم كلّه عبارة عن كومبيوتر، صراعات أيديولوجية حول مايجب تدريسه، تأمّلات في العالم الناشئ.
في النهاية: هنالك مواضيع واسعة وشاملة في هذا الكتاب لا نستطيع ذكرها كلّها، لكننا نشير إليها بالعناوين. حيث يتناول الكتاب في أحد فصوله التسعة، مستقبل الحوسبة، هندسة البرمجيات،العلوم الحوسبية، التصميم لتلبية احتياجات الإنسان، أساليب الحوسبة، علوم الكومبيوتر، وشرح مفصّل لمفهوم التفكير الحوسبي وتعليمه للجميع.
هذا إضافة إلى فصل خاصّ يتعلّق بسرد معنى المصطلحات المعاصرة المتعلّقة بالتفكير الحوسبي،كوحدات البت الكمية، ومعنى الشبكة العصبية،والدوائر المنطقية، والخوارزميات التجريبية،الكسيرات، وحدة معالجة الرسومات، تجريد البيانات، السحابة الإلكترونية، برنامج التحويل البرمجي، الأتمتة، البت والبايت، الذكاء الاصطناعي.