التسامح بين الواقع والضرورة
"التاريخ الإسلامي حفل بميزات للتعايش بين الشعوب؛ حيث مُنحت المجتمعات المسيحية واليهودية استقلاليةً في إدارة شؤونها الخاصة، مستشهدًا بالعصر الذهبي في بغداد والأندلس، بينما كانت أوروبا تغرق في حروبها الدينية إبان العصور الوسطى".
-
التسامح بين الواقع والضرورة في كتاب "التسامح في تاريخ العالم"
لا شك في أن التسامح قيمة حيوية وحضارية على كل المستويات، على صعيد الفرد والمجتمع والعالم على حد سواء. إن مفهوم التسامح يقوم على أسلوب قبول الفرد طريقة تفكير الآخرين المغايرة لأسلوب تفكيره، وكذلك القدرة على العفو وعدم رد الإساءة بمثلها، وهو — أَي التسامح — أهم شرط من شروط المواطنة في أي مجتمع؛ فالدعوة إلى الاستقرار المجتمعي تحتاج إلى ثقافة قبول الآخر المختلف من الانتماءات كافة، سواء الأيديولوجية أو العرقية أو الانتماء الديني أو المذهبي، وخصوصًا في مجتمعات مثل المجتمعات المشرقية المتعددة الطوائف والأعراق والميول المختلفة. ومن هنا، كان التسامح بوابةً للتواصل مع ثقافات الشعوب وتمثُّل ظروفها والمتغيرات الفكرية التي مرت بها والمجتمعات التي تفاعلت معها حتى وصلتنا بشكلها الأخير؛ ما يضمن محاربة التقوقع والعزلة والانكفاء عن التواصل مع القوى الحية للشعوب.
في كتابه "التسامح في تاريخ العالم"، يحاول بيتر ن. ستيرنز بترجمة عبير أبو نقطة دراسة كيف تطور مفهوم قبول الآخر وإمكانية العيش المشترك بين الشعوب؛ إذ تبدأ فكرة التسامح بدايةً بقبول شيء لا تحبه. والحقيقةُ أنه يصعب الوصول إلى تعريف جامع ومانع لمفهوم التسامح، فيصعب الحديث عن المفهوم في مجتمعات الصيد وجمع الثمار البدائية التي يسود فيها مفهوم التعصب الشديد؛ لأنها تعتمد على التوافق الاجتماعي لحفظ النظام العام، حيث ساد مفهوم الطاعة واحترام الكبير والانضباط والالتزام بالقواعد المقررة، ومن يخرج عنها ينبَذ ويطرَد، وكذلك المجتمعات الزراعية البدائية، ولكنها أوجدت نوافذ للتسامح في مسائل أخرى مثل الحرية الجنسية والمجموعات ثنائية الروح. وقد تراجع هذا الأمر مع تطور الزراعة والاستقرار، ولم تمتلك تصورًا حقوقيًا نافذًا لهذا المفهوم لعدم وجود دول جامعة؛ لذا كان تجاوز الهفوات مقبولًا في بعض التشكيلات الاجتماعية، وكذلك تعمل كل مجموعة مع المجموعات الأخرى بسلوك اتسم بالتجاوز ونبذ الاقتتال. وفي مجتمعات الإغريق برز مفهوم التحمل ولم يُذكر التسامح علانيةً، وبقيت الحريات الدينية مرتبطة بالوضع السياسي أكثر من كونه تشددًا للعقيدة.
