التاريخ بين التخيل والحقيقة في رواية "الأسير الفرنسي" لـ جان دوست

استطاع جان دوست أن يظهر تلك العلاقة المركبة بين الشرق والغرب من خلال تشابك الشخصيات على امتداد حياة النص بين عقلانية العلم في الغرب وروحانية الشرق.

  • التاريخ بين التخيل والحقيقة في رواية
    التاريخ بين التخيل والحقيقة في رواية "الأسير الفرنسي" لـ جان دوست

لطالما كان التاريخ منبعاً ثرياً للحكاية تتكئ عليه أغلب الأعمال الأدبية في تقصيها وتفكيكها للوقائع والأحداث من خلال التاريخ العام للبلاد والجغرافيا الممتدة، وكذلك التاريخ الشخصي للأبطال، وبما أن الرواية فعل تخيلي بالدرجة الأولى يتمتع الكاتب بمطلق الحرية بأن يسلط عدسته الحكائية ويقتطع جزءاً من التاريخ ليبني معماره الروائي مزاوجاً بين أفكاره ومخياله، فالخيال يرأب ثغرات الحكايات المبنية على قالب حدث يوماً ما. 

 ففي رواية "الأسير الفرنسي" للكاتب السوري جان دوست التي صدرت عن دار "الساقي" عام 2023، والتي تم إدراجها في القائمة الطويلة لجائزة البوكر دورة 2025 قصة أسر بطله بيار جوبير، وهي قصة حقيقية وجوبير شخصية حقيقية أيضاً برزت في البلاط الفرنسي كمستشرق له دراية ببلاد الشرق ويتقن العديد من لغات، وقد تناول دوست حكايته وقصة أسره في مدينة بيازيد التركية. 

 وعلى الرغم من أن العثور على أوراق أو كتب قديمة مخبأة في مكان مجهول واكتشافها والاعتماد عليها في بناء جسد الحكاية قد صار أسلوباً متكرراً عند الكثيرين، فإن الكاتب لجأ إلى الأسلوب ذاته، وهو العثور على مذكرات مستشرق فرنسي باللغة اللاتينية ليصيغ منها تاريخ بطله بيير جوبير المترجم الفرنسي المختص باللغات الشرقية والقريب من البلاط الفرنسي ومن الإمبراطور نابليون تحديداً ومبعوثاً من قبله إلى الشاه الإيراني برسالة تحمل مضامين سياسية ولوجستية، ما يجعله يتابع حركة هذا المستشرق في تنقلاته الاستعمارية بين باريس ومالطا، مستعرضاً كذلك الحملة الفرنسية على مصر ومتتبعاً نجاحه وعثراته. 

بدأ من حكاية الأسر التي يرويها في مذكراته التي شكلت عقدة العمل، ومن خلال أسلوب الاسترجاع وبانوراما شملت بداية حياته ونشأته. 

فجوبير الذي وصل إلى باريس مع عائلته إبان الثورة الفرنسية التي كانت ضحاياها ملء الشوارع والدماء تغمر المكان، ورغم أن الثورة الفرنسية لها حضور كبير في تبني شعارات الحرية والمساوة وإزالة الملكية، فإنه رفض ذلك الاقتتال المرير لأجل السلطة الذي أغرق باريس بالدم، فحاول في البداية الانضمام إلى سلك الدرك، ولكن والدته وجّهته باتجاه العلم والتحصيل الفكري في مدرسة اللغات الشرقية إذ أتقن التركية والفارسية والعربية، ما أهّله ليكون المترجم الرسمي لنابليون ومرافقاً إياه في حملاته وأهمها حملته الشهيرة إلى مصر التي استمرت ثلاث سنوات، وهنا نرى الأحداث من وجهة نظر المستعمر بأنهم ذاهبون إلى مصر لنقل الحضارة إليها وإنقاذها من حكم المماليك، وهنا يظهر السؤال المعترض على لسان الشيخ يونس "من دعاكم لإنقاذ تلك البلاد تمنعون ظلماً وترتكبون آخر". وأما جوبير فهو موهوم بنبل مقاصد دولته فيصف مصر بأنها زهرة لوتس في صحراء وهم سيسقونها بالماء وبدلاً من ذلك سقوها بالدم، وسرعان ما أدرك هو بذاته حقيقة خواء فكرة نقل الحضارة من مضمونها إذ سرعان ما ظهرت النوازع الاستعمارية، فلو أرسلوا سفينة علماء ورسامين وجغرافيين ولغويين مع المطبعة بدل الجنود لكان الأمر أقرب لادعاءاتهم الكاذبة، وقد أسهمت حواريات جوبير مع الطالب منصور في كشف تلك النوايا وإظهارها على حقيقتها، فهذا الأخير يتهمه بأنه لم يتعلم العربية حباً بها وبأهلها بل لأنهم بحاجة إليها لتسيير أمورهم في غزو البلاد.

استطاع جان دوست أن يظهر تلك العلاقة المركبة بين الشرق والغرب من خلال تشابك الشخصيات على امتداد حياة النص بين عقلانية العلم في الغرب وروحانية الشرق، فبعد الحملة يكلف البطل جوبير بإيصال رسالة من باريس إلى إيران محملاً بالهدايا الثمينة والحلي الفاخرة تأكيداً لصدق تعاملهم بالعرض المطروح وهو إنشاء تحالف عسكري لمواجهة القوة التركية وداعميها من الإنكليز، ولكن يقع ما لا تحمد عقباه، إذ يقع مع مرافقيه علي الكردي ومادو اللازي أسرى في يد الحاكم التركي محمود باشا في سجن على شكل بئر ينزلون إليه بواسطة الحبال ويخرجون بالطريقة ذاتها، وهنا يتحول ضيق الزنزانة إلى فضاء فكري لتدوين مذكراته وتاريخ حياته عبر مساعدة محمود آغا السجان النبيل الذي أمده بالأوراق والأحبار اللازمة لأنه يتعاطف معه في حدود الصلاحيات التي يستطيع أن يتلطى وراءها، إذ سطّر على تلك الأوراق مسار رحلاته إلى مالطا وصحراء مصر اللاهبة وإبحاره في غياهب المتوسط مروراً بعكا والطاغية الذي يحكمها ولا ينسى بالبدء طبعاً تاريخه في باريس وهنا يُظهر جانباً آخر للكتابة بأنها ليست تأريخاً وتوثيقاً فحسب وإنما هي نوع من التطهير للنفس ومراجعة للذات عن المفاهيم التي تبناها في زمن ما ثبت خطؤها.  

ولا ينسى في غمار ذلك أن يعرج على الوثائق والصور والمقتنيات العثمانية مستعرضاً الحياة اليومية للقوميات التي تعيش في كنف الدولة العلية، رغم معاناته المزدوجة في السجن البئر الذي أنزلوه فيه أولها ضيق المكان وشح الغذاء والثاني عدم تفاهمه مع مرافقيه والصراعات العرقية والانتماءات لكل منهم والتي ظهرت من خلال الحواريات المتبادلة فيما بينهم.

كان خلال فترة أسره يحاول إيصال خبر عنه سواء للشاه الإيراني أو للإمبراطور الفرنسي كي يعرفا أن المهمة لم تنجز ولم تسلم الرسالة إلى أصحابها، إلى أن تدبروا الأمر برسالة إلى الباب العالي لشرح أوضاعهم ومع ذلك وبعد الإفراج عنهم انتظروا مئة وعشرين يوماً حتى تيسرت لهم المغادرة نتيجة تأخر فرمان السلطان من جهة، والثلج الذي أغلق طرق السفر والطاعون الذي ألمّ بالعباد من جهة ثانية.

 لم يذكر السارد شيئاً عن وصوله ورفاقه إلى هدفهم بل جعل تلك النهاية مفتوحة كي يؤكد أحداث الزمان الذي تحرك فيه بطله مع خلفيتها التاريخية ومراميه من السرد وتحميله الأفكار التي يبغيها وجعل النهاية أسيرة مخيلة القارئ الذي يقوم بتأويل نهاية ما حسب فهمه ورغبته وفكره، ليعود الكاتب ويربطنا بما بدأه إذ يصيح جوبير" اليوميات لقد نسيناها" الأمر الذي اقتضى بوناً من الزمن حتى وجدها السارد وقام بفك شيفرتها أي شيفرة النص الذي بين أيدينا. 

والجدير بالذكر أن الكاتب جان دوست حاز جوائز عدة أهمها جائزة المعهد الثقافي الكردي في فيينا عام 2021، وجائزة مهرجان مم وزين الثقافي في أربيل عام 2021، وجائزة القصة القصيرة في سوريا عام 1993. وصدر له عن دار الساقي "عشيق المترجم"، و"نواقيس روما"، و"ثلاث خطوات إلى المشنقة"، و"إنهم ينتظرون الفجر".

اخترنا لك