بالنسبة إلى الأديان السماوية، أغلبها يكون متسامحًا في البداية إلى أن تتسلق المطامح الدنيوية وأفاعيل السياسة عليها، لتغدو أكثر تشددًا مع المختلفين عنها. وقد شجعت المسيحية والإسلام على التوسع في الأعمال الخيرية خاصةً بصفتهما التبشيرية لجميع الأمم، وهذا لم ينفِ الصراعات داخل كل منها بين مريدي التعصب ومناوئيه، بين من يبتغي الوجه السمح للدين ومن يبتغي تجييره لأهداف السلطات المهيمنة والسياسة المتبعة. وقد رأى الكاتب أن التاريخ الإسلامي حفل بميزات للتعايش بين الشعوب؛ حيث مُنحت المجتمعات المسيحية واليهودية استقلاليةً في إدارة شؤونها الخاصة، مستشهدًا بالعصر الذهبي في بغداد والأندلس، بينما كانت أوروبا تغرق في حروبها الدينية إبان العصور الوسطى. ويخلص الكاتب إلى نتيجة أن الأديان عمومًا تحمل نصوصًا تدعو للسلام، وأخرى يمكن تأويلها لإلغاء الآخر؛ ولذلك فإن التعايش والسلام لم يكونا محكومَيْن بالنصوص الدينية بقدر ما كانا محكومَيْن بوجود الفئات المهيمنة ومستوى التطور الاجتماعي والاقتصادي السائد فيها.
مصطلح المجتمعات الحضارية ومفهوم الحضارة يحملان وعيًا استعلائيًا للمجتمعات الأقل تحضرًا، ومع تقدم الحضارة صار الشرق الأوسط مقرًا للغزوات ولم تتوقع الجماعات الغازية أن يتبقى لدى المقهورين معتقداتهم وعاداتهم الخاصة. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل يتطلب التسامح أن نعطي كل الأفكار وزنًا متساويًا؟ وفي الوقت ذاته إن السماح بالاستثناءات قد يفتح بابًا واسعًا لتفريغ المفهوم من مضمونه، وهل يعني أن جميع الآراء المتضاربة مسموح بها؟ وهل يجب التسامح مع التعصب؟ وهل نتسامح مع هضم الحقوق ومع من يقتلنا؟
من هنا، ضرورة أن نفرق بين التسامح الذي يختلف عن التحمل؛ فالتحمل أن يتأتى لك الصبر على تقبل أو وجود أفكار أو أشخاص لا يروقون لك ولا ترتاح إليهم، بينما التسامح يفترض أن تتقبل حبًا وكرامةً الأفكار المتنوعة والأشخاص المتناقضين معك؛ لأن العكس — أي العداء والتربص بالآخرين والإيقاع بهم — يخلق حالة من نوعها لدى الآخر ستنفجر ذات يوم.
فلكل فرد حق اعتناق الأفكار التي يرتاح إليها من دون ضغط أو إكراه ولا يترتب عليها اضطهاد ما، إضافةً إلى أهمية احترام تقاليد وأعراف الآخرين وطقوسهم وعاداتهم والقدرة على احتواء الاختلافات بروح نقدية غير عدائية.
تتعدد أنواع التسامح؛ فهناك التسامح الديني والسياسي والتسامح الكلي والتسامح الجزئي والتسامح الفكري والثقافي، وكل منها يؤثر ويتأثر بالمتغيرات الحاصلة في كل منها، سنحاول أن نوجز أهمها: فالتسامح الاجتماعي يقتضي اعترافًا بالآخر من ناحية إنسانية، ونبذ أي محاولات لإقصاء أي فرد تبعًا لعرقه ولونه أو لنوعه (ذكراً أم أنثى) أو لترتيبه الطبقي (غنياً أم فقيراً) أو نسبه. وهناك اعتبار آخر حديث لكثرة حركة المهاجرين من بلدان معينة وهو القبول بالمهاجرين ومنحهم جنسية البلد المضيف.
وهناك التسامح السياسي، ويفهم من خلال الحقوق والواجبات بلا استثناء لكل فرد ولأي اعتبار ضمن مفهوم العدالة الاجتماعية للمواطنين دون تمييز من ناحية العرق والدين والطبقة الاجتماعية، من خلال الإقرار بالمساواة الفعلية للجميع ومحو الحقد والتراضي في النزاعات لما فيها من نبذ للعنف في أي حالة شقاق.
التسامح في الفكر الغربي: شهدت أوروبا في الماضي صراعات عنيفة دينية وقومية قبل أن يصبح التوافق على صيغة معينة للاستقرار ضرورة ملحّة كي تسير مصالح البشر، وخاصة بعد حركة الإصلاح الديني التي قادها مارتن لوثر، وفي القرن الثامن عشر بعد الانفتاح على الفكر الفلسفي وطغيان مرحلة الحداثة وسطوع عهد التنوير وما تلاها من موجة اختراعات كبيرة مهدت للثورة الصناعية.
يقول جون لوك في كتابه عن التسامح: "إن التسامح جاء كردّ فعل على الصراعات الدينية المتفجرة في أوروبا، ولم يكن ثمة حل لدى مفكري الإصلاح الديني في هذه الفترة التاريخية إلا الدعوة والمناداة بالتسامح المتبادل والحق في الاعتراف بالاختلاف والاعتقاد".
ومع ذلك، ما زالت لغة السياسة والمصالح تطغى، وما زالت فكرة التسامح منقوصة؛ فلم نسمع عن سياسة تسامح مع الدول المستعمَرة أو المحتلة، على سبيل المثال لا الحصر.
التسامح في الفكر العربي: بقيت الأمراض الاجتماعية عميقة لدى الشعوب العربية، وتكفي شرارة صغيرة كي تؤججها؛ ما يجعل هذه الشعوب عرضة لأي مؤامرة تستهدف أمنها واستقرارها بحجج مختلفة وسيناريوهات متعددة، ما يهدد بحروب طاحنة قد تشتعل بين الفينة والأخرى من دون أن تعي أن تلك الشروخ والأعطاب التي لم تعالَج تبقى بؤرة كامنة تسهم في إضعاف المجتمع وتبديد قواه وتسهل جلب الغزاة والطامعين بالثروات الطبيعية، والتاريخ يشهد.
هناك بعض الظواهر الكامنة التي تنتظر فرصة لتنفجر ما لم تُتّبع سياسة استراتيجية على مستوى المجتمع ككل للخروج من الدائرة الخانقة، وقد كان للمفكرين العرب دور في لفت النظر إلى هذا الخطر، وقد أوجز محمد عابد الجابري رأيه بأن التسامح علاقة قوى بين طرفين: متسامِح ومتسامَح معه، والضامن لهذه العلاقة هو ميزان القوى بينهما، ويدعو إلى أن طريق التسامح يجب أن يعتمد على الفلسفة والشك بالمسلمات، ومنه نصل إلى نسبية الحقيقة بدل الادعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة لدى جهة ما؛ ما يؤدي إلى انغلاق الفكر والتضييق عليه. ومن هنا يأتي باب الاجتهاد والتأويل بما يتوافق مع المتغيرات الحضارية في عصرنا الراهن، كما حاول في هذا الاتجاه الفيلسوف ابن رشد الذي استفادت أوروبا من فكره وعلمه أكثر مما استفاد منه أبناء جلدته.
إن التسامح لا يعني الكف عن النقد، بل يُقصد به قبول رأي الآخر واختلافه في حياته ورؤاه، ولا يعني أن من يتسامح ذو مرتبة أعلى من المتسامَح معه؛ فمبدأ التسامح يكمله مبدأ المواطنة وتفهّم الاختلاف بروحية ومحبة عالية، فلا منّة لأحد عند احترامه وتقديره لخصوصية الآخر، وإنما هو سلوك طبيعي وواجب عليه، وينطبق على الفرد والمجتمع من حيث أهمية احترام وتقدير الآخر المختلف، وفي الوقت ذاته ضمان حقوقه ومراعاة خصوصيته التي تكفلها الدولة صاحبة الشأن والمجتمع بكل أطيافه